المطلق و المقید

نوشته شده توسط السيد حمزة عيسی الموسوي. ارسال شده در تقریر عربی اصول

ما زال الكلام في مقدّمات الحكمة.
وقد تمّ بيان المقدّمة الأولى الرّاجعة إلى كون المتكلّم في مقام بيان تمام مراده بشخص الكلام، بحيث لا بدّ من إحراز ذلك ولو بالأصل العقلائيّ. ومعنى أنّه في مقام البيان أي في مقام التّفهيم سواء كان المفهّم هو الحكم الواقعيّ أو القاعدة والقانون.
ومن هنا تعلم أنّ البيان الجائي في هذه المقدّمة مختلف عن البيان الوارد في قاعدة قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة. إذ المراد من البيان في باب الإطلاق هو التّفهيم والإلقاء وإظهار المراد ولو لم يكن ذلك بداعي بيان الواقع بل كان بداعي بيان القاعدة والقانون. وكون القانون مطابقًا لواقع مراده أم لا، يتبيّن للمخاطب من خلال ورود التّقييد أو عدمه، وإلّا فما لم يأت المقيّد فالوظيفة هي العمل على وفق القانون وهو الحجّة في حقّه.
ولذا قلنا ليس ورود التّقييد اللّاحق بكاشف عن عدم الكون في مقام البيان، لعدم طروّ أيّ تغيير على المدلول الاستعماليّ والتّفهيميّ للمتكلّم (التّعبير بالمدلول التّفهيمي يشير إلى إمكان أن يكون البيان مستفيدًا من المجازات، وهو وإن كان الاستعمال أعمّ من الحقيقة والمجاز لكن في هذا إشارة إلى تعميم الاستعمالات المستخدمة في مقام الإثبات والخطاب؛ فتنبّه)، وهذا ركن أساس في صحّة التّمسّك بالإطلاقات في غير مورد القيد وفي بقاء الإطلاق على الحجّيّة بعد التّقييد.
أمّا المقدّمة الثّانية من مقدّمات الحكمة فهي عدم ذكر قرينة على التّقييد.
وقد قال بهذه المقدّمة جميع من ذهب إلى كون الإطلاق مستفادًا من مقدّمات الحكمة. ومن خلال ما اتّضح في المقدّمة الأولى، صار واضحًا أنّ مراد الشّيخ الآخوند من هذه المقدّمة هو عدم ذكر قيد متّصل، لأنّ المراد من الكون في مقام البيان هو أن يكون في مقام التّفهمي بشخص هذا الكلام، والمقيّد المنفصل لا يبدّل المراد التّفهيميّ والاستعماليّ بل يبيّن المراد الجدّيّ للمتكلّم.
إذن، المانع عن انعقاد الإطلاق هو وجود قرينة متّصلة على التّقييد، وأمّا ذكر القرينة المنفصلة فغير مانع عن الإطلاق وإن كان مانعًا عن حجّيّته.
هذا، وقد ذهب المحقّق النّائيني هنا، إلى أنّ شرط انعقاد الإطلاق هو عدم ذكر القرينة مطلقًا حتّى المنفصلة، أي إنّ وجود قرينة منفصلة مانع عن انعقاد الإطلاق؛ فبعد ورود المقيّد المنفصل ينكشف عدم انعقاد ظهور الدّليل المطلق في الإطلاق، لا أنّ المقيّد المنفصل يرفع حجّيّة الظّهور المنعقد بل يثلمه من رأس.
وقد تعرّض الشّيخ الآخوند في بيانه لهذه المقدّمة إلى الانصراف، مع أنّه لم يعدّ عدم الانصراف مقدّمة مستقلّة بنفسها، بل أحد أسباب التّعيّن ووجوه القرينيّة هو الانصراف، الّذي يمنع انعقاد الإطلاق، إذ يكون من قبيل المقيّد المتّصل؛ فالانصراف نحو مقيّد لبّيّ متّصل.
وبالمناسبة، أشار صاحب الكفاية إلى خمسة أقسام للانصراف:
الأوّل: الانصراف التّعيينيّ، أي الّذي يكون بمثابة توجب التّعيّن وتحديد ظهور الكلام، مثل انصراف الحيوان إلى غير الإنسان؛
الثّاني: الانصراف إلى قدر متيقّن، وهو وإن لم يكن موجبًا للتّعيّن لكنّه يمنع عن انعقاد الدّلالة على الأوسع منه؛
