الفاظ المطلق: اسم الجنس
كان الكلام في منشأ الدّلالة على الإطلاق؛ ومحصّل الكلام فيه:
المعروف عند المتأخّرين من سلطان العلماء ومن بعده هو القول باستفادة الإطلاق من مقدّمات الحكمة لا من الوضع. ورغم معروفيّة ومشهوريّة هذا القول بينهم لكن لم يُجمع عليه، فقد صرّح السّيّد الرّوحانيّ في المنتقى بأنّه لا يمكن أن تكون مقدّمات الحكمة منشأ للظّهور، وهو وإن لم يقل بالوضع للإطلاق، قال بكون منشأ الظّهور هي الدّلالة السّياقيّة من حيث أخذ الطّبيعة موضوعًا للحكم؛ فراجع.
وفي المقابل، أجمع السّابقون على سلطان العلماء على أنّ منشأ الدّلالة على الإطلاق هو الوضع.
وبالعودة إلى ما أفاده شيخنا الأستاذ في المسألة:
فقد تقدّم أنّ ملاك القول بوضع لفظ لمعنى هو خطور ذلك المعنى من إطلاق اللّفظ وسماعه من دون حاجة إلى قرينة إضافيّة، أي يكون اللّفظ بنفسه قرينة على المعنى. وهذا الملاك قائم في مورد استفادة الإطلاق من لفظ المطلق وأدواته كاسم الجنس. إذ إنّه لو استعمل المتكلّم اسم الجنس، وكان خاليًا عن قرينة التّقييد وكذا عن قرينة الإهمال، انسبق إلى الذّهن معنى الإطلاق بحيث ينعقد ظهور كلام المتكلّم على ذلك، حتّى أنّه لو عاد قائلًا بعدم استعمال اللّفظ في المطلق لاعتُرض عليه لعدم إقامته قرينة على ذلك.
هذا، ولا يرى شيخنا الأستاذ انحصار استفادة الإطلاق مطلقًا بالوضع، بل قد يستفاد الإطلاق من مقدّمات الحكمة كما في مورد الإطلاق المقاميّ حيث نقطع بظهور الكلام في بعض الموارد في ذلك.
وهذا من قبيل ما لو احتملنا وضع بعض الألفاظ الواردة على لسان المتكلّم لاصطلاح خاصّ مع عدم إقامة قرينة على ذلك، فإنّه يُستظهر الإطلاق المقاميّ في ذلك المورد، وتُحمل الألفاظ على معناها اللّغويّ دون المعنى المصطلح المحتمل.
ومثاله قول المولى "إغسل ثوبك"، فإنّنا وإن احتملنا معنى خاصًّا مصطلحًا للغسل هنا، ولكن لخلوّ المقام عن أيّ قرينة تدلّ على ذلك، لا مناص من القول بظهور كلامه في كون المعنى المستعمل فيه اللّفظ هو عين المعنى اللّغويّ متمسّكّين بالإطلاق المقاميّ. أمّا منشأ هذا الإطلاق المقاميّ فهو لزوم الإجمال في الكلام.
ويعدّ ما تقدّم من أبرز موارد التّمسّك بالإطلاق المقاميّ.
ومن هنا تعرف أنّ العمدة في حمل الألفاظ الواردة في كلمات الشّارع على معانيها اللّغويّة العرفيّة وإنكار الحقيقة الشّرعيّة هو الإطلاق المقاميّ، أي عمدة هذا القول هو التّمسّك بقرينة الحكمة الّتي معناها عدم المصير إلى الإجمال وكونه خلاف الأصل.
إذن، يمكن تصوير منشأ آخر للإطلاق كما في مورد الإطلاق المقاميّ، ولكنّ الدّعوى كون منشأ الإطلاق اللّفظيّ هو الوضع وعدم صلاحيّة ما ذكروه من مقدّمات للحكمة لتكون منشأ لاستفادة هذا النّحو من الإطلاق؛ وبيانه:
ذهب المتأخّرون إلى أنّه إذا لم يكن في الكلام تقييد، ولم يكن المتكلّم في مقام الإهمال، وكان لازم عدم الحمل على الإطلاق وقوع الإجمال في الكلام، مع فرض كونه في مقام البيان لا من باب إحراز ذلك بعنوانه بل من حيث عدم وجود قرينة على عدم كونه في مقام البيان، وهو ما عبّروا عنه بأنّ الأصل هو الكون في مقام البيان، فالمستفاد هو الإطلاق.
وكما ترى، ليس عدم وجود تقييد بكافٍ بنفسه للقول بالإطلاق عندهم، ولو كفى لرجعت مقالتهم إلى القول باستفادة الإطلاق من الوضع، أي كون اللّفظ موضوعًا للمطلق حاله حال العموم. ومع عدم الكفاية، فلا بدّ من ضمّ مقدّمة أخرى مفادها أنّه لولا الحمل على الإطلاق للزم وقوع الإجمال في الكلام.
