اصالة اللزوم في المعاملات

نوشته شده توسط محمد حسین بیاتی. ارسال شده در تقریر عربی فقه

بسم الله الرحمن الرحیم
الحمدلله رب العالمین و صلی الله علی سیدنا محمد و آله الطیبین الطاهرین لاسیما بقیة الله فی الأرضین و لعنة الله علی اعدائهم أجمعین الی قیام یوم الدین

ذکرنا أنّ اللزوم تارةً يكون إنشائيّاً وأُخرى يكون حُكميّاً، كما أنّ اللزوم الإنشائي قد يكون على نحو شرط الفعل، وقد يكون على نحو شرط النتيجة، وقلنا إنّ المستفاد من الآية الشريفة الدالّة على وجوب الوفاء بالعقد ليس أزيد من إمضاء اللزوم الإنشائي، ولا يمكن استفادة غير ذلك منها. فمفاد الآية تنفيذ المنشأ بحدود ما أُنشأه المتعاقدان، لا أزيد من ذلك.
فإذا لم ينشیء المتعاقدان اللزوم فلا يُستفاد من الآية أنّ الشارع قد جعل اللزوم للعقد و حکم به من عنده.
وبناءً على ذلك، و بناء علی ما ذکرناه أیضاً من أنّ هذه الآية لا يمكن أن تكون دليلاً على صحّة العقد ومشروعيّته، فلا يمكن أن تكون دليلاً على مشروعيّة شرط اللزوم على نحو شرط النتيجة. نعم، اللزوم على نحو شرط الفعل حيث ثبتت مشروعيّته بقطع النظر عن هذه الآية، فإنّ الآية تنفّذه، أمّا إذا كان اللزوم على نحو شرط النتيجة ـ بأن لا يكون للمتعاقدين خيار أصلاً، بحيث لو فسخا لم يكن للفسخ أثر ـ ولم تثبت مشروعيّته من دليل آخر، فلا يمكن إثبات مشروعيّته بهذه الآية.
ومعنى الآية أنّ العقد الذي ثبتت مشروعيّته يجب الوفاء به، وأمّا إذا شككنا في مشروعيّة عقدٍ مشروط بشرط النتيجة فلا يمكن للآية أن تثبت مشروعيّته. كما أنّ مشروعيّة اللزوم على نحو شرط الفعل، والحكم بوجوب الوفاء به استناداً إلى الآية، لا يثبتان عدم نفوذ الفسخ، بل غايتهما إثبات حرمته التكليفيّة.
وهذا الإشكال بعينه جارٍ في حديث «المؤمنون عند شروطهم»، وبذلك تكون النتيجة أنّه لا آية وجوب الوفاء بالعقد ولا رواية لزوم الوفاء بالشرط تصلحان للاستدلال على لزوم العقد وعدم تأثير الفسخ فيه. نعم، لو قيل إنّ مفادهما هو اللزوم الحكمي، أي أنّ الشارع بنفسه يجعل اللزوم بهذه الأدلّة وإن لم ينشئه المتعاقدان ـ كما هو فهم الشيخ الأعظم(رضوان الله تعالی علیه) ـ لكان الاستدلال بهما صحيحاً.
والإشكال الذي ذكرناه غير الإشكال الذي ذكره الشيخ الأعظم(رضوان الله تعالی علیه) في مبحث الخيارات؛ فإنّه (طاب مثواه) هناك ذكر إشكالاً حاصله أنّ مفاد الآية هو وجوب الوفاء بالعقد، فإن كان العقد لازماً فوفاؤه بعدم فسخه، وإن كان جائزاً فوفاؤه یکون بالعمل بمقتضی جوازه، ثمّ أجاب عنه بأنّ اللزوم والجواز ليسا من أقسام العقد بل هما حكمان شرعيّان، وأنّ نفس هذه الآية دليل على اللزوم. وهذا الإشكال وجوابه بنفسه مؤيّد لما ذکرناه من أنّ ما فهمه الشيخ الأعظم(رضوان الله تعالی علیه) للآية والرواية على أنّهما تدلّان على اللزوم الحكمي غير صحيح.
