المطلق و المقید

نوشته شده توسط السيد حمزة عيسی الموسوي. ارسال شده در تقریر عربی اصول

ما زال الكلام في مقدّمات الحكمة، حيث ذهب الشّيخ الآخوند إلى عدم كون أدوات الإطلاق موضوعة للإطلاق، ما يعني أنّه لاستفادة الإطلاق لا بدّ من قرينة حال أو مقال أو قرينة عامّة كمقدّمات الحكمة.
المقدّمة الأولى من مقدّمات الحكمة في كلامه هي أن يكون المتكلّم في مقام بيان تمام المراد بحيث لا يكفي أن يكون في مقام بيان مراده إجمالًا.
وهنا ثلاث جهات للبحث تعرّض لها الشّيخ الآخوند في كلامه:
الأولى: أنّ المقصود من البيان هو أحد احتمالات ثلاثة. وقد اختار الأوّل منها ومفاده:
أن يكون المتكلّم في مقام بيان تمام ما هو وافٍ بغرضه بشخص الكلام، بحيث يأتي بتمام مقصوده وما يريد إفادته حول المسألة الّتي هو بصدد بيانها في شخص كلام واحد، ولو من دون أن يبيّن أنّ ما ذكره هو تمام المراد، أي يكفي أن يكون واقع تمام المراد الّذي لا يُنتظر كلام آخر ليفي بغرضه في البيان.
إذن، واقع المراد هو محور كلامه ولا يحتاج إلى بيان حدّه بأنّ المبيّن هو تمام المراد. وسيشير في المقدّمة الثّالثة إلى أنّه لو كان هناك قدر متيقّن في مقام التّخاطب لأمكنه الاعتماد عليه لبيان مراده، أي لبيان واقع تمام المراد من دون حدّه. ويتفرّع على هذا، أنّ حدود المبيّن تبقى ضمن دائرة الإجمال ولا يضرّ هذا النّحو من الإجمال ببيانه.
ببيان أدقّ: هو المقام الّذي يبيّن فيه المتكلّم كلّ ما هو دخيل في غرضه على مستوى الموضوع وعلى مستوى المتعلّق، على نحو لا يبقى بعدها حالة منتظرة للبيان بل كلّ ما يريده قاله.
مثلًا، لو قال في مقام البيان "أحل الله البيع"، كان المستنتج أنّ البيع هو الموضوع بلا انتظار لمزيد بيان، فكلّ ما أراده قاله؛ وهكذا الحال في مثل أمره بالإمساك في الصّوم، لكان المستنتج أنّ الإمساك عن كيت وكيت هو المتعلّق ولم يبق ما هو دخيل في بيان الإمساك إلّا وقد قاله.
وبناءً عليه، قد يبقى شيء من الإجمال من جهة الحكم، فهل الحلّ الوارد في قوله "أحلّ الله البيع" هو حلّ تكليفيّ أم وضعيّ؟ قد لا يكون في مقام بيانه. لكن لا بدّ من رفع أيّ نحو إجمال من جهة الموضوع والمتعلّق.
وهذا لا يعني أنّه لا ينعقد الإطلاق بلحاظ الحكم، بل عمدة الإطلاقات ترتبط بالأحكام، ولكن لا يوجد لابدّيّة بيان لتمام المراد بلحاظ الحكم حال الكون في مقام البيان.
وقد جاء في كلمات السّيّد الصّدر حيث فرّق بين الوجوب والحرمة من أنّ الأوّل يكفي في امتثاله إيجاد فرد واحد للطّبيعة، ما قد يوهم إرادته لكون الإطلاق منحصرًا انعقاده بخصوص الموضوع، وهو غير مراد له حتمًا.
الاحتمال الثّاني: كون المتكلّم في مقام البيان يعني أن لا يكون الكلام مجملًا بشكل تامّ؛ وهذا خلاف ظاهر مراد صاحب الكفاية.
وقد أشكل المحقّق النّائينيّ على هذا الاحتمال بأنّه إنّما يتأتّى لو كان الإطلاق بملاك دفع اللّغويّة والإجمال التّامّ، في حين أنّه حتّى لو لم نأخذ بالإطلاق لم يقع الإجمال بنحو تامّ. بل ما أراده المحقّق الآخوند هو أن يكون المتكلّم في مقام بيان تمام المراد، وحيث تمّت مقدّمات الحكمة استفدنا تمام المراد لا مجرّد ما يرفع الإجمال المطلق عن الكلام.
