اصالة اللزوم في المعاملات
بسم الله الرحمن الرحیم
الحمدلله رب العالمین و صلی الله علی سیدنا محمد و آله الطیبین الطاهرین لاسیما بقیة الله فی الأرضین و لعنة الله علی اعدائهم أجمعین الی قیام یوم الدین
تقدّم أنه بناءً على دلالة آية ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ على لزوم المعاملة، أُورد إشكال، وهو أنّه بعد الفسخ يُشكّ في بقاء العقد، فالتمسّك بهذه الآية لإثبات لزوم المعاملة بعد الفسخ يكون من التمسّك بالدليل في الشبهة المصداقيّة لنفس الدليل.و ذکرنا أنّ هذا الإشكال لا يختصّ بالاستدلال بهذه الآية، بل يتأتی حتّى في مثل آية التجارة عن تراضٍ.
ولدفع هذا الإشكال ذُكرت فی کلماتهم أجوبة متعدّدة، منها ما ذکره الشيخ (رضوان الله تعالی علیه) في أوائل بحث الخيارات.فقد أفاد أنّ آية ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ تدلّ على اللزوم بلحاظ الإطلاق الأحوالي والزماني. وبحسب رأيه فإنّ مفاد الآية هو حكم الشارع بلزوم العقد (لا إمضاء اللزوم الناشئ من قبل المتعاقدين)، وإطلاق هذا الحكم يقتضي أنّ الشارع يحكم باللزوم حتّى بعد إعمال الفسخ، وهذا ملازم لعدم تأثير الفسخ المساوق للزوم المعاملة.
وعلى هذا الأساس أيضاً فإنّ آية ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ التي تدلّ بالمطابقة على حلّيّة التصرّفات المترتّبة على العقد، يقتضي إطلاقها حلّيّة تلك التصرّفات حتّى بعد إعمال الفسخ، وهذا أيضاً ملازم للزوم البيع.
فمن نظره موضوع الحكم هو حدوث العقد والبيع، وقد حكم الشارع على نحوٍ مطلق بحلّيّة التصرّفات أو بوجوب الوفاء به، وهذا الإطلاق مساوق للزوم.
والجواب الآخر هو ما أفاده المحقق النائيني (رضوان الله تعالی علیه ) من أنه وإن كان بقاء العقد بعد إعمال الفسخ مشكوكاً، إلّا أنّ هذا الشكّ إنّما هو في بقاء العقد بمعناه الاسم المصدري، أي وجوده الاعتباري، أمّا العقد بمعناه المصدري، أي حدوث البيع، فليس مشكوكاً. والعقد بهذا المعنى هو موضوع حكم الشارع، وحكم الشارع بلزوم العقد بمعناه المصدري يدلّ بنفسه على بقاء العقد خارجاً. فكأنّ الشارع قال: إنّ حدوث العقد مساوق للزوم.
والجواب الثالث مذكور في كلمات المحقق الإيرواني (رضوان الله تعالی علیه) و حاصله أنّ مفاد الآية هو وجوب الوفاء بالعقد والنهي عن الفسخ، أي لا تنقضوا ذلك المضمون الذي أنشأتموه و اللزوم أيضاً جزء ممّا أنشأه المتعاقدان، أي إنّ المتعاقدين قد افترضا اللزوم في ذلك العنوان الحدوثي نفسه.
فالفسخ ينافي نفس حدوث العقد لا استمراره، لأنّ ما حدث هو تمليك بنحوٍ مستمرّ. والفسخ هو نقض للعقد بمعناه الحدوثي، لا للعقد بمعناه الاسمي المصدري وبقائه. فالعقد في حدوثه متضمّن للزوم، ولذا يكون الفسخ نقضاً لنفس ما حدث، لا لاستمراره.وهذا الكلام يطابق ما ذكرناه نحن في تبيين اللزوم في المعاملات.
فقد ذکرنا أنّ اللزوم المستفاد من هذه الآية بلحاظ المنشأ، أي بلحاظ إمضاء المنشأ على النحو الذي أُنشئ به. فإذا كان المنشأ مطلقاً، أو كان عنوان اللزوم مأخوذاً فيه بنحو الخصوص، فإنّ إمضاءه يكون مساوقاً للزوم، لأنّ إمضاء العقد هو إمضاء تمام العقد، واللزوم جزء من العقد وبهذا البيان لا معنى للقول بأنّه بعد الفسخ يُشكّ في بقاء العقد، وأنّ التمسّك بالدليل تمسّكٌ به في الشبهة المصداقيّة.
وهنا ينتهي البحث عن أصل اللزوم في المعاملات.
ثمّ إنّ الشيخ الأعظم(رضوان الله تعالی علیه) بعد بيان هذا المطلب في المعاطاة قال: وإن كان مقتضى القاعدة لزوم المعاطاة، إلّا أنّه لما كان اشتراط اللفظ في لزوم البيع إجماعيّاً، فلا يمكن الحكم بلزوم المعاطاة، ولذا لا يقول أحد بلزومها. ثمّ قال: نعم، تحقّق هذا الإجماع غير قطعي، لكنّه مظنونٌ ظنّاً قويّاً.
وهذا الكلام منه يمكن أن يكون شاهداً على اعتقاده بالانسداد؛ لأنّ الظنّ القوي غير الاطمئنان، ومع ذلك حكم بعدم لزوم المعاطاة اعتماداً على هذا الظنّ.
غير أنّ الشيخ ذكر أنّه ربّما يُشكل في تحقّق الإجماع، من جهة أنّ اعتقاد المشهور بعدم اللزوم كان ناشئاً من أنّهم لا يرون المعاطاة مفيدةً للملكيّة أصلاً، بل يرونها مفيدةً للإباحة فقط. وبناءً على هذا الفرض لم يحكم المشهور بلزوم المعاطاة، فلا يمكن ادّعاء الإجماع على نفي لزوم المعاطاة على القول بإفادتها الملكيّة، مع أنّ الشيخ نفسه يرى أنّ المعاطاة مفيدة للملكيّة.
ثمّ صوّر إجماعاً مركّباً، حاصله أنّ القائلين بالإباحة والقائلين بالملكيّة كلهم لا يلتزمون باللزوم، وعلى هذا الأساس أراد الحكم بعدم لزوم المعاطاة، غير أنّ ضعف هذا الوجه أيضاً واضح.
وعلى أيّ حال، فإنّ فی كلامه تردّداً، ولا يمكن استفادة أحد الأمرين، أعني اللزوم أو عدم اللزوم، منه بنحوٍ قطعي.