المطلق و المقید
ما جاء في المقدّمة الثّانية من المقدّمات هو أنّ الاطلاق منوط بعدم القرينة، فهل هي القرينة المتّصلة كما ذهب إليه الشّيخ الآخوند أم هي الأعمّ منها ومن المنفصلة كما نسب إلى المحقّق النّائينيّ بحسب تقريرات بحثه؟
إذن، نسب إلى المحقّق النّائينيّ قوله بإناطته بعدم الأعمّ من المنفصلة والمتّصلة، وإن كانت بعض عبائر الفوائد تفيد شيئًا آخر. ونحن ننسب إليه هذا القول بناءً على ما جاء صراحة في بعض عبائره مفيدًا لهذا المعنى، مع وجود اتّفاق بين العلماء في نسبته إليه، والمرتكز من أنّه ذهب إلى ما خالف فيه قول الشّيخ الآخوند في هذه المسألة، حيث رأى أنّ الإطلاق منوط بعدم وجود قرينة ولو منفصلة، وأنّها لو كانت لم ينعقد إطلاق رأسًا، أي هي تهدم أصل الظّهور ولا تؤثّر ضمن دائرة الحجّيّة وتعيين المراد الجدّيّ فقط. وكان ذهب الشّيخ الآخوند إلى ما ذكرناه مرارًا من أنّ القرينة المنفصلة لا تقدح في ظهور الإطلاق، ووظيفتها تعيين الحجّة من المطلق الّذي لا يتبدّل مراده الاستعماليّ بعد التّقييد.
وأمّا عدم وجود قدر متيقّن في مقام التّخاطب فهو عند الشّيخ الآخوند شرط لاستفادة الإطلاق كما ذكرنا، ومحصّل الكلام فيه:
أنّه بوجود قدر متيقّن في مقام التّخاطب، فإذا كان مراد المولى الجديّ هو هذا القدر لكان كافيًا للاعتماد عليه في إفهام مراده. لكن هذا لا يعني أنّه يستفاد من ذلك حدّ المراد، بل يستفاد واقع المراد، وما سواه مسكوت عنه لإجمال الحدّ وعدم استفادته من مقدّمات الحكمة.
نعم، يفترض في حاشيته على الكفاية أن لو كان البناء العقلائيّ هو الكون في مقام البيان لتمام المراد بحدّه، لأمكن توجيه كون القدر المتيقّن _فضلًا عن كونه مفيدًا لواقع المراد_ كذا يفيد حدّ المراد، وذلك لفرضنا أنّ اتيانه بالقدر المتيقّن وافٍ ببيان مراده بحيث لو أراد ما زاد عليه لكان ينبغي عليه التّنبيه على ذلك مع أنّه لم يفعل وهو في مقام البيان، فما اعتمد عليه من قدر متيقّن هو تمام المراد بحدّه.
ولا بدّ من الالتفات إلى أنّ هذا القدر المتيقّن لا يوجب الانصراف، ما يعني أنّه مختلف عن القدر المتيقّن الموجب للانصراف الّذي ذكره ضمن بيانه للانصراف.
فالانصراف مرتبط بنفس اللّفظ أي مستفاد بنكتة الوضع، وهو يصير من قبيل القرينة اللّفظيّة المعيّنة للمقيّد، فهو يوجب التّقييد وما يستتبع ذلك ممّا ذكرناه سابقًا. في حين أنّ القدر المتيقّن التّخاطبيّ ليس مستفادًا من اللّفظ بل من ظهورات سياقيّة ترتبط بالدّليل، ومنها مناسبات الحكم والموضوع. ولذلك لا يدخل هذا القدر المتيقّن ضمن المقدّمة الثّانية بل هو مقدّمة بحالها ترجع ضمنًا إلى المقدّمة الأولى كما أشرنا، والحال أنّ القدر المتيقّن الموجب للانصراف ومن حيث إنّه يوجب التّقييد يدخل ضمن المقدّمة الثّانية المرتبطة بذكر القيد.
والمقصود من كونه مستفادًا في مقام التّخاطب هو ما يكون من نفس الدّليل مقابل ما يكون مستفادًا من دليل خارج.
هذا، خلافًا لما فهمه السّيّد الخوئيّ من كلام الشّيخ الآخوند، حيث فسّر القدر المتيقّن من خارج بما يعمّ المستفاد من مناسبات الحكم والموضوع؛ وإن كان لم يرتض هذه المقدّمة. لكنّ الصّحيح أنّ القدر المتيقّن المأخوذ عدمه شرطًا في استفادة الإطلاق هو المتأتّي من شخص الكلام مقابل المتأتّي من كلام آخر دون المستفاد من مناسبات الحكم والموضوع، فإنّه دخيل حتمًا ضمن المستفاد من مقام التّخاطب، بحسب شيخنا الأستاذ؛ وبنظره، لا مناص لمن قال باستفادة الإطلاق من مقدّمات الحكمة عن الالتزام بهذه المقدّمة.
