المعاطاة
بسم الله الرحمن الرحیم
الحمدلله رب العالمین و صلی الله علی سیدنا محمد و آله الطیبین الطاهرین لاسیما بقیة الله فی الأرضین و لعنة الله علی اعدائهم أجمعین الی قیام یوم الدین
کان البحث في التنبيه الثالث من تنبيهات المعاطاة و ذکرنا أنّ هذا التنبيه مرتبط بتعيين البائع والمشتري في المعاطاة، لأن البائع والمشتري كما يشتركان في بعض الأحكام ـ مثل خيار المجلس ـ فلهما أيضاً أحكام مختصة، كخيار الحيوان المختص بمشتري الحيوان، وكأن تلف المبيع قبل القبض يكون من مال البائع، وغير ذلك.
قال الشيخ الأعظم(رضوان الله تعالی علیه) : إنّه في المعاطاة إذا دفع أحد الطرفين النقد ودفع الطرف الآخر السلعة، فالذي يدفع النقد هو المشتري، إلا إذا صُرِّح بخلاف ذلك. وقد بيّنا أنّ المراد ليس أنّ من يدفع النقد لو قال «بعت» يصير بائعاً، بل المقصود أنّه إذا عُلم أنّ من يدفع النقد ناظر إلى الماليّة فهو البائع، لأنّ البائع في البيع ناظر إلى الماليّة، والمشتري ناظر إلى الخصوصيّة.
وأمّا في الفرض الذي يكون فيه العوض من كلا الطرفين سلعة، فإذا كان أحد الطرفين يدفع السلعة بعنوان الماليّة والنقد في مقابل خصوصيّة السلعة الأخرى، فهو المشتري.
وأمّا في الفرض الذي تكون فيه الخصوصيّة أو الماليّة مهمّة لكلا الطرفين، فقد ذكر الشيخ أربعة احتمالات في المسألة:
الاحتمال الأوّل: أن يكون كلا الطرفين بائعاً ومشترياً معاً، وتظهر ثمرة ذلك في حنث النذر أو العهد، كما لو نذر شخص أن لا يكون بائعاً أو لا يكون مشترياً، ونحو ذلك.
ثم قال: ولكن لا تترتّب آثار البائع والمشتري على كلا الطرفين، لأنّ ظاهر أدلّة أحكام البائع والمشتري أنّ هذه الأحكام تترتّب على من كان بائعاً فقط دون أن يكون مشترياً، أو بالعكس.
وبعبارة أخرى: يقع التعارض في هذه الموارد، لأنّ ظاهر دليل خيار الحيوان مثلاً هو أنّ مشتري الحيوان له الخيار ولا خيار للبائع، فإذا كان الشخص بائعاً ومشترياً معاً يلزم التنافي في ثبوت الخيار ونفيه.
الاحتمال الثاني: أن يكون من يدفع السلعة أوّلاً بائعاً، ومن يدفع ثانياً مشترياً.
و تبنی الشيخ الأعظم(رضوان الله تعالی علیه) هذا الاحتمال، وهو أمر غريب منه، لأنّ البحث ليس إثباتياً ليقال: إذا لم يُعلم أنّ الشخص قاصد للخصوصيّة أو للماليّة، فمن يدفع أوّلاً قاصد للماليّة، بل البحث ثبوتي، أي إنّ الفرض هو مورد يكون فيه كلا الطرفين قاصدين للخصوصيّة أو قاصدين للماليّة.
الاحتمال الثالث: أن لا يكون هذا التعامل بيعاً أصلاً، بل يكون صلحاً معاطاتياً، فلا يكون أيٌّ منهما بائعاً ولا مشترياً.
الاحتمال الرابع: أن يكون هذا التعامل معاوضةً مستقلّة، أي ليس بيعاً ولا صلحاً .
أقول:وأرى أنّ هناك احتمالاً خامساً و هو أنه فی الفرض الذي يكون فيه كلا الطرفين قاصدين للخصوصيّة، أي إنّهما يدفعان السلعة بعنوان الخصوصيّة (وبتعبير الشيخ بعنوان العوض)، لا بعنوان النقد والماليّة، يصدق البيع ولا يصدق الشراء.وفي الفرض الذي يكون فيه كلا الطرفين قاصدين للماليّة، أي إنّ ما يدفعانه هو بعنوان الماليّة، فكلٌّ منهما يشتري شيئاً ولا يبيع شيئاً. ولا إشكال في وجود بائع بلا مشتري أو مشتري بلا بائع.
وعلى رأينا: المشتري هو من يكون ناظراً إلى خصوصيّة ما يتسلّمه، والبائع هو من يكون ناظراً إلى ماليّة ما يدفعه، وأمّا كونه ناظراً إلى خصوصيّة ما يتسلّمه أو لا، فليس مهماً.
ففي الفرض الذي يكون فيه كلا الطرفين ناظرين إلى خصوصيّة ما يتسلّمونه، فكلاهما مشتريان. وفي الفرض الذي يكون فيه كلا الطرفين ناظرين إلى ماليّة ما يدفعونه، فكلاهما بائعان.
فمثلاً: إذا كان زيد يدفع البيض ليأخذ الخبز من عمرو، وكانت خصوصيّة الخبز مهمّة له، وكان عمرو أيضاً يدفع الخبز ليأخذ الخبز لأنّ خصوصيّته مهمّة له، فكلاهما مشتريان.
وأمّا إذا كان زيد يدفع البيض لأنّ المهمّ عنده تحصيل قيمة البيض وماليّته، وكان عمرو أيضاً يدفع الخبز لتحصيل قیمته ماليّته، فكلاهما بائعان.و هذا لا محذور عقلي فيه، ولا يُحَسّ فيه مانع لغوي أو اعتباري.وأمّا الفرض الذي يكون فيه كلا الطرفين ناظرين إلى الماليّة والخصوصيّة معاً، فهو خارج عن محلّ فرض الشيخ رحمه الله.