اقسام المعاطاة
بسم الله الرحمن الرحیم
الحمدلله رب العالمین و صلی الله علی سیدنا محمد و آله الطیبین الطاهرین لاسیما بقیة الله فی الأرضین و لعنة الله علی اعدائهم أجمعین الی قیام یوم الدین
تقدّم أن الشيخ الأعظم(رضوان الله تعالی علیه) ذكر للمعاطاة أربع صور:
الصورة الأولى هي التمليك بعوض، وهي نفس البيع، وهي صحيحة.والصورة الثانية هي التمليك في مقابل التمليك، وقد قال الشيخ إنها معاوضة مستقلة وهي صحيحة أيضاً.أما الصورة الثالثة والرابعة فهما مورد الإشكال.الصورة الثالثة هي الإباحة بعوض، والصورة الرابعة هي الإباحة في مقابل الإباحة. وفي هاتين الصورتين ذُكر إشكالان:
الإشكال الأول: إن إباحة بعض التصرفات لا إشكال فيها، لكن إباحة التصرفات المتوقفة على الملك غير صحيحة، بل حتى لو أباحها المالك فلا أثر لها. فالعقد المتضمن للإباحة لا يمكن أن يشتمل على إباحة الأمور غير المشروعة، ولذلك لا يمكن للمالك أن يبيح للغير بيع ماله من دون أن يكون ذلك الغير مالكاً له. وهذا الإشكال جارٍ في كل من الصورة الثالثة والرابعة.
الإشكال الثاني: إن الصورة الثالثة، وهي العقد المتضمن للإباحة في مقابل تملك العوض، ليست عقداً معهوداً، إذ لا يُعرف عقد يشتمل في آنٍ واحد على التمليك والإباحة.
وقد أجاب الشيخ عن الإشكال الأول بأن من يبيح لشخصٍ آخر جميع التصرفات في شيءٍ ما، حتى التصرفات المتوقفة على الملك، فإن جواز جميع هذه التصرفات يمكن تصوره بأحد طريقين:
الأول: إما أن يكون قد وكّله في أن يملّك ذلك الشيء لنفسه ثم يتصرف فيه، أو وكّله في أن يبيعه ثم يتملّك الثمن، أو أن يكون إنشاء إباحة جميع التصرفات دالاً بدلالة الاقتضاء ـ مثلاً ـ على إنشاء التمليك.
الثاني: أن يقوم دليل خاص يدل على أن من أُبيحت له جميع التصرفات يصبح مالكاً.
ثم قال إن أياً من هذين الطريقين لا يمكن تطبيقه في الصورتين الثالثة والرابعة، إذ لا يوجد دليل خاص، كما أن مفروض الصورتين هو أن الشخص أنشأ الإباحة لا التوكيل ولا التمليك، ولذا فإن إباحة جميع التصرفات، حتى التصرفات المتوقفة على الملك، غير صحيحة.
ثم ذكر أن قياس محل البحث على بعض الموارد الفقهية الأخرى قياس فاسد، ومن ذلك ما إذا قال لشخص: «بع مالي عن نفسك»، حيث قال الفقهاء إن هذا الكلام يدل بدلالة الاقتضاء على أحد أمرين: إما أن يتملك ذلك المال ثم يبيعه لنفسه، أو أن يبيعه عن المالك ويتملك الثمن لنفسه. ووجه دلالة الاقتضاء هنا أن المعاوضة على مال الغير غير معقولة، وهي غير جائزة شرعاً أيضاً؛ لأن حقيقة المعاوضة هي أن يقوم كل من العوضين مقام الآخر، فيخرج المثمن من ملك شخص ويدخل الثمن في ملكه، وغير ذلك غير معقول. فلو أذن لشخص أن يبيع ماله لنفسه، فإن ذلك يستلزم بدلالة الاقتضاء جواز التملك.
ومحل بحثنا يختلف عن هذا المورد، لأن المفروض فيه هو قصد إباحة التصرف و المنشأ هی الإباحة، لا الإذن في التملك.
وفرعٌ آخر هو ما إذا قال شخص لآخر: «أعتق عبدك عني»، حيث حكم الفقهاء بصحته، مع أن العتق أيضاً متوقف على الملك، وقالوا إن معنى هذا الكلام أن نفس هذا القول إنشاء للتمليك، و قول الشخص «أعتقت هذا العبد عن فلان» قبول له ضمناً، فهذا في الحقيقة بيع ضمنی خاص لا تعتبر فيه شروط البيع المعروفة.
أما في محل بحثنا فالمفروض هو إنشاء الإباحة لا إنشاء البيع والتمليك.
وفرعٌ آخر مذكور في كلمات الفقهاء، وهو ما إذا كان أحد الطرفين ذا خيار فباع المال لشخص آخر أو أعتقه، حيث حكموا بصحة البيع الثاني أو العتق، وعدّوه فسخاً للمعاملة الأولى. وقد يُقال إن المقام من هذا القبيل، فكما أن ذا الخيار له نحو من الملكية تجيز له بيع المبيع أو عتقه، فكذلك هنا تُنشأ نوع من الملكية للمباح له.
لكن الشیخ الأعظم(رضوان الله تعالی علیه) أفاد بأنّ هذا القياس أيضاً فاسد، لأن الشخص في تلك الموارد كان مالكاً من قبل، ولما كان ذا خيار فإن البيع أو العتق يقتضي رجوع ملكيته وفسخ المعاملة السابقة، أما في محل بحثنا فالمباح له لم يكن مالكاً من قبل، حتى يقال إن تصرفه يوجب رجوع المال إلى ملكه.
وقد يُدّعى أنه كما لو كان هناك دليل خاص على ملكية المباح له لحكم بملكيته ـ وإن كانت ملكية آنية لا أزيد منها ـ لأن المطلوب من دليل توقف بعض التصرفات على الملك لا يحتاج إلى أكثر من هذه الملكية الآنية، كذلك يمكن إثبات هذه الملكية الآنية بالإطلاقات، أي بالجمع بين دليل «لا بيع إلا في ملك» ودليل «الناس مسلطون على أموالهم». فإذا قال الشارع إن الناس مسلطون على أموالهم، فهذا يعني أنهم يستطيعون تسليط غيرهم حتى على بيع أموالهم لأنفسهم، ومن جهة أخرى قال إن البيع لا يكون إلا في ملك، فيكون الشارع قد جعل الملكية للمباح له.
إلا أن الشيخ ردّ هذه الدعوى أيضاً، وسيأتي توضيح ذلك إن شاء الله.