اصالة اللزوم في المعاملات
بسم الله الرحمن الرحیم
الحمدلله رب العالمین و صلی الله علی سیدنا محمد و آله الطیبین الطاهرین لاسیما بقیة الله فی الأرضین و لعنة الله علی اعدائهم أجمعین الی قیام یوم الدین
وصل البحث الى أصالة اللزوم في المعاملات والعقود. وقد تعرض الشيخ الاعظم (رضوان الله تعالی علیه) لهذا البحث في مبحث المعاطاة وأعاده في أول كتاب الخيارات.فقد طرح في ابتداء كلامه في المعاطاة اصل اللزوم في الملك، وهذا خارج عن محل بحثنا لأننا نبحث في العقود بنحو عام سواء كان مفادها التمليك أم لم يكن، ولكنه بعد ذلك أشار ضمن الاستدلال بالاستصحاب الى أصالة اللزوم في كل عقد، سواء كان متضمنا للملك أم لغيره.
وقد استدل لاصل اللزوم بأدلة ثمانیة:
الاول: الاستصحاب وهذا الدليل عام يجري في العقود المتضمنة للملكية كالبيع وغيره، كما يجري في غيرها.والمقصود استصحاب بقاء الاثر، فإن كان اثر العقد هو الملكية فاستصحاب بقاء الملكية، وإن كان اثره أمرا آخر استصحب ذلك الاثر.
ومفروض الكلام في المعاطاة المفيدة للملك مع التردد في أن الملكية الحاصلة منها لازمة أو جائزة، فمع الشك في زوال الملكية بعد الفسخ يجري استصحاب بقائها.
و أشار الشيخ (رضوان الله تعالی علیه) الى الاشكال بأن هذا الاستصحاب من موارد الشك في المقتضي، لأن القدر المتيقن هو الملكية المتزلزلة أو الجامع بينها وبين الملكية اللازمة في المعاطاة، بل قد يقال بجريان استصحاب عدم حدوث الملكية اللازمة، فيتعيّن كونها متزلزلة.
فأجاب بأن اللزوم والجواز من أحكام الملك لا من أنحائه، فالملكية نوع واحد سواء ترتب عليها حكم اللزوم أو حكم الجواز، فالاستصحاب شخصي.وعلى فرض تعدد النوعين وعدم جريان الاستصحاب الشخصي، فاستصحاب الكلي القسم الثاني یکون جاریاً.
ولما كان بحثنا لا يختص بالبيع ولا بالعقود الناقلة للملكية، عبّرنا عنه باستصحاب بقاء العقد، أي العقد الحاصل الذي له أثر، ومع الشك في لزومه وجوازه يقال إن وجوده الاعتباري باق والاصل عدم زواله بالرجوع. كما يمكننا استصحاب نفس الأثر.
ومن الواضح أنه بهذا الاستصحاب لا يمكن إثبات نوع خاص من العقد، فلو تردد أمر عقد بین کونه بیعاً أو هبة فبعد الرجوع يستصحب بقاء الملكية، ولكن لا يثبت أن العقد كان بيعاً، لأن ذلك من التمسك بالأصل المثبت.
و قد صرّح الشیخ الأعظم (رضوان الله تعالی علیه ) بجریانه فی الشبهات الحکمیة و الموضوعیة ،الا أنّ جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية محل خلاف، ونحن لا نقبله لقصور المقتضی لا لأجل المعارضة.
والمحقق النراقي الذي يمنع الاستصحاب في الشبهات الحكمية قد قبل جریان الاستصحاب هنا، وهو لا بلحاظ كونه استصحابا عاماً، بل بلحاظ أن الامور التي إذا حدثت لا تزول إلا بإحراز زوالها يجري فيها الاستصحاب و منها الملکیة.
وما أفاده(رضوان الله تعالی علیه) غير ثابت عندنا.
وأما في الشبهات الموضوعية فيتوقف جريانه على عدم وجود أصل حاكم، كما في الشك في بقاء الزوجية بعد مضي المدة في وطء الشبهة أو عقد مردد بين الدائم والمنقطع، فإن استصحاب عدم وقوع النكاح الدائم جار ـ و لایعارضه استصحاب عدم وقوع النکاح المنقطع لعدم أثر له ـ و لا یبقی معه مجال لاستصحاب الزوجیة،ونظيره الشك في مدة الإجارة.
فبالنتيجة أن هذا الدليل لا يثبت شيئاً في محل بحثنا لأنه لا يجري عندنا في الشبهات الحكمية.
الثاني: الناس مسلطون على أموالهم وهذا الدليل يجري في العقود المفيدة للتمليك. وقد يقال إنه لا مفهوم له ليثبت أن غير المالك لا سلطنة له، لكن الشيخ الأعظم(رضوان الله تعالی علیه) أجاب بأن مفاد الرواية هو إثبات السلطنة للمالك، ومن شؤون السلطنة منع الغير من نزع المال. وهذا من باب إطلاق السلطنة لا من باب المفهوم.
وأورد علیه إشكال بأن التمسك به في مورد الشك تمسك بالعام في الشبهة المصداقية، لأنه بعد الرجوع يشك في ملكية المال حتى يكون موضوعا للسلطنة. فأجاب الشيخ بأن المال قبل الرجوع ملك للبايع، وبعد رجوع المشتري يشك في زوال ملكه، وإطلاق السلطنة يقتضي أن المشتري لا يجوز له أخذ المال بغير إذنه.
الثالث: لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفسهونفس البيان السابق يجري هنا، فرفع اليد عن المال بعد فسخ الطرف الآخر بغير طيب نفس المالك غير جائز.
الرابع: قوله تعالى: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم
فلا يجوز أكل المال إلا بسبب التجارة الرضائية، والفسخ ليس تجارة رضائية.
الخامس: فقرة المستثنى منه بناء على اتصال الاستثناء أي أن كل أكل مال بسبب غير التجارة الرضائية باطل، والفسخ من ذلك.
وموارد الخيارات خارجة بالدليل.
السادس: البائعان بالخيار ما لم يفترقا فإذا افترقا وجب البيع وهو تام لكنه خاص بالبيع.
السابع: قوله تعالى: أوفوا بالعقود.
الثامن: المؤمنون عند شروطهم بناء على أن الشرط يشمل الالتزامات الابتدائية فيشمل العقد.