وللإجمال معنيان، أحدهما هو المقصود في هذه المقدّمة؛ أمّا معنياه فهما:
الأوّل: معنى أن يكون الكلام مجملًا هو أن يكون بلا معنى بحيث لا يُفهم منه شيء رأسًا، كالألغاز والمعمّيات؛ وتصير المقدّمة على هذا المعنى أنّه: لولا الحمل على الإطلاق لصار الكلام بلا معنى أصلًا.
على أنّه قد يكون هذا النّحو من الإجمال مقصودًا للمتكلّم أحيانًا، بحيث تعلّقت إرادته بأن لا يفهم المخاطب مقصوده. ومن الواضح كونه خلاف الأصل، إذ الأصل في المحاورة كون المتكلّم في مقام تفيهم أمر ما.
الثّاني: معنى أن يكون الكلام مجملًا هو أن يُفهم منه شيء، ولكن لا يُفهم كلّ المراد بحدوده، بل يُفهم إجمالًا؛ كما في قوله تعالى:"أحلّ الله البيع"، إذ ما هو بصدده بيان أصل حلّيّة البيع، من دون بيان حدود تلك الحلّيّة وأنّها تشمل البيع الغرريّ أو المعاطاتيّ وما شاكل.
والسّؤال هنا: أصل عدم الإجمال العقلائيّ هو بمعنى نفي المعنى الأوّل من الإجمال أو نفي المعنى الثّاني؟ فهل مقتضى الأصل أن تنتفي كلّ أنحاء الإجمال من الكلام بحيث تتبيّن حدوده وثغوره على التّفصيل للمخاطب ويكون المنفيّ بالأصل هو المعنى الثّاني؟ أم أنّ الأصل عندهم هو انتفاء المعنى الأوّل بحيث يكون للكلام معنى ومضمون وإن شابه شيء من الإجمال من جهة بعض الحيثيّات؟
إن قيل بكون الأصل ينفي الإجمال بالمعنى الثّاني، وهو مقدّمة من مقدّمات الحكمة، كانت مقدّمات الحكمة مفيدة للإطلاق. أمّا إذا كانت المقدّمة هي نفي الإجمال بالمعنى الأوّل، فيكون للكلام معنى ما ولو لم يُفهم بكلّ حدوده وثغوره. فمع وجود قدر متيقّن في مقام التّخاطب وهو لا يكاد ينفكّ عن أيّ مقام، يتردّد الأمر بين حمل الكلام على المطلق أو وبين حمله على خصوص المقيّد، والمقيّد دالّه القدر المتيقّن، فلا مناص من الحمل عليه، ولا يبقى مجال للحمل على الإطلاق.
وقد ذهب المحقّق الآخوند هنا، إلى أنّه لا يلزم على المتكلّم أن يبيّن كلامه بحدوده المفصّلة، وهو معنى قوله إنّ الإجمال المنفيّ في الكلام بالأصل هو بالمعنى الأوّل.
ثمّ إنّه إذا كان هناك قدر متيقّن، منع وجوده _عند المحقّق الآخوند_ من التّمسّك بالإطلاق؛ إذ مع وجوده لا إجمال بالمعنى الأوّل وإن كان هناك إجمال بالمعنى الثّاني، وليس الإجمال بالمعنى الثّاني منفيًّا بالأصل، فيما الإجمال بالمعنى الأوّل المنفيّ بالأصل لا وجود له رأسًا ليُستعان به هنا. والحال أنّ موجب التّمسّك بالإطلاق هو أنّه لولاه لوقع الإجمال بالمعنى الأوّل، وهو منتفٍ هنا، فلا مجال للتّمسّك بالإطلاق.
وبعبارة أخرى نقول: إنّ الكون في مقام بيان تمام المراد بحدّه وحدوده وتفاصيله جميعًا لا يثبت بالأصل العقلائيّ، بل يحتاج إلى إحراز من خلال دالّ، فإن ثبت تمسّك بالإطلاق المقاميّ، فتدبّر.
إذا عرفت هذا: عرفت أنّ القدر المتيقّن بنفسه دالّ كافٍ على إرادة المقيّد، بحيث لو أراد المتكلّم القدر المتيقّن خاصّة كفاه وجوده في مقام التّخاطب ولا ملزم لأن يقيم قرينة إضافيّة على إرادته للمقيّد. نعم، غاية ما يقال إنّ المستفاد منه المقيّد من حيث إنّه قدر متيقّن لا هو بعنوانه وحدّه من حيث عنوانه وحدّه.
وقد استساغ المحقّق الأصفهانيّ مقدّمة الآخوند الإضافيّة على مقدّمات الحكمة القائلة بضرورة أن لا يكون هناك قدر متيقّن في مقام التّخاطب إلى حدّ أن ذهب إلى أنّه: إذا كان في الكلام قدر متيقّن في مقام التّخاطب انتفى الإجمال بمعناه الأوّل وكذا بمعناه الثّاني، بمعنى انتفى الإجمال من جهة حدود المراد أيضًا. وصار الكلام ظاهرًا في كون المقيّد هو تمام مراد المتكلّم؛ خلافًا للمحقّق الآخوند الّذي رأى بقاء الإجمال من جهة حدّ المراد، فهو لا يُنفى بالأصل.
وبعبارة أخرى: يرى المحقّق الأصفهانيّ أنّه مع وجود قدر متيقّن في الكلام يتعيّن المراد من لفظ المطلق في المقيّد، أي يصير لفظ المطلق ظاهرًا في المقيّد بحيث يكون هذا اللّفظ مضافًا إلى ما احتفّ به من قدر متيقّن بصدد بيان حدّ المراد بحدّ القدر المتيقّن.
أمّا أنّ هذا القدر المتيقّن مشروط بكونه واقعًا في مقام التّخاطب، فهو بمعنى أنّه يُحتمل كونه المراد، ولا يحتمل كون ضدّه وحده هو المراد دون القدر المتيقّن؛ كما لو قال المولى "أعتق رقبة" لم نحتمل إراته للرّقبة الكافرة خاصّة دون المؤمنة، فينتج كون المؤمنة هي القدر المتيقّن في مقام التّخاطب.
وخلاصة القول:
لا خلاف بينهم في استظهار الإطلاق في الموارد المعهودة، ولكنّ خلافهم وقع في منشأ هذا الظّهور، وما ذكروه من التّمسّك بالإطلاق منعًا للإجمال لا يستقيم مع وجود قدر متيقّن، إذ القدر المتيقّن كافٍ لرفعه.
وممّا يؤكّد هذا البيان هو أنّ الوضع ودلالة الألفاظ على المعاني هو جزء من الأمور المحسوسة بالوجدان العرفيّ لأهل كلّ لغة، بمعنى أنّ أهل اللّغة يدركون بالحسّ اللّغويّ عندهم معاني الألفاظ، وقد كان أهل اللّغة قائلين بوضع ألفاظ الإطلاق للماهيّات المطلقة إلى سلطان العلماء. فما الّذي حدث في زمن سلطان العلماء حتّى أُنكر الوضع وصار الإطلاق مستفادًا بواسطة مقدّمات الحكمة؟ لا يمكن تصوّر هذا الإنكار إلّا إن قيل بالنّقل فيها، وهو باطل.
وممّا ذكروه لدفع القول بالوضع أمران:
الأوّل: كون استعمال أدوات الإطلاق مثل أسماء الأجناس في غير الماهيّات المطلقة، أي استعمال المطلق (فرضًا) في المقيّد من دون أيّ عناية أو تجريد أو مجاز؛ وهذا يستلزم أن يكون اللّفظ موضوعًا لمعنى يتناسب مع هذا النّحو من الاستعمال، وهو ذات المعنى المعبّر عنه بالماهيّة المبهمة الجامعة بين المطلق والمقيّد.
لكن هذا غير تامّ، والجواب عليه هو الجواب الجائي في مورد العموم حال ورود مخصّص متّصل عليه من القول بتعدّد الدّال والمدلول من دون الذّهاب إلى المجازيّة.
الثّاني: إنّه لو استعملت هذه الألفاظ في المقيّد في موارد قامت القرينة فيها على كون المتكلّم في مقام الإهمال، لم يكن في البين أيّ كلفة أو عناية؛ فلا بدّ أن تكون موضوعة للأعمّ من المطلق والمقيّد.
والجواب عليه: أنّ استعمال اللّفظ في غير ما وُضع له مع القرينة (المفروضة على الإهمال) يحصل من دون أيّ كلفة زائدة على إقامة القرينة، بل لو قامت القرينة على إرادة المقيّد، فإنّ إرادة ما هو على خلاف القرينة من الإطلاق هو الّذي يحتاج في الفرض إلى كلفة ومؤونة.
فتحصّل أنّ دلالة الألفاظ على الإطلاق هو بالوضع، وأنّه هو منشأ الظّهور الإطلاقيّ؛ وتحصّل أنّ ما شُيّد من مقدّمات الحكمة لا محصّل له في إفادة الإطلاق اللّفظيّ وإن أفاد في مورد الإطلاق المقاميّ.
والعمدة أنّه لا ثمرة لهذا البحث على التّحقيق، وإلّا فعلى غير التّحقيق قد ذكروا له ثمرات من قبيل تقديم الدّلالة الوضعيّة للعموم على الدّلالة الإطلاقيّة في مورد التّنافي، لكنّها باطلة وفاقًا للشّيخ الآخوند الّذي رأى التّعارض مستقرًّا في فرضها.
