اقسام الاطلاق

نوشته شده توسط السيد حمزة عيسی الموسوي. ارسال شده در تقریر عربی اصول

كان الكلام في آخر ما ذكره الشّيخ الآخوند في بحث المطلق والمقيّد، وهو دوران الأمر بين الإطلاق البدليّ والشّموليّ أو غيرهما.
ذكر الشّيخ الآخوند أنّ أيًّا من هذه الخصوصيّات لا تتعيّن بالإطلاق بل تتأتّى من خلال قرائن تختلف باختلاف المورد، في حين أنّه نسب السّيّد الصّدر إلى المحقّق العراقي من أنّ الأصل هي البدليّة، وأنّ الشّموليّة أو ما سواها تحتاج إلى دليل، وقد شكّك شيخنا الأستاذ في صحّة هذه النّسبة معربًا عن كون الحقّ أنّ المحقّق العراقيّ قد ذكرها كوجه وردّه.
وكيف كان، فقد تعرّض المحقّق العراقيّ لتحقيق الأصل في المقام، فذكر أنّه قد قال البعض بكون الأصل هي البدليّة، مستدلًّا على ذلك بأنّ أسماء الأجناس مثلًا قد وُضعت للماهيّات المهملة حتّى من حيث الإطلاق ولم يلحظ شيء وراء الماهيّة حتّى خصوصيّة الشّموليّة ولو بمعناها العدميّ؛ فما يتأتّى من حاقّ اللّفظ ليس إلّا معنى الماهيّة المهملة، والماهيّة المهملة لا تستدعي الاتيان بأزيد من فرد واحد على البدل. فلو تعلّق الحكم بها بحيث طلب إيجادها، لم يكن مقتضيًا لإيجاد أكثر من فرد واحد من الطّبيعة على البدل، طالما أنّ الشّمول لم يؤخذ فيها.
هذا، ولو أراد أكثر من تحقّق فرد واحد من الطّبيعة لاحتاج إلى عناية إضافيّة مفقودة بحسب الفرض، بحيث يكون الحكم متعلّقًا بالطّبيعة الملحوظ فيها الشّمول.
ثمّ أجاب المحقّق العراقيّ عن هذ الوجه بما مفاده: أنّ البيان المذكور يلحظ وضع الألفاظ من حيث إنّ الإطلاق خارج عن معناها الوضعيّ، فهذا مقتضى الوضع؛ لكنّ الأمر ليس على نفس الوزان من جهة مقتضى مقدّمات الحكمة، إذ هذه الأخيرة تقتضي ما يزيد على الماهيّة المهملة، فبحسب ما مرّ سابقًا إنّ مقتضاها هو الماهيّة بنحو اللّابشرط المقسميّ بتمام أقسامه، أي الماهيّة كيفما اتّفق وجودها، وهذا يعني أنّ مقتضى مقدّمات الحكمة هو الشّمول لا البدليّة.
ثمّ استدرك من حيث إنّه إن لم يتمّ ما ذكرنا فلا بدّ من التّمييز بين متعلّق الأمر ومتعلّق النّهي، على نحو يكون الإطلاق في الأوامر مقتضيًا للبدليّة في حين أنّه في النّواهي يقتضي الشّموليّة، لأنّه ما من أحد يرى بكون متعلّق النّهي هي الماهيّة على البدل. والحال أنّه لا فرق على مستوى الوجدان بين متعلّق الأمر ومتعلّق النّهي، فلا بدّ من القول إنّ مفاد الإطلاق سواء كان من جهة متعلّق الأمر أو النّهي هو الشّموليّة.
نعم، مع ذلك يمكن أن يقال إنّ الأمر يمكن أن يمتثل بفرد واحد ولكن لا لكون مقتضى الإطلاق هو البدليّة بل لكون المصلحة الشّخصيّة هي ملاك الأمر لا المصلحة السّنخيّة. والمقصود من المصلحة الشّخصيّة هي المصلحة المتحقّقة بالوجود الأوّل لا المصلحة المتحقّقة بالوجود بعد الوجود، وبتحقّق أوّل وجود للطّبيعة تستوفى المصلحة بحيث لا يبقى مصلحة قابلة للاستيفاء لتُطلب من خلال سائر الأفراد.
وبالنّتيجة، وإن كان إطلاق المتعلّق يقتضي الشّموليّة في الأوامر أيضًا، ولكن نرفع اليد عنه فيها لأجل كون متعلّق الأمر مطلوبًا لمصلحة شخصيّة على نحو تكون تمام المصلحة في الوجود الأوّل ولا تبقى مصلحة للوجود بعد الوجود.
وقد أشكل السّيّد الصّدر على بيان المحقّق العراقيّ لقول البعض بما يرجع إلى كون ما فرضه من الحاجة إلى مؤنة زائدة في بيان الشّموليّة غير تامّ لا ثبوتًا ولا إثباتًا، بل البدليّة والشّموليّة تكونان على وزان واحد ثبوتًا وإثباتًا من دون كون أخذ أحدهما أو بيانه مقتضيًا لعناية إضافيّة.
في المقابل ادّعى المحقّق الأصفهانيّ كون الأصل في الإطلاق هي الشّموليّة من حيث إنّ تعليق الحكم على الطّبيعة يقتضي كون الحكم ساريًا بسعة الطّبيعة، إذ نسبة الطّبيعة إلى الأفراد هي نسبة الآباء إلى الأبناء، وهذا ينسجم مع كون المستفاد هي الشّموليّة، على خلاف البدليّة الّتي تقتضي نحو محدوديّة في الطّبيعة، بحيث لا تكون الطّبيعة على سعتها وشمولها متعلّقًا للحكم، وهذا خلف المفروض.
وقد ردّ السّيّد الصّدر هذا البيان أيضًا معربًا عن عدم إحساسنا وجدانًا بأيّ كلفة زائدة في جعل الإطلاق على نحو البدليّة، متصدّيًا بنفسه لبيان وجه لتعيين أحدهما، لكنّه غير تامّ بنظر شيخنا الأستاذ والحقّ عنده ما ذكره المحقّق الآخوند من أنّه لا بدّ من تعيين مقتضى الإطلاق على أساس قرائن أخرى خارجة عن نفس الإطلاق، بمعنى أنّه لا أصل في المقام.
وأمّا الوجه الّذي بيّنه السّيّد الصّدر فمفاده: أنّ الشموليّة أوالبدليّة تارة تؤخذ بلحاظ الحكم وأخرى بلحاظ الامتثال.
أمّا بلحاظ الامتثال، فلا علاقة للشّموليّة والبدليّة بالدّلالة اللّفظيّة بعد الفراغ عن وحدة الحكم، بل هي مرتبطة بحكم العقل من أنّه هل يتحقّق الامتثال بنحو استيعاب الأفراد أم أنّه يتحقّق بالبدليّة؟ والمعروف بينهم التّفصيل بين الأمر والنّهي.
وأمّا بلحاظ الحكم وهو المرتبط بمحلّ البحث هنا، فأحيانًا تكون الشّموليّة والبدليّة بلحاظ الموضوع وأخرى بلحاظ المتعلّق.
ففي قوله "أكرم العالم" تارة نلحظ الإكرام أي متعلّق الحكم، وأخرى نلحظ العالم أي الموضوع.
أمّا من جهة الموضوع، فلأنّه أخذ مفروض الوجود، فالإطلاق شموليّ بمعنى أنّه حيثما وجد الموضوع يثبت هذا الحكم عليه؛ نعم حيث كان الموضوع منوّنًا يكون الإطلاق بدليًّا "أعتق رجلًا" أي واحدًا.