الثّالث: الانصراف البدويّ، وهو الّذي يزول بالتّأمّل وكثير من موارد ادّعاء الانصراف ترجع إلى هذا القسم؛
الرّابع: الانصراف الاشتراكيّ، وهو الّذي يوجب تشكّل معنى في عرض المعنى الأصليّ؛
الخامس: الانصراف النّقليّ، وهو الّذي يوجب كون المعنى الأصليّ مهجورًا.
بعد ذلك أشار إلى إشكال مفاده: أنّ الانصراف يوجب التّقييد، والتّقييد لا يوجب المجاز في الكلام، فضلًا عن أن يوجب كون اللّفظ حقيقة في المقيّد وكون استعمال اللّفظ في المطلق مجازًا.
وجوابه عنه أنّ التّقييد لا يستلزم المجاز، لا أنّه لا يمكن أن يُتصوّر المجاز في مورد التّقييد. فإذا كان اللّفظ قد وُضع للماهيّة المطلقة أو للماهيّة المهملة، فإنّ استعماله في المقيّد مجاز. نعم، من الممكن استعمال اللّفظ في المقيّد بمثابة توجب مزيّة خاصّة في المقيّد بنحو يصير استعمال اللّفظ في غير المقيّد مجازًا.
هذا في بيان هذه المقدّمة بحسب ما ذكره الشّيخ الآخوند، وسيأتي بيانها وفقًا لمختار المحقّق النّائينيّ وما نسب إلى الشّيخ الأعظم من أنّها ترجع إلى عدم وجود قرينة ولو منفصلة.
وقد أشار السّيّد الصّدر إلى أنّ للقرينية المعيّنة والمقيّدة ثلاث حالات، لا تختلف فيها من جهة مانعيّتها عن الإطلاق، إمّا من باب القرينيّة أو من باب الصّلاحيّة للقرينيّة على التّقييد. فلا فرق بين قولنا "أكرم العالم ولا تكرم عالمًا فاسقًا" (قرينة تقييد والنّسبة عموم مطلق) وبين "أكرم العالم ولا تكرم فاسقًا" (صالح للقرينيّة والنّسبة عموم من وجه) وبين "أكرم العالم ولا تكرم كلّ فاسق" (كالسّابق)؛ ففيها جميعًا لا ينعقد الإطلاق.
فصحيح أنّ النّسبة بين العالم والفاسق هي نسبة العموم والخصوص من وجه، وأنّها ما دامت كذلك فلا يصلح النّهي عن إكرام الفاسق مقيّدًا لوجوب إكرام العالم، لإمكان أن يقيّد وجوب إكرام العالم الدّليل النّاهي، ولكن مع ذلك هناك صلاحيّة للقرينيّة فيه، لذا يكون مانعًا عن تشكّل الإطلاق.
وأمّا المقدّمة الثّالثة عند المحقّق الآخوند فهي عدم وجود قدر متيقّن في مقام التّخاطب. وقد حصّل هذه المقدّمة من حيث تدقيقه في المقدّمة الأولى المتضمّنة بنحو ما لهذه المقدّمة.
وفي الحقيقة، يحتاج استيعاب هذه المقدّمة ومقدّميّتها في المقام إلى نحو دقّة لم يعطها إيّاها بعض العلماء كالمحقّق النّائينيّ والسّيّد الخوئيّ فبادروا إلى الإشكال عليها.
بحسب الشّيخ الآخوند، شرط انعقاد ظهور في الإطلاق هو أن لا يكون هناك قدر صفته أنّه مراد على كلّ حال بحسب مقام التّخاطب. أي أن لا يكون الكلام بنحو أنّه لو كان وحده لاستفيد منه مجرّدًا عن أيّ قرينة ذاك المقدار وإلّا لما تمّ الظّهور في الإطلاق. وهذا القدر المتيقّن يقع في مقام القدر المتيقّن من الخارج أو القدر المتيقّن بلحاظ دليل خارجيّ.
القدر المتيقّن في مقام التّخاطب يعني أنّ الكلام قد أُلقي على نحو لو أريد منه ما سوى هذا القدر المتيقّن خصوصًا من دونه لكان الكلام مستهجنًا عرفًا.
وليس معنى أنّ القدر المتيقّن يمنع عن الإطلاق أنّ الظّهور ينعقد على خصوص القدر المتيقّن، بل يعني أنّه يوجب إجمال الكلام بالنّسبة لما زاد عليه، بحيث لا يمكن التّمسّك بالقدر الزّائد عليه. لكنّه لا ينفي ما زاد على القدر المتيقّن، ولا يكذّب دليلًا آخر مثلًا دلّ على إرادة ما زاد عن القدر المتيقّن.

 

چاپ