ولذلك يرى الشّيخ الآخوند أنّ الأصل هو أنّ المتكلم في مقام البيان من تمام الجهات إلا مع وجود ما يوجب الانصراف إلى جهة بعينها، وهذا على خلاف ما ذهب إليه السّيّد الخوئيّ.
الاحتمال الثّالث: هو أنّه في مقام بيان تمام المراد على نحو يحدّد حدّ المراد بحيث يكون ما عدا الجائي في بيانه ليس مرادًا له.
وقد صرّح الشّيخ الآخوند بما يفيد عدم إرادة هذا الاحتمال، منها حيث نظّر للمقدّمة الثّالثة من عدم وجود قدر متيقّن في مقام التّخاطب وأنّها ليست من باب الانصراف، وأنّه لو اعتمد عليه لبيان مراده لتمّ له ذلك ولكان اعتماده صحيحًا في باب المحاورة، من دون أن يكون معنيًّا بتعيين أنّه المراد بحدّه، لكنّه يحمل على كونه واقع تمام المراد.
الجهة الثانية المبحوثة في هذه المقدّمة: هي بيان مقتضى الأصل، وقد أشار إليها الشّيخ الآخوند بعد الفراغ عن المقدّمات:
المفروض أنّه إذا كان المتكلّم في مقام البيان وتحقّقت باقي المقدّمات، انعقد ظهور الكلام في الإطلاق؛ لكن هل يجب إحراز أنّه في مقام البيان؟
يرى الشّيخ الآخوند أنّ في المقام أصلًا عقلائيًّا مفاده أنّه إن لم يكن في الكلام قرينة على عدم الكون في مقام البيان، فالأصل أنّ المتكلّم في مقام البيان. وهذا ما تقتضيه سيرة العقلاء حيث يحملون المتكلّمين على أنّهم في مقام البيان من كلّ الجهات إلّا مع وجود صارف عن جهة أو عن أصل الكون في هذا المقام.
وعليه، فإنّ ما دفع البعض إلى القول بكون الإطلاق مدلولًا وضعيًّا لأدواته هو هذا البناء العقلائيّ، بحيث رأوا أنّ العقلاء يحملون الكلام على الإطلاق من دون أيّ عناية ولا تكلّف ولا حالة منتظرة لإثبات الكون في مقام البيان، وظنّوا أنّ ذلك هو بسبب الإطلاق، والحقّ عنده أنّ السّبب راجع إلى تماميّة مقدّمات الحكمة واعتمادهم على الأصل في إثبات الكون في مقام البيان.
هذا بشكل أو بآخر يكشف عن أنّهم تحسّسوا هذا الأصل ارتكازًا ولكنّهم توهّموا كونه راجعًا إلى الوضع، من دون التفات إلى كونه أصلًا بحاله في معالجة المحاورات وحملها على أصل الكون في مقام البيان لتمام المراد. وهذا يعني أنّ الشّيخ الآخوند يرى أنّه لو لم يتمّ هذا الأصل لكان الحقّ أنّ الألفاظ موضوعة للإطلاق. لكن مع هذا، الملاحظ أنّ صاحب الكفاية ذهب إلى حتميّة عدم الوضع إلى حدّ أنّه تردّد في نسبة القول بالوضع إلى المشهور.
ولا بدّ من الالتفات إلى أنّ الأصل أن يكون المتكلّم في مقام البيان من جميع الجهات، لكن هذا لا يعني أنّه لا يتكلّم على خلاف الأصل، بحيث يكون في مقام بيان جهة بعينها دون سائر الجهات، ولكن حتّى لا يكون كلامه على خلاف ضوابط باب المحاورة لا بدّ من نصب قرينة ما على ذلك، فلا ينعقد ظهور للإطلاق من جميع الجهات.
الجهة الثّالثة المبحوث عنها في هذه المقدّمة الأولى هي:
هل كون المتكلّم في مقام البيان تعني أنّه في مقام بيان الواقع؟ أم يصحّ أن يكون في مقام بيان القاعدة والقانون؟
الصّحيح هو الثّاني، إذ كونه في مقام البيان يعني أنّه في مقام تفهيم تمام مراده سواء كان راجعًا إلى الواقع أم كان راجعًا إلى بيان القاعدة والقانون القابل للتّقييد بمقيّدات منفصلة.
وقد تبيّن ممّا مرّ أنّ كونه في مقام البيان ليس مقابل عدم كونه في مقام الهزل أو الاستهزاء وما شاكل، فإنّ عدم كونه كذلك هو شرط في انعقاد أصل ظهور لكلّ كلام بحيث لا ينفكّ ظهور عن الحاجة إليه، وليس شرطًا خاصًّا بانعقاد ظهور الإطلاق.
