الفاظ المطلق: اسم الجنس
أتممنا بيان اعتبارات الماهيّة وكذا إشكال الشّيخ الآخوند النّافي لوضع أسماء الأجناس لمعانٍ مطلقة خلافًا لمن سبق سلطان العلماء، وذلك من حيث إنّه إذا كانت قد وُضعت أسماء الأجناس للماهيّة على نحو اللّابشرط القسميّ، فإنّ ذلك سيستلزم محذورين: أحدهما هو مخالفة الوجدان والآخر هو استحالة الانطباق على الخارج.
والحال أنّهما منتفيان؛ فلا الوجدان العرفيّ يشعر بأيّ تجوّز أو عناية أو تجريد في مقام استعمالها في المقيّدات مثلًا، ولا شكّ في انطباق أسماء الأجناس على معانيها الخارجيّة كانطباق الرّقبة على الرّقبة الخارجيّة بلا كلام وكاستعمال الرّقبة المؤمنة في الرّقبة الخارجيّة الحائزة على خاصّيّة الإيمان من دون أيّ تجوّز أو تجريد للمعنى الوضعيّ.
من هنا، يرى الشّيخ الآخوند أنّ اسم الجنس لم يوضع للمعنى المطلق بعد أن فسّر الإطلاق بأنّه تقييد الماهيّة بلحاظ عدم التّقييد أو بلحاظ السّريان والشّمول الّذي يودي إلى صيرورتها مقيّدة بقيد ذهنيّ، ما يجعل مصداقها ومنطبقها ذهنيًّا لا غير.
والصّحيح عنده أنّ أسماء الأجناس قد وُضعت للماهيّة المهملة غير المقيّدة الّتي لم يلحظ فيها عدم التّقييد وقصر فيها النّظر على ذاتها وذاتيّاتها بحيث يتأتّى الإطلاق من قرينة خارجة عن المعنى الموضوعة له وهي مقدّمات الحكمة.
وقد أشكل المحقّق الأصفهانيّ على أستاذه الشّيخ الآخوند بما مفاده:
إنّ ما قيل من تفسير اللّابشرط القسميّ بأمر ذهنيّ لحاظيّ لا ينطبق على الخارج، ينسحب إلى سائر اعتبارات الماهيّة كالماهيّة بشرط شيء والماهيّة بشرط لا، فيصير إشكال الذّهنيّة وعدم الانطباق إشكالًا مشتركًا بين الاعتبارات الثّلاثة للماهيّة، بل يكون أشدّ في مورد القسمين الآخرين لعدم التّرديد في وجود لحاظ شيء أو لحاظ عدمه فيهما. وهو يتطلّب جوابًا سواء عند من قال بوضع أسماء الأجناس لمعانٍ مطلقة وكون الإطلاق بمعنى لحاظ عدم التّقييد دخيلًا في معناها الوضعيّ وعند من لم يقل به لالتزامه بانطباق الماهيّة بشرط شيء مثلًا على الخارج.
فكما أنّ الرّقبة المطلقة والإطلاق أي لحاظ عدم التّقييد جزء معناها الوضعيّ لا تنطبق على الخارج، كذا الرّقبة المؤمنة لا مصداق لها في الخارج، إذ الحال هو هو من حيث دخول اللّحاظ في المعنى وذهنيّته.
ومن هنا يسأل: هل مجرّد تقييد الماهيّة بلحاظ عدم التّقييد يصيّرها ذهنيّة محضة لا انطباق لها في الخارج وتصير الماهيّة الملحوظة بأيّ لحاظ كان من قبيل النّوع مستوطنة في الذّهن لا غير؟
يرى المحقّق الأصفهانيّ أنّ الألفاظ توضع للمعاني من حيث ذاتها لا من حيث إنّها ملحوظة ولا بقيد اللّحاظ، سواء كان لحاظها على نحو شرط شيء أو شرط لا أو لا بشرط، بلا فرق بين اللّحاظات.
ما يعني أنّه حتّى لو فرض كون معنى وضع أسماء الأجناس للماهيّة على نحو اللّابشرط القسميّ وكان معناه أن تلحظ الماهيّة بلحاظ عدم التّقييد، لكنّ ذلك لا يعني أنّ اللّحاظ داخل في المعنى الموضوعة له، تمامًا كما أنّ لحاظ التّقييد بشيء لا يكون دخيلًا في معنى الماهيّة بشرط شيء؛ فالألفاظ وُضعت للمحكيّات لا للصّور الذّهنيّة واللّحاظات وكيفيّة اللّحاظ وما شاكل.
مع أنّ الصّحيح في المقام عنده كون الماهيّة اللّابشرط القسميّ لم يلحظ معها لحاظ عدم التّقييد خلافًا لما ذهب إليه صاحب الكفاية.
عبارة المحقّق الأصفهانيّ هي التّالية:
"وكما أنّ المتقيّد به الماهيّة في الماهيّة بشرط شيء وبشرط لا نفس المعنى المعتبر، لا بما هو معتبر ولا اعتباره، وإلّا كانت الماهيّة مطلقًا ذهنيّة كذلك اللّابشرط القسميّ، فإنّ قيد الماهيّة هو عدم لحاظ الكتابة وعدمها [أي عدم لحاظ شيء وعدم لحاظ عدم ذلك الشّيء]، لا لحاظ عدم اللّحاظ. فهذه الاعتبارات مصحّحة لموضوعيّة الموضوع [أي مصحّحة لترتّب الحكم] على الوجه المطلوب لا أنّها مأخوذة فيه".
وقد علّق شيخنا الأستاذ بما مفاده:
حيث أراد المحقّق الأصفهانيّ ردّ كلام الشّيخ الآخوند قد خلط بين جهتين تحتاج كلّ منهما إلى تفنيد وجواب:
الأولى: أنّه إذا كان اللّحاظ دخيلًا في المعنى الموضوع له أسماء الأجناس، فهل يصير معناها ذهنيًّا محضًا ويمتنع انطباقها في الخارج؟
الثّانية: هل الماهيّة الملحوظة بنحو اللّابشرط القسميّ قد اشتملت على لحاظ عدم التّقييد كما ذهب إليه المحقّق الآخوند أم تتأتّى من مجرّد عدم لحاظ القيد كما اختار المحقّق النّائينيّ والسّيّد الصّدر؟
ويمكن الجواب عن إشكال الجهة الثّانية بما ذكره المحقّق النّائينيّ ومن تبعه من أنّ الإطلاق هو عدم اللّحاظ وليس لحاظ عدم التّقييد.
ومع ذلك حتّى لو لم نتفصّ عن إشكال دخول لحاظ عدم التّقييد في معنى اسم الجنس، يرى المحقّق الأصفهانيّ أنّه يمكن الجواب على الجهة الأولى من جهة صيرورة معنى اسم الجنس ذهنيًّا، وذلك لكون اللّحاظ شرط المعنى وليس جزءًا منه.
فلو وُضع اسم الجنس للماهيّة المطلقة بمعنى أنّها لوحظ فيها لحاظ عدم التّقييد على ما فسّره المحقّق الآخوند، لم يتأتّ الإشكال أيضًا لعدم كون اللّحاظ جزءًا من المعنى المستعمل فيه بل هو من قبيل شرط المعنى. لذا لو استعمل وأريد به غير الإطلاق كان مجازًا كما قال به من سبق سلطان العلماء، لانتفاء شرط الاستعمال وهو لحاظ عدم التّقييد.
وليس شرط الاستعمال هنا براجع إلى معنى حكم تكليفيّ مولويّ بل هو يرجع إمّا إلى انتفاء الاستعمال الحقيقيّ وصيرورته مجازيًّا وإمّا انتفاء أصل صحّة الاستعمال وصيرورته غلطًا نظير ما كان ذكر المحقّق الآخوند في المعاني الحرفيّة؛ فالحروف وُضعت بشرط أن تستعمل على نحو الآليّة لا الاستقلال كما أنّ الأسماء قد وُضعت بشرط اللّحاظ الاستقلاليّ، واستعمال أحدهما موضع الآخر يودي إلى الغلط لغة لا إلى المجاز كما كان مرّ.
ومع انتفاء إشكال أخذ اللّحاظ قيدًا لرجوعه إلى شرط الوضع على غرار شرط وضع الحروف، يرى شيخنا الأستاذ أنّه لو قام الدّليل إثباتًا على وضع أسماء الأجناس للماهيّة المطلقة بالمعنى المذكور لصار السّريان جزء مدلولها المطابقيّ وأفاد ذلك نصوصيّتها على السّريان بحيث تصير دلالة السّريان والشّمول في موردها آكد من استفادتها من مقدّمات الحكمة.
ولا ضير في أن يصير حال اسم الجنس المطلق كحال العامّ بلا فرق، بحيث يفيدان السّريان على مستوى المدلول المطابقيّ مع انحفاظ جهة رفض القيود فيهما وانحفاظ القول بممنوعيّة جمع القيود في موردهما جميعًا. وهذا النّحو من الإطلاق مختلف عن الإطلاق المستفاد من مقدّمات الحكمة، فهناك الإطلاق مدلول التزاميّ لتعلّق الحكم بالطّبيعة مع انعدام القيد والكون في مقام البيان.
في مورد الإطلاق لازم تعلّق الحكم بالطبيعة هو شمول الحكم لكل من تنطبق عليه الطبيعة فيما السريان لكل فرد هو مدلول مطابقي في مورد العموم.
وكيف كان انتفى الإشكال الثّبوتيّ العقليّ، ويبقى الكلام إثباتًا: فهل وضع اسم الجنس للماهيّة المهملة التي تقع بمثابة الجامع بين مختلف الماهيّات بمختلف الاعتبارات أم وضعت للماهية على نحو اللابشرط القسميّ وقد أُخذ لحاظ عدم التّقييد في معناها؟
ادّعى المتأخّرون الوضع للأوّل وادّعى السّابقون على سلطان العلماء الثّاني؛ والحقّ بنظر شيخنا الأستاذ هو الثّاني أي وضعها للماهيّة المطلقة وسيأتي بيانها إن شاء الله.
هذا، وقد ادّعى السّيّد البروجرديّ أنّه لا معنى للكلام عن الإطلاق من جهة الموضوع بل الإطلاق والتّقييد يرتبطان بالحكم، بمعنى إذا كان ترتّب الحكم على الماهيّة مشروطًا بشيء كانت الماهيّة مقيّدة وإذا لم يكن مقيّدًا بشيء كانت مطلقة؛ وسيأتي مزيد بيانه أيضًا إن شاء الله.