الجمع بین المطلق و المقید

نوشته شده توسط السيد حمزة عيسی الموسوي. ارسال شده در تقریر عربی اصول

كان الكلام في الجمع بين المطلق والمقيّد، وذكرنا ثلاثة وجوه لحمل المطلق على المقيّد وعدم حمل المقيّد على الاستحباب، اثنين منها ذكرهما الشّيخ الآخوند في الكفاية، وقد قبل أحدهما، فيما كان الوجه الثّالث للمحقّق النّائينيّ.
ويمكن تصوير وجه رابع يرجع إلى كون ملاك الجمع هو مفهوم الوصف لا أقوائيّة الظّهور ولا القرينيّة، وقد حكي عن الشّيخ البهائيّ وآخرين، ولكنّ الحقّ عدم ارتباط التّقييد بمفهوم الوصف، فهو مردود من جهات:
أوّلًا: لأنّ مشهور المحقّقين قائل بعدم وجود مفهوم للجملة الوصفيّة، فكيف يستقيم أن يكون حمل كلّ هذه المطلقات على التّقييد بملاك غير ثابت عند المشهور مع كونه عرفيًّا عامًّا مطّردًا؛
ثانيًا: لأنّ الجمع بالتّقييد يتأتّى من المنكر لمفهوم الوصف وليس منحصرًا بالقائل به؛
ثالثًا: من قال بمفهوم الوصف فقد قال به في الجملة، ولا يوجد قائل به بين المحقّقين بالجملة، أي إنّ عدم القول بمفهوم للوصف على نحو مطلق إجماعيّ بين الأصوليّين، والحال أنّ التّقييد يكون بالجملة لا في الجملة؛ ولو كان ملاكًا للتّقييد للزم أن يكون التّقييد على شاكلته في الجملة. ومعنى كون مفهوم الوصف في الجملة هو أنّ للقضيّة قيدًا ما بحيث لم ينصبّ الحكم على الطّبيعة على إطلاقها بلا أيّ قيد، فقوله "أكرم العالم العادل" يدلّ على أنّ الموضوع قد أخذ فيه قيد العدالة وليس العالم على إطلاقه موضوعًا، لكنّه لا يدلّ على عدم وجوب إكرام العالم غير العادل.
بعد ذلك وتتميمًا للبحث ذكر الشّيخ الآخوند بعض النّكات الّتي ترتبط بالجمع بين المطلق والمقيّد:
منها: أنّه لا فرق في الجمع بين كون المطلق والمقيّد متوافقين في النّفي والإثبات أو متخالفين، والجمع بالتّقييد يثبت في الجميع؛ وذلك لأنّ ملاك التّقييد هو وحدة الحكم، بحيث متى ثبتت وحدة الحكم جُمع بينهما بالتّقييد سواء كانا نافيين أو مثبتين أو مختلفين. وأمّا ما يقال من أنّه لا منافاة بين مثبتين فهو تامّ في غير موارد المطلق والمقيّد، كما لو قيل "أكرم الفقيه" و "أكرم النّحويّ". أمّا لو قيل "أكرم العالم" و"أكرم العالم الفقيه" وكان الحكم واحدًا فيجتمعان بالتّقييد للتّنافي بينهما.
ولا بدّ من الالتفات إلى أنّه ليس المقصود من المقيّد هو الأخصّ مطلقًا من المطلق، بحيث كلّما كنّا أمام أخصّ مطلق جعلناه دليلًا مقيّدًا بالنّسبة للمطلق، لذلك ترى أنّه لو قال المولى "أكرم العالم" و"أكرم الفقيه" لم يُجمع بينهما بالتّقييد مع كون الفقيه أخصّ من العالم. وفي الواقع حيث كان المورد من قبيل مفهوم اللّقب كانا مثبتين ولم يُجمع بينهما بالتّقييد. فيما الجمع بالتّقييد يكون حيث كان الحكم مترتّبًا في أحد الدّليلين على الموضوع المقيّد فيما يترتّب في الآخر على الموضوع المطلق، لا بمجرّد أن يكون موضوع أحد الدّليلين أخصّ من موضوع الدّليل الآخر.