وبالتّالي، إذا صدر عنه مقيّد لاحقًا أو وجدناه لم ينكشف عدم كونه في مقام البيان، لأنّنا لم نأخذ في المبيّن شرط أن يكون الحكم الواقعيّ الجدّيّ. بل ينكشف أنّ ما قاله لم يكن واقعيًّا جدّيًّا، مع التّحفّظ على أنّه مراد تفهيمه بذاك الخطاب.
فلو قال المولى "أحلّ الله البيع" وحملنا ذلك على الإطلاق لتماميّة مقدّمات الحكمة، ثمّ وردت مقيّدات للخطاب، انكشف أنّ الخطاب الأوّل كان بيانًا للقانون والقاعدة في الباب. ومعنى القانون أنّه ما لم يأت مخصّص فهو الحاكم والحجّة، أمّا إذا جاء مقيّد فإنّ ما قلته قد قلته ولكنّه ليس بحجّة على سعته بل دائرة حجّيّته مضيّقة بالمقيّد.
وهذا نظير ما قلناه في باب العموم من أنّ المخصّص المنفصل لا يبدّل المراد الاستعماليّ بل يبدّل المراد الجدّيّ وهو ملاك الحجّيّة.
وإلّا لو كان في مقام بيان مراده الواقعيّ كما قال المحقّق النّائينيّ، فإنّ ورود المقيّد كاشف عن عدم كونه في مقام بيان المراد الواقعيّ الجدّيّ وهو ما يودي إلى عدم صحّة التّمسّك بالإطلاق.
فكون المتكلّم في مقام بيان الحكم الواقعيّ الجدّيّ يعني أنّه بورود المقيّد انتفى الإطلاق، فماذا عن بقيّة احتمالات التّقييد؟
والحال أنّه على ما ذهب إليه الشّيخ الآخوند تُرفع اليد عن الإطلاق بمقدار ما جاء بالمقيّد، مع عدم طروّ تغيير على المراد الاستعماليّ للدّليل الأوّل. وكأنّه يدور صاحب الكفاية ارتكازًا هنا حول إشكال كان ذكره في العموم من أنّه لو تبدّل المراد الاستعماليّ بالمخصّص أو المقيّد المنفصل لكان موجبًا لعدم صحّة التّمسّك بالعامّ وكذا بالمطلق في الباقي.
لو قال المولى:"أحلّ الله البيعّ، ثمّ جاء خطاب "نهى الله عن بيع الغرر"، فتبيّن به عند المحقّق النّائينيّ أنّه لم يكن في مقام بيان المراد الواقعيّ، فكيف نتمسّك بالدّليل المطلق لإثبات صحّة المعاطاة مثلًا وصحّة سائر البيوع المحتمل التّقييد من جهتها؟
فلو لم يحلّ المحقّق النّائينيّ هذا الإشكال، لانتفت حجّيّة الإطلاق عنده، إذ ما من مطلق إلّا وقد قيّد.
ولذا يرى السّيّد الصّدر أنّ الإطلاقات قاصرة عند المحقّق النّائينيّ مهما حاول، طالما أنّه قد قال بأنّ مفاد الكون في مقام البيان هو الكون في مقام بيان المراد الجدّيّ الواقعيّ.
وسنقف على ما ذكره المحقّق النّائينيّ هنا من أنّ مقام البيان يرجع إلى مقام بيان الحكم الواقعيّ، وكيف تفصّى عن هذا الإشكال.
ولعلّ إطلاق الكلام تقيّة يكون منبّهًا على ما نقول، من أنّ عدم كون الكلام حكمًا واقعيًّا لا يعني أنّه لم يقله بل يعني أنّه ليس بحجّة؛ وإن كان رفع احتمال التّقيّة يتأتّى من إعمال أصالة الجدّ الّتي من صغرياتها عدم الكون في مقام التّقيّة.
وبالخلاصة: حيث قال المتكلّم كلامه مطلقًا وكان في مقام البيان، فقد قاله مطلقًا لا أنّه ينكشف أنّ المتلقّي قد فهم مراده خطأ بورود التّقييد المنفصل، لعدم تبدّل المراد الاستعماليّ. فما قلتُه قد قلتُه ولم يصر بالقيد كأنّه لم يقل، والآن أنا أقول خلافه.

 

چاپ