الجمع بین المطلق و المقید

نوشته شده توسط السيد حمزة عيسی الموسوي. ارسال شده در تقریر عربی اصول

تمّ الكلام فيما ذكره المحقّق الآخوند في بحث المطلق والمقيّد، وبقي شيء بمثابة تتميم للبحث وهي بيان عدم وجود فرق على مستوى الجمع بين المطلق والمقيّد في التّكاليف الإلزاميّة وغير الإلزاميّة، وهو الصّحيح خلافًا لما نسب إلى المشهور من قولهم بالجمع بحمل المقيّد على بيان الفرد الأكمل.
وبعد المناقشة في أصل النّسبة إلى المشهور، عبّر شيخنا الأستاذ عن عدم تماميّة هذا النّحو من الحمل.
لم يتعرّض الشّيخ الآخوند لهذا البحث بصورة مستقلّة، وأشار إليه ضمنًا أثناء دفعه لإشكال على الجمع بالتّقييد بين المطلق والمقيّد بملاك الأظهريّة، قائلًا بعدم صحّة النّقض على كلامه بما يجمع به المطلق والمقيّد في المستحبّات، ما يعني قبوله ضمنًا بهذا النّحو من الجمع فيها.
وقد ذكر السّيّد الخوئيّ وجوهًا استدلّ بها على هذا النّحو من الجمع في المستحبّات:
الوجه الأوّل: كون الأظهر في باب المستحبّات مختلفًا عن الأظهر في باب الواجبات، وهو عين جواب الشّيخ الآخوند على الإشكال على الجمع بالأظهريّة.
أمّا في الواجبات، فظهور الأمر في الوجوب وتعيّن المقيّد أقوى من ظهور اللّفظ في الإطلاق، ولذا نرفع اليد عن الإطلاق خاصّة. في حين أنّ المسألة ليست على هذا النّحو في المستحبّات بحيث يحتمل إرادته لكون ظهور المقيّد في تعدّد المراتب هو المقبول، بمعنى أنّ ظهور الأمر في المقيّد في التّعيّن أضعف من ظهور اللّفظ في الإطلاق.
فلو وردنا دليل "صلّ صلاة جعفر" مثلًا، استفيد منه أنّه ينبغي اتيان هذه الصّلاة كصلاة الصّبح من جهة الكيفيّة، وذلك على أساس الإطلاق المقاميّ الّذي سيأتي بيانه، بحيث يعتبر في هذه الصّلاة من جهة الجزء والشّرط وعدم المانع ما يعتبر في الصّلاة الواجبة إلّا أن يأتي دليل على الخلاف؛ تمامًا كما نتمسّك في دليل الصّوم المستحبّ بكونه على نفس كيفيّة الصّوم الواجب من جهة ما يجب من تروك.
ثمّ، إذا جاء دليل مقيّد مبيّن لاعتبار سور خاصّة في صلاة جعفر واعتبار أذكار خاصّة فيها، فإنّ ظهور الدّليل المقيّد في تعيّن هذه الكيفيّة أضعف من ظهور الدّليل الأوّل في مطلوبيّة هذه الصّلاة على الإطلاق.
فالمتفاهم بحسب الشّيخ الآخوند في المستحبّات وجود مراتب للأفضليّة، ومعه لا يصحّ الجمع بالتّقييد، بل بحمل المقيّد على بيان الفرد الأفضل.
وقد أشكل السّيّد الخوئيّ على هذا البيان بأنّ الغلبة ليست موجبة لأقوائيّة الظّهور؛ فمجرّد أن يشيع في المستحبّات وجود مراتب من الفضل لا يصحّ أن يكون دليلًا على انعقاد ظهور المقيّد في بيان المرتبة أو الفرد الأفضل، بحيث يكون هذا الظّهور أقوى من ظهوره في التّعيّن الرّاجع إلى كون ظهور إطلاق المطلوبيّة في الدّليل المطلق أقوى من تقييد وتعيين الدّليل المقيّد.
إذن، قاعدة الغلبة وكون الشّيء يلحق بالأعمّ الأغلب لا توجب انعقاد ظهور بالضّرورة، وإن كانت قد تنتهي أحيانًا إلى أقوائيّة ظهور على ظهور، لكنّ ذلك ليس مطّردًا لعدم كونه لزوميًّا.
الوجه الثّاني: وهو أنّ الحكم باستحباب المطلق يبقى ثابتًا من دون أن يُجمع بالتّقييد لأجل قاعدة التّسامح في أدلّة السّنن، وهو ما كان قد أشار إليه الشّيخ الآخوند أيضًا في ردّه للإشكال على بيانه. ومفاده أنّه إن كان المطلق والمقيّد يجمعان في مورد المستحبّات كما في مورد الواجبات بالتّقييد، فالجمع بالتّقييد لا ينتج انتفاء احتمال مطلوبيّة المطلق، وما دام هذا الاحتمال ثابتًا فهو موضوع لأدلّة التّسامح في أدلّة السّنن، فيُحكم باستحباب الحصص الفاقدة للقيد لأجلها أيضًا.
مفاد قاعدة التّسامح في أدلّة السّنن عند الشّيخ الآخوند هو استحباب مولويّ لما بلغ، لا استحباب الاحتياط، وبينهما فرق على مستوى النّتائج والثّمرات. فمثلًا: بناءً على كون المستفاد من أدلّة من بلغ هو استحباب الاحتياط كما ذهب إليه المشهور، فلا يصحّ الاتيان بالوضوء لأجل الصّلاة الّتي وقعت موضوعًا لها، بل لا بدّ من الاتيان بالوضوء لعمل محرز المشروعيّة، ثمّ يصلّى به هذه الصّلاة المتسامح فيها احتياطًا. على خلاف مبنى الشّيخ الآخوند، لأنّه قائل باستحباب تلك الصّلاة فيؤتى لها بوضوء لأدائها من حيث أمرها المولويّ.
ومثال آخر: لو نذر مكلّف الاتيان بعمل مأمور به، لم تكن الصّلاة الواقعة موضوعًا لقاعدة التّسامح مصداقًا لنذره بناءً على مبنى المشهور من القول باستحباب الاحتياط، وتكون مصداقًا بناءً على ما ذهب إليه الشّيخ الآخوند. إذ أصل المشروعيّة والمطلوبيّة مشكوك عند المشهور فيما هي محقّقة عند الشّيخ الآخوند.
ومثال آخر أيضًا: ذهب الفقهاء إلى استحباب إعادة الصّلاة جماعة للمكلّف الّذي صلّاