الفاظ المطلق: علم الجنس
محصّل ما ذكرنا في علم الجنس هو ما يلي:
- المعروف في الكلمات وبين علماء العربيّة كون علم الجنس موضوعًا للتّعيّن، ولذا يعدّ من المعارف في مقابل النّكرات بحيث تترتّب عليه آثاره المرصودة في بابها.
- فسّر الشّيخ الآخوند هذا التّعيّن بالتّعيّن الذّهنيّ، بمعنى كون علم الجنس موضوعًا لمعنى أُخذ فيه التّعيّن الذّهنيّ، وهو التّصوير الّذي على أساسه يكون علم الجنس مختلفًا مفهومًا عن اسم الجنس. وبناءً على هذا التّصوير يكون لحاظ التّعيّن قد لوحظ في معنى الماهيّة بحيث يقيّد معنى الماهيّة باللّحاظ.
وبالتّالي، يكون معنى "أسامة" مثلًا هو الماهيّة المقيّدة باللّحاظ والتّصوّر، ولكن إذا قيّد المعنى بلحاظ ذهنيّ صار ذهنيًّا محضًا وامتنع انطباقه على الخارج من دون عناية.
نعم، هو قابل حينها للانطباق لكن مع عناية وتجريد، مع أنّ الحاجة إلى عناية في انطباق علم الجنس على أفراده باطلة بشهادة الوجدان تمامًا كما أنّها باطلة في مورد اسم الجنس.
بل إنّ هذا النّحو من الوضع لغو لا يرتكبه الواضع الحكيم، وهو على خلاف حكمة الوضع، إذ ينتفي الدّاعي العقلائيّ لوضع من هذا القبيل مع كون الوضع أساسًا يُلجأ إليه تسهيلًا للإفهام من حاقّ اللّفظ ومن دون قرينة؛ فكيف يضع الواضع لفظًا لمعنى لا يُتوصّل إلى تطبيقه على أفراده إلّا بعناية دائمًا؟
- تمّم المحقّق الأصفهانيّ إشكال الشّيخ الآخوند آنف الذّكر لو كان التّعيّن ذهنيًّا، بحيث لا يصحّ وضع اللّفظ لمعنى قد أُخذ فيه لحاظ التّعيّن زائدًا عليه. لكنّ الصّحيح عنده أنّ علم الجنس قد وُضع للتّعيّن لكن لا الذّهنيّ بل الجنسيّ.
فليس تامًّا ما ذكره الشّيخ الآخوند من عدم تمايز اسم الجنس عن علمه، وليس صحيحًا كون علم الجنس معرفة من باب التّعبّد اللّغويّ مع خلوّه عن خصوصيّة إضافيّة توجب ذلك.
بل هناك تعيّن دخيل في المعنى وهو التّعيّن الجنسيّ، وهو راجع إلى تمايز كلّ معنى عن الآخر من دون دخالة قصد المتكلّم في تحقيقه، فالأسد غير الأرنب ولو لم يقصد المتكلّم. نعم، في اسم الجنس لم يلحظ حيث التّمايز هذا في معنى اللّفظ وإن كان واقعًا بالفعل قهرًا، في حين أنّه لوحظ في علم الجنس مضافًا إلى معنى الجنس والطّبيعة. وهذا الكلام تابع فيه صاحب الفصول والشّريف الرّضيّ في المسألة.
ولا يفوتنّك أنّ المحقّق الأصفهانيّ كما أنّه لا يرتضي دخول التّعيّن الذّهنيّ كجزء للمعنى، فكذلك الحال في التّعيّن الجنسيّ، بحيث يكون هذا التّعيّن مميّزًا لمعنى علم الجنس عن معنى اسم الجنس من دون أن يكون جزءًا من معنى علم الجنس. فيرجع لحاظ التّعيّن هنا بحسب شيخنا الأستاذ إلى شرط في اللّحاظ والتّصوّر على النّسق الّذي كان صوّر فيه شرطيّة الإطلاق والسّريان في لحاظ اسم الجنس؛ فراجع.
وبعبارة أخرى: يتميّز علم الجنس بكونه حائزًا على لحاظ التّعيّن الجنسيّ والتّميّز عن سواه من الأجناس والطّبائع في معناه، وليس معنى ذلك كون هذا اللّحاظ المفروض جزءًا من المعنى الّذي وُضع له علم الجنس، بل هو لا يعدو كونه شرطًا في لحاظه خارجًا عن معناه الوضعيّ، وإلّا لالتزم فيه بإشكال الشّيخ الآخوند الّذي تممّه من جهة صيرورة المعنى ذهنيًّا غير قابل للانطباق على الخارج؛ مع أنّنا نقول بانطباق علم الجنس على أفراده كما ينطبق اسمه.
من هنا، يتأتّى ما عبّر عنه المحقّق الأصفهانيّ غير مرّة من أنّ هذا النّحو من اللّحاظ الخارج عن المعنى الموضوع له الموجب للتّمايز بالحمل الشّائع من دون أن يكون التّمايز مأخوذًا بعنوانه في المعنى، يكون مصحّحًا للحكم والاستعمال. فكما أصرّ المحقّق الأصفهانيّ على خروج الإطلاق عن معنى اسم الجنس يقول هنا أيضًا بخروج لحاظ التّعيّن الجنسيّ عن معنى علم الجنس وإن كان حافًّا به على نحو الشّرطيّة.
هذا والصّحيح عند شيخنا الأستاذ، كون اسم الجنس دالًّا على الإطلاق بالوضع من باب شرط اللّحاظ تمامًا كما نظّر المحقّق الأصفهانيّ لاستفادة معنى التّعيّن الجنسيّ من علم الجنس مع عدم دخوله على الطّبيعة.
فاسم الجنس معنى مقيّد بالإطلاق أي شرط اللّحاظ مع عدم تركيب في معناه، وعلم الجنس مقيّد بالتّعيّن الجنسيّ أي شرط اللّحاظ مع عدم تركيب في معناه أيضًا؛ فلاحظ.
- ذهب بعض الأدباء إلى أنّ علم الجنس موضوع للطّبيعة من حيث هي، فيما اسم الجنس موضوع للطّبيعة من حيث انطباقها على الأفراد الخارجيّة.
ف "أسامة" عندهم موضوع للطّبيعة من حيث هي لا من حيث الانطباق على الخارج. وهو كما ترى، إذ هذا الفرق لا يساعد عليه الوجدان العرفيّ اللّغويّ.
وإلّا فهل الفرق بين اسم الجنس وعلمه كالفرق بين العامّ والمطلق بحيث يكون اسم الجنس كالعامّ قد وُضع للطّبيعة ملحوظًا انطباقها على أفرادها على نحو الشّمول والسّريان، أي يكون السّريان مدلولًا مطابقيًّا للعامّ، فيما يكون علم الجنس موضوعًا للطّبيعة الّتي مدلولها الالتزاميّ الانطباق القهريّ على الأفراد؟
هذا باطل، ولا دليل عليه، والوجدان العرفيّ على خلافه. وبطبيعة الحال، لا يصحّ حمل كلامهم على أنّ أحدهما ينطبق على الخارج دون الآخر، لوضوح بطلانه ووضوح انطباقهما جميعًا على الخارج.
هذا تمام الكلام في علم الجنس.
بعد ذلك يتعرّض الشّيخ الآخوند للمفرد المعرّف باللّام مثل "أعتق الرّقبة"، كأحد ألفاظ المطلق.
والمعروف بين الأدباء كون المفرد المعرّف باللّام موضوعًا للتّعيّن، والتّعيّن إمّا استغراقيّ وإمّا جنسيّ وإما عهديّ، والعهد إمّا ذهنيّ وإمّا خارجيّ وإمّا ذكريّ.
ومرادهم أنّه بدخول اللّام على المفرد يكتسب التّعيّن على أنحائه المختلفة من استغراق أو جنس أو عهد ويصير معرفة. ومع ذلك لا يختلف معنى مدخول اللّام بدخولها عليه، بل معناه على حاله مع اللّام ومن دونها، إذ التّعيّن المستفاد هو على نحو تعدّد الدّال والمدلول، أي ليس معنى المدخول أنّه متعيّن ويصير التّعيّن داخلًا في المعنى وينقلب عمّا كان عليه قبل دخولها، بل هو يتعيّن باللّام ومعناه هوهو. ومرجع ذلك إلى أنّ معنى اللّام هو التّعيّن.
مثلًا، لو قلنا "جئني بالماء البارد"، فإنّ الماء على حاله يفيد معنى الطّبيعة، ووصفه بالبارد هو بمعنى كون البرودة عارضة عليه من دون أن تكون البرودة جزء معنى الماء؛ هذا تعدّد للدّال وللمدلول، وعلى هذا النّسق يكون أمر الطّبيعة الّتي عرضت عليها لام التّعيّن.
هذا وقد يستفاد من البعض كون المراد من التّعيّن هو التّعيّن الذّهنيّ، وهذا غير صحيح بحسب صاحب الكفاية.
وكيف كان، ذهبوا إلى أنّ اللّام قد وُضعت للتّعيّن، وهو غير سديد عند الشّيخ الآخوند، والصّحيح عنده أنّها وُضعت للتّزيين مطلقًا.
وإلا لو وُضعت للتّعيّن لتأتّى إشكال الذّهنيّة المتقدّم، أي إنّ النتيجة أن يصير معنى علم الجنس بضمّ التعيّن الّذي هو أمر ذهنيّ محض، أمرًا ذهنيًّا غير قابل للانطباق على الخارج.
هذا، ولا يصحّ من الواضع الحكيم هذا النّحو من الوضع المخالف لغرضه، إذ يكون لغوًا على البيان المتقدّم في علم الجنس وفي اسمه.
وهنا أيضًا ردّ عليه المحقّق الأصفهانيّ بأنّ التعيّن الموضوع له اللّام هو التّعيّن الجنسيّ لا الذّهنيّ. نعم، هو يقبل أنّها لو وُضعت للعهد لم يكن التّعيّن من جهة خارجيّة ولا ذهنيّة بل تكون أيضًا للتعيّن الذّهنيّ الجنسيّ، فمعنى الأسد هو جنس المعهود، كما أن معنى علم الجنس قد لوحظ فيه التّعيّن الجنسيّ على المعنى المتقدّم عينه.
إذن، ردّه هنا كردّه في علم الجنس، ومفاده أنّ التّعيّن الجنسيّ لا يكون جزء المعنى، بل يكون من قبيل مصحّح الاستعمال والحكم. لفظ اللّام لم يوضع للمعهود بما أنّه ملحوظ بل وُضع لواقع الملحوظ لا بما أنّه ملحوظ متعيّن، فلم يدخل عنوان التّعيّن في المعنى بل هو مصحّح للحكم والاستعمال؛ وإلّا لو كان التّعيّن جزء المعنى لتمّ إشكال المحقّق الآخوند.
وفي المحصّلة، ذهب الشّيخ الآخوند بعد الإشكال إلى أنّ اللّام للتّزيين مثل الحروف الزّائدة، من دون أن يكون لها دخل في المعنى؛ وهي من قبيل لحوق اللّام بالأسماء "الحسن والحسين" مثلًا، فهذان لفظان معرّفان بالعلميّة ولا يتوقّف تعريفهما على دخول اللّام الّتي لم تفد في معناهما شيئًا إلّا التّزيين للكلام.
وكيف كان، لم توضع اللّام للتّعيّن بأيّ نحو من الأنحاء المتقدّمة، وإلّا كيف يتمّ تعيين نحو التّعيّن؟ أليس بالقرينة الخارجيّة؟ فلتكن القرينة الخارجيّة هي بنفسها موفية بغرض التّعيّن دون حاجة إلى اللّام، وإن لم يكن في البين قرينة خارجيّة فمن أين يتعيّن نحو التّعيّن المفروض باللّام؟