اقسام المعاطاة
بسم الله الرحمن الرحیم
الحمدلله رب العالمین و صلی الله علی سیدنا محمد و آله الطیبین الطاهرین لاسیما بقیة الله فی الأرضین و لعنة الله علی اعدائهم أجمعین الی قیام یوم الدین
تقدّم أنّ الشيخ الأعظم(رضوان الله تعالی علیه) أفاد بالنسبة الی القسم الثالث والرابع من المعاطاة، حيث يكون قصد العاقد إباحة التصرّفات بأنه لا يمكن الحكم بإباحة التصرّفات التي تتوقّف على الملك، لأن الحكم بالملكيّة ـ في الفرض الذي أنشأ فيه العاقد الإباحة ـ يحتاج إلى دليل خاص، ولا يمكن إثباته بالأدلّة العامّة. فدليل تسلّط الناس على أموالهم يفيد تسلّطهم على أموالهم لا تسلّطهم على أحکامهم.
وقد قرّبه المحقق الهاشمی(رضوان الله تعالی علیه) بأن هذا الدليل ناظر إلى التصرّف في المال بما هو مملوك، ومن حيث إضافة الملكيّة، أي انّ المالك يختلف عن غيره، فكل تصرّف يكون جائزاً يكون مشروعاً للمالك، والمالك غير محجور عن التصرّف في ماله. وهذه الرواية مختصّة بالمشروعيّة من حيث إضافة الملك إلى المالك، أي إن التصرّفات التي تكون جائزة، إنما تكون الملكيّة سبباً لجوازها. فكل تصرّف جائز يكون جائزاً للمالك. فمثلاً شرب الماء جائز، فالمالك يحقّ له أن يشرب الماء الذي هو ملكه. ومن حيث إضافة الملكيّة، لا يكون الحجر على المالك في تصرفاته المشروعة،بخلاف غير المالك حیث یکون محدوداً في تصرفاته. فليس المراد أن التصرّفات التي ليست جائزة وضعاً تكون جائزة للمالك. فلو لم يكن البيع جائزاً لغير المالك مثلاً، لا يمكن للمالك أن يجعله مأذوناً في البيع. فالتصرّف الذي هو جائز و مشروع، يكون المالك مأذوناً فيه و أمّا حرمة البيع الغرري أو الربوي ونحو ذلك، فلا ترتفع بسبب وجود العلقة الملکیة،کما أنه لا يتوهّم أحد فی أن مفاد تسلّط المالك على ماله هو أن الرجل المالك يجوز له أن يلبس الذهب الذي يملكه؟ فالدليل إنما هو ناظر فقط إلى حيث الإضافة إلى المالك، وأنه إذا كانت هناك ممنوعيّة من حيث إضافة المال إلى الشخص، فلا تكون هذه المحدوديّة و المنع في حقّ المالك ، أمّا الممنوعیة من جهات أُخرى فلا یمکن اثبات ارتفاعها بسبب وجود العلقة الملکیة بین المال و المالك.
ولا ينبغي الخلط بين هذا المعنى والضرورة بشرط المحمول، لأن معنى هذه الرواية هو الحلیة الوضعیة للتصرفات التی ثبتت حلیتها تکلیفاً فی الرتبة السابقة.
نعم، قد استفاد بعضهم من هذه الرواية مشروعيّة نفس التصرّفات المشكوكة أيضاً، لكنه غير تامّ عندنا.
ثمّ استظهر الشیخ الأعظم(رضوان الله تعالی علیه) عن کلمات بعض الفقهاء أنهم ذهبوا الی أنّ تجويز التصرّفات المتوقّفة على الملك من قبل المالك يوجب مشروعيّة تلك التصرّفات، حیث قال بعضهم: إن من اشترى شيئاً من الغاصب مع علمه بالغصب، يجوز للغاصب أن يتصرّف في ذلك العوض بجميع التصرّفات، حتى التصرّفات المتوقّفة على الملك، كأن يشتري به شيئاً لنفسه، ويصير الغاصب مالكاً لذلك الثمن بدفعه من قبل المالك و مثله ما إذا باع شخص جاريةً بثمن يعلم أن ذلك الثمن حرام وليس ملكاً للمشتري، فإن المشتري يصير مالكاً للجارية، ويجوز له جميع التصرّفات حتى المتوقّفة على الملك، كالوطء.
أقول: إن هذه الفروع المذكورة فی كلام الفقهاء لا ترتبط أصلاً بما استظهره الشيخ الأعظم(رضوان الله تعالی علیه) ففيما إذا وضع مالك الجارية الجاريةَ تحت تصرّف المشتري في مقابل شيء يعلم أن المشتري ليس مالكه، فإن دفع الجارية إباحة،لکن لا بمعنى إباحة التصرّفات، بل بمعنى التمليك المجّاني، وكذلك الحال في شراء شيء من الغاصب مع العلم بالغصب.
فمدّعى هؤلاء العلماء ـ بغض النظر عن صحته ـ ليس أن المالك يبيح التصرّفات المتوقّفة على الملك، بل إنه يُنشئ موضوع تلك التصرّفات.
نعم، أصل هذا المدّعی أيضاً غير صحيح، لأن الشخص وإن كان مع علمه بعدم استحقاق الطرف المقابل يدفع إليه الجارية أو الثمن، إلا أنه يضعه عنده بعنوان العوض لا بعنوان الهبة، وحيث إن الشارع لم يُمضِ ذلك العوض، فهو مضمون على الطرف المقابل، ولذلك قالوا: «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده»، ولم يفرّقوا بين العلم بالفساد وعدمه.
فبالنتیجة :ما ورد في كلمات هؤلاء الفقهاء لا يرتبط بما استظهره الشیخ(ره)، كما أن أصل المطلب أيضاً غير صحيح.
هذا و بالنسبة الی أصل هذا الإشكال نقول: من الناحية الصغروية، إن التصرّفات التي عدّوها متوقّفة على الملك كالبيع والوطء ونحوهما ليست متوقّفة على الملك بالمعنی الذی فهموه بل المراد من لابیع أو لا عتق فی ملك أنّ الشخص لابدّ أن یکون ذا سلطة علی البیع أو العتق، ولذا يمكن للمالك أن يبيح جميع هذه التصرّفات للغير و بالاباحة یصیر المباح له ذا سلطة كذلك. أمّا من الناحية الكبروية، فلو فرض أنّ تصرّفاً ما یکون متوقّفاً على الملك ـ بالمعنی الذی فهمه المشهور ـ ، فلا يمكن للمالك أن يبيحه لغيره من دون أن يصير ذلك الغير مالكاً.