وإلى هنا لم نُحرز تماميّة أيٍّ من الأدلّة لإثبات أصل لزوم المعاملات. نعم، في مثل البيع تدلّ رواية «البيعان بالخيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا وجب البيع» على اللزوم.
فالدليل الوحيد الباقي لنا هو التمسّك بإطلاقات أدلّة صحّة المعاملات، لكن لا بالبيان الذي ذكره الشيخ (رضوان الله تعالی علیه)، بل ببيانٍ آخر.
فإنّ الشيخ(ره) تمسّك بآية التجارة عن تراضٍ لإثبات صحّة العقود الماليّة، ثمّ استدلّ بها أيضاً على أصل اللزوم بنفس البيان. وحاصل مفاد الآية جواز أكل المال بالتجارة عن تراضٍ، والمقصود من جواز الأكل هو جواز التصرّفات المترتّبة على التجارة، وهذا الجواز التكليفي يدلّ بالالتزام على صحّة العقد، كما يدلّ على اللزوم أيضاً من جهة دلالته على جواز هذه التصرّفات حتى بعد الفسخ، وهو ملازم للزوم، سواء كانت الملازمة عقليّة أم عرفيّة.
وهذا التقريب مبنيّ على كون اللزوم المستفاد من الدليل لزوماً حكميّاً، أي أنّ الشارع بحكمه بحليّة التصرّفات بعد الفسخ قد حكم بلزوم المعاملة. ونفس هذا البيان جارٍ في قوله تعالى «أحلّ الله البيع»، لأنّ الشيخ فهم من هذه الآية أيضاً جواز التصرّفات المترتّبة على البيع، وإن لم يتمسّك بها في باب المعاطاة لإثبات اللزوم، لكنّه تمسّك بها في باب الخيارات.
وأمّا بياننا لإثبات اللزوم بإطلاقات أدلّة صحّة المعاملات فهو أنّ مفاد الآية هو إمضاء التجارة عن تراضٍ ـ سواء أُريد منها الحليّة الوضعيّة أم الحليّة التكليفيّة للتصرّفات ـ فالتجارة نافذة على النحو الذي أُنشئت عليه، ومثلاً البيع بحسب إنشاء المتعاقدين مشتمل على شرط اللزوم، بالبيان الذي ذكرناه سابقاً من أنّ إنشاء التمليك غير المقيّد مساوق للزوم. فمفاد هذه الأدلّة هو إمضاء ما أنشأه المتعاقدان بعينه، وإذا أنشأ المتعاقدان تمليكاً مطلقاً ـ أي شاملاً لما بعد الفسخ ـ فإنّ الشارع قد أمضاه. وعلى هذا الأساس تكون أدلّة الخيارات ـ كخيار المجلس وخيار الحيوان ـ مخصِّصة لهذه الإطلاقات.
والإشكال الذي ذكرناه في الاستدلال بآية وجوب الوفاء بالعقد ورواية لزوم الوفاء بالشرط لا يجري هنا. وبيان ذلك:
قد ذكرنا سابقاً أنّ الشرط ـ سواء كان شرط الفسخ أو شرط اللزوم ـ جزء من حقيقة المعاملة والعقد، وليس أمراً زائداً عليهما، وهذه الأدلّة واردة في مقام تنفيد وتصحيح نفس عنوان التجارة والعقد، أي إنّ مفادها أنّ كلّ ما صدق عليه عنوان البيع فهو صحيح، أو كلّ ما صدق عليه عنوان التجارة عن تراضٍ فهو صحيح، والمفروض أنّ التجارة المشروطة بشرط اللزوم على نحو شرط الفعل، أو بشرط اللزوم على نحو شرط النتيجة، كما التجارة المشروطة بشرط الفسخ، كلّها أنحاء متعدّدة من التجارة، وهذه الأدلّة تثبت صحّة كلّ ما كان تجارةً عن تراضٍ.

 

چاپ