وأمّا من جهة المتعلّق، فالإطلاق يقتضي دائمًا البدليّة، لأنّ المراد من الحكم هو إيجاد المتعلّق وإيجاده يتحقّق بصرف الوجود، وصرف الوجود يتحقّق بأوّل وجود من الطّبيعة، ما يعني أنّه يسقط الحكم عند تحقّق أوّل فرد من أفراد الطّبيعة. هذا، ولكنّ مقتضى الإطلاق في متعلّق النّواهي هو الشّموليّة لا البدليّة من حيث إنّه عادة ما تكون المفسدة قائمة في جميع أفراد الطّبيعة، فيكون مطلوبًا إعدامها جميعًا، لا موجودة في خصوص صرف الوجود.
وقد علّق شيخنا الأستاذ على ذلك بأنّ ما ذكره السّيّد الصّدر ليس بكلام جديد. فهل من بين العلماء من توهّم أنّ الإطلاق يقتضي البدليّة من جهة الموضوع؟ حتّى يأتي بيان كونه شموليًّا؟ فقد ذهب جميع العلماء إلى أنّ الموضوع ولكونه مفروض الوجود، فالمراد في مورده الشّمول، بمعنى حيثما وجد الموضوع ترتّب عليه الحكم، فما وقع موضوعًا هي الطّبيعة لا صرف الوجود، وتصوّر البدليّة في الموضوع هو خلف فرض كون الطّبيعة موضوعًا.
أمّا ما أشار إليه في المتعلّق من أنّ مقتضى القاعدة هي البدليّة إلّا في النّواهي، فقد قال به العلماء أيضًا، فمتى كان متعلّق النّواهيّ هي الطّبيعة، فلا يتحقّق تركها إلّا بترك تمام أفرادها. ومن هنا فهم يرون أيضًا أنّ المفسدة موجودة في جميع الأفراد لا في الوجود الأوّل من الأفراد.
إذن، استعان السّيّد الصّدر في مورد النّواهي بالقرينة ليعيّن الشّموليّة، وقد قال بأنّ البدليّة هي مقتضى إطلاق المتعلّق في الأوامر وهو عين ما قاله الشّيخ الآخوند، مع أنّ الأخير قد استفاده من مناسبات الحكم والموضوع. ففي قوله "أعتق رقبة" لا نحتمل الشّموليّة ولا سبيل إلّا لتعيين البدليّة.
وقد أشار مقرّر بحث السّيّد الصّدر إلى أنّ ملاك عدم القول بالشّموليّة ليس عدم القدرة وحده، ليقال لا بدّ من المصير إلى البدليّة وصرف الوجود لكون طلب الشّموليّة غير مقدور، إذ قد يتعلّق الأمر بالحصص المقدورة فقط ويكون بنحو الشّمول. أي كما أنّه يمكن أن يكون الأمر داعيًا إلى المتعلّق بنحو البدليّة كذا يمكن أن يكون بنحو الشّمول، ويتعيّن أحدهما بواسطة القرينة.
وبالنّتيجة، لا مناص عن القول إنّ البدليّة أو الشّموليّة أو التّعيّن تتحدّد بواسطة القرائن الخاصّة بالخطاب.
وبقي شيء لا بدّ من الإلفات إليه وهو أنّ الإطلاق المقتضي للتّعيّن (أي تعيّن النّفسيّة والعينيّة والتعيينيّة) مختلف عند الشّيخ الآخوند عن الإطلاق المقتضي للشّموليّة أو البدليّة، ففي الأخيرين يكون بمعنى الشّيوع لكنّه ليس كذلك في تلك الموارد.
والظّاهر من كلامه أنّ المراد من الشّياع هو الشّياع الجنسيّ، وإلّا فإنّ معنى الشّياع بمعنى عدم وجود قيد متحقّق أيضًا فيها؛ وبهذا اللّحاظ يكون الإطلاق مطلقًا بمعنى الشّيوع حتّى في موارد التّعيّن.
إذن، الشّياع بلحاظ نفي القيد، وهو متحقّق في جميع موارد الإطلاق، مع اختلاف في القيد المنفيّ بحسب اختلاف المقامات.

چاپ