وقد أشكل المحقّق النّائينيّ وكذا السّيّد الخوئيّ على الشّيخ الآخوند بأنّ القدر المتيقّن المأخوذ عدمه شرطًا لاستفادة الإطلاق مطّرد في جميع الخطابات الّتي وردت جوابًا عن سؤال بحيث لا يخلو مقام تخاطب من هذا القبيل عنه، فلا يمكنه أن يتمسّك بالإطلاق في مورد من هذه الموارد.
فلو سأل السّائل المولى عن جواز الصّلاة في وبر الهرّة، فأجابه:"لا تصلّ فيما لا يؤكل لحمه"، لكان لهذا الكلام قدر متيقّن وهو مورد السّؤال أي وبر الهرّة، ولما صحّ التّمسّك بالإطلاق في كلّ ما لا يؤكل لحمه. فهل يلتزم الشّيخ الآخوند بعدم تماميّة الإطلاق هنا وبوقوع الجواب عن خصوص وبر الهرّة؟
وفي الجواب:
لا يلتزم الشّيخ الآخوند بذلك قطعًا، لكن لا لعدم تماميّة مقدّميّة عدم وجود قدر متيقّن في مقام التّخاطب، بل لكون جواب الإمام عليه السّلام قد وقع على الأوسع من مورد السّؤال، بحيث إنّ جوابه كالنّصّ في بيان القاعدة والقانون لا في بيان حكم المورد الوارد في السّؤال.
فكما أنّه يقبح أن يكون جواب الإمام عن حكم ما عدا القدر المتيقّن أي ما عدا الهرّة، كذا يقبح أن يكون جوابه بمقدار السّؤال مع كونه في مقام إطلاق القاعدة والقانون الجاري في مختلف ما لا يؤكل لحمه.
وإن شئت قلت: يقبح بيانه لخصوص حكم ما ورد في السّؤال مع وجود قاعدة جارية في مختلف موارد ما لا يؤكل لحمه وغير مختصّة بما ورد عنه السّؤال؛ ولو فعل ذلك لكان خروجًا عن الرّويّة المتعارفة في الجواب في مقام من هذا القبيل، فتأمّل.
ومع ذلك، أورد شيخنا الأستاذ على المحقّق الآخوند إشكالين هنا:
الأوّل: جاء في كلمات أعلام مثل السّيّد الخوئيّ، وهو أنّه ما من مورد إلّا وله قيود توجب وجود قدر متيقّن، ومعه لا يبقى مجال للتّمسّك بالإطلاق إلّا في مورد احتمال التّقيّد بأحد قيدين متضادّين، كأن يأمر المولى بإكرام العالم إمّا المتّقي وإمّا الكافر، فهنا في فرض هذا الدّوران لا قدر متيقّن. أمّا حيث دار الأمر بين العالم العادل والعالم على إطلاقه، كان في البين قدر متيقّن.
الثّاني: أنّ نتيجة شرط الإطلاق بعدم وجود قدر متيقّن هو عدم إمكان التّمسّك بالإطلاق في المسائل المستحدثة.
فلو قال الشّارع: يجب القصر على المسافر، والحال أنّ معنى السّفر لم يتبدّل بل هو على حاله من حيث إنّه التّغرّب عن الوطن، بل تبدّلت مصاديقه.
ولكن القدر المتيقّن من المسافر في مقام التّخاطب هو المسافر بالوسائل المعهودة في زمن النّصّ كالسّفر على الجمال، مع أنّه لا يصحّ أن يكون مقصوده ما عداه كالسّفر بواسطة الطّائرة.
ومع وجود هذا القدر المتيقّن كيف يمكن التّمسّك بالإطلاق لمورد السّفر المعاصر؟
وهكذا في مختلف المسائل المستحدثة، ما يعني أنّه بهذا الشّرط قصرت الأدلّة عن الإطلاق للمسائل المستحدثّة على مبنى الشّيخ الآخوند.
بل حتّى لو لم يأخذ القائلون باستفادة الإطلاق من مقدّمات الحكمة بمقدّميّة عدم وجود قدر متيقّن في مقام التّخاطب، إلّا أنّهم سوف لن يستطيعوا التّمسّك بالإطلاق في موارد المسائل المستحدثة من جهة ادّعاء الانصراف إلى الأفراد المتعارفة.
وعليه، لو لم يكن هناك محذور فاسد للقول باستفادة الإطلاق من مقدّمات الحكمة إلّا هذا لكفى، وهو مؤيّد قويّ للقول باستفادة الإطلاق من الوضع.