ومنها: أنّه لا يختلف الحال من حيث الجمع بالتّقييد بين أدلّة الأحكام التّكليفيّة وبين أدلّة الأحكام الوضعيّة، فكما أنّه يُجمع في الحكم التّكليفيّ بين "أحلّ الله البيع" و"أحل الله البيع غير الغرريّ" بالتّقييد، فكذلك الحال في مورد الحكم الوضعيّ، لعدم اختلاف النّكتة بينهما. وإن كان قد وقع تفصيل بين المقامين في بعض الكلمات.
وقد أشار الشّيخ الآخوند هنا ضمنًا إلى نكتة الأظهريّة، حيث يكون رفع اليد عن الإطلاق أهون عرفًا من رفع اليد عن ظهور الأمر في الإلزام، فاستعمال المطلق وإرادة المقيّد أمر شائع في العرف فيما عدم إرادة الإلزام من الأمر أقلّ شيوعًا.
وهنا لا بدّ من الالتفات إلى اختلاف هذا الفرض عن فرض سابق كنّا ذكرناه، وحكمه مختلف. فقد ذكرنا أنّ موارد الإرشاد خارجة عن بحث الجمع، كما لو كان مفاد الدّليل هو الإرشاد إلى مانعيّة أو شرطيّة أو جزئيّة شيء، بحيث لا سبيل في هذا المورد إلّا للجمع بالتّقييد. على خلاف ما نحن فيه، حيث يكون الدّليل بصدد بيان حكم وضعيّ لا الإرشاد، فيتأتّى السّؤال عن وجود خصوصيّة أو قيد دخيل في ترتّب الحكم الوضعيّ كالصّحّة مثلًا أو عدم وجوده.
والفرق بينهما أنّه في مورد الإرشاد يكون الأمر أو النّهي متعلّقًا بالخصوصيّة مثل "لا تصلّ في وبر ما لا يؤكل لحمه" حيث لا معنى له إلّا التّقييد، فيما هنا يكون الدّليل بصدد بيان حكم وضعيّ كالصّحّة أو البطلان أو النّجاسة أو الطّهارة أو...بحيث نحتمل كون خصوصيّة ما دخيلة في ترتّبه كما نحتمل العدم.
ومنها: أنّه ليست نتيجة الإطلاق هو الشّيوع والسّريان دائمًا، بل نتيجة مقدّمات الحكمة تارة تكون الشّمول كما في قوله تعالى "أحلّ الله البيع"، وأخرى تكون البدليّة كقوله "صلّ"، وثالثة تكون تعيّن نوع خاصّ أو فرد خاصّ كما في قولهم إنّ الإطلاق يقتضي تعيّن كون مفاد الأمر هو الوجوب التّعيينيّ والعينيّ والنّفسيّ، بحيث لا يكون هناك معنى للشّيوع وإلّا لاستلزم اجتماع أمور متضادّة.
فنتيجة مقدّمات الحكمة تختلف باختلاف الموارد. نعم، الإطلاق دائمًا يقع في مقابل الإجمال، لكنّ نفي الإجمال يختلف مصداقه فهو تارة بحمل اللّفظ على الشّموليّة وأخرى بحمله على البدليّة وثالثة بحمله على حصّة معيّنة. والمعيّن لما ينبغي حمله عليه هي القرائن الخاصّة ولا يوجد قاعدة كلّيّة يمكن التّنظير لها.
مثلًا في قوله تعالى "أحلّ الله البيع"، لا بدّ من حمله على الشّموليّة وإلّا للزم الإجمال أو الإهمال؛ فلو كان مراده نفوذ بيع ما دون سائر البيوع، فالكلام إمّا مهمل وإمّا مجمل، مع عدم وجود معنى محصّل للبدليّة فيه.
وفي مثل "أعتق رقبة"، لا بدّ من حمله على البدليّة، لأنّ احتمال الشّموليّة منتفٍ، ولو كان مراده رقبة ما لا نعلم خصوصيّاتها للزم الإهمال والإجمال في الكلام.
وقد نسب للمحقّق العراقيّ قوله بأنّ الأصل حال دوران الإطلاق بين الشّموليّ والبدليّ هي البدليّة، وأنّ خلافه بحاجة إلى دليل. وادّعى المحقّق الأصفهانيّ خلافه وأنّ الأصل هي الشّموليّة، لأنّ اللّفظ قد وُضع للماهيّة وهي متحقّقة في جميع الأفراد، فالحكم ثابت في جميع الأفراد على الشّمول؛ وسيأتي مزيد بيان لهذا المطلب.

 

چاپ