اصالة الصحة في المعاملات
بسم الله الرحمن الرحیم
الحمدلله رب العالمین و صلی الله علی سیدنا محمد و آله الطیبین الطاهرین لاسیما بقیة الله فی الأرضین و لعنة الله علی اعدائهم أجمعین الی قیام یوم الدین
وقد وصل الكلام إلى الروايات التي مفادها صحّة الصلح بناءً على انطباق عنوان الصلح على جميع العقود.الا أنه لابدّ من ملاحظة أنّ مفاد أدلة صحة الصلح هو نفس مفاد وجوب الوفاء بالعقد، وكما أنّ مشروعية متعلّق العقد لابدّ أن تکون مفروغاً عنها في دليل وجوب الوفاء بالعقد كذلك لابدّ أن تکون مفروغ عنها في دليل صحة الصلح. نعم، مدلول دليل الصلح المطابقي هو الصحة، ولكن الصلح عنوان ثانوي، وليس مفاده أنّ كل ما وقع عليه الصلح يكون مشروعاً ولو كان عملاً غير مشروع، لكي يكون مخصِّصاً لأدلة المحرمات،وكما أن دليل استحباب الوفاء بالوعد ليس معناه أن كل أمر غير مشروع إذا كان مورداً للوعد يصبح مشروعاً ويستحب العمل به، كذلك الأمر هنا.
فمفاد دليل جواز الصلح أنّ العمل إذا كان مشروعاً في نفسه ثم وقع مورد الصلح والاتفاق، فإن ذلك الاتفاق نافذ وصحيح، ولزوم الوفاء به ليس مجرد حكم تكليفي، بل اللزوم التكليفي من آثار صحة العقد ونفوذه.وقد يُتوهَّم أنه إذا كانت مشروعية العمل مفروضة في جواز الصلح يصبح الدليل لغواً.
وفیه: أنه قد يكون العمل مباحاً ولكن لا يصح التصالح والعقد عليه، فيكون مفاد هذا الدليل أن العمل المشروع إذا وقع مورداً للعقد والاتفاق كان العقد نافذاً، وإذا كان اللزوم مفاد العقد كان لازماً أيضاً.
و بغض النظر عن کون الصلح کالعقد عنواناً ثانویاً ،ورد لهذا المضمون مخصِّصٌ وإن لم يكن متصلاً في بعض الموارد، لكنه لكونه مرتكزاً يكون بمنزلة المتصل، ويمنع من التمسك بالعام في الموارد المشكوكة، وهو« إلا صلحاً أحلَّ حراماً أو حرّم حلالاً».
وفي تفسير هذه الفقرة عدة احتمالات:
الاحتمال الأول: أن يكون المراد أنّ الشرط إذا ذُكر بلفظ «التحريم» يكون فاسداً، بخلاف ما إذا كان حراماً بالحمل الشائع، فمثلاً: إذا قال «بعتك هذا بشرط أن لا تبيعه لفلان» فهو جائز، ولكن إذا قال «بعتك هذا بشرط حرمة بيعه لفلان» فشرطه فاسد.وهذا التفسير غير تام، لأنه إن کان المراد أنّ یکون الشیء حراماً لا بسبب الشرط فهذا غیرمعقول لأنّ التحریم لیس باختیار الشارط،و إن کان المراد کون الشیء حراماً بسبب الشرط فلا فرق بین ذکر لفظ التحریم و عدمه،فإنه من الواضح أن معنی «بعتکه بشرط أن لا تبیعه الی فلان» تحریم بیعه الی غیره،فلا مدخلیة لذکر الحرمة.
الاحتمال الثاني :أن يكون المراد من «تحريم الحلال» منع الفعل، وأن الشرط الفاسد هو ما كان محرِّماً لحلال لا يقبل التحريم حتى بالشرط، مثل منع الزواج ثانیاً فإنه من الأمور التي لا تقبل التحريم حتى بالشرط. فالمباحات قسمان:ما يقبل التحريم بالشرط، وما لا يقبله، والحديث يدل على فساد الشرط الذي يريد تحريم ما لايقبل التحريم بالشرط.لكن بهذا البيان تخرج الجملة عن كونها ضابطاً وقاعدة عامة، لأنها تحتاج إلى تشخيص خارجي، ثم إن القضية من قبيل الضروري بشرط المحمول .
الاحتمال الثالث: ـ و هو مذكور في كلمات الميرزا القمي (رضوان الله تعالی علیه) وهو الذي نختاره ـ و هو أن المراد بالشرط الذي «يحرّم الحلال» هو الشرط الذي يريد تحريم الحلال تحريماً دائماً وأبدياً، وهذا الشرط غير نافذ وهو تدخل من قبل الشخص في حق التشريع المنحصر فی الشارع الأقدس. فمن يريد بالشرط أن يجعل ما أباحه الشارع محرماً على نحو كلي وأبدي، فشرطه یکون باطلاً إلا أن یقوم علی صحته دليل خاص.فمثلاً: أكل الحنطة حلال، ولا يمكن جعله حراماً على نحو أبدي بالشرط. فالتحريم هنا بمعنى المنع الأبدي. وقد ذکرنا على ذلك شواهد من الروايات، منها رواية ابن أبي عمير عن بعض أصحابه، التي فسّرت «التحريم» بالمنع الأبدي، ولذلك نزلت الآية الشريفة على فعل ثلاثة من الصحابة حرّموا على أنفسهم بعض الطيبات على نحو دائم،وعليه، فالمنع المؤقت من المباحات ليس من الشروط الفاسدة. وبناءً على هذا، فهذا الشرط يختلف عن شرط عدم المخالفة للكتاب والسنة، فشرط الربا مثلاً مخالف للكتاب فلا ينفذ، ولكن شرط تحريم المباحات على نحو دائم ليس مخالفاً للكتاب، ولكنه غير نافذ بمقتضی هذه الأدلة.فتأمل لکی لاتقع فی الخلط الذی وقع فیه حتی مثل شیخنا الأعظم الأنصاری (رضوان الله تعالی علیه) فی المقام.
فكل من يشترط الترك الأبدي لشيء مباح، فشرطه غير نافذ، وهذا الحكم لا يختص بالشرط، بل يشمل النذر والعقد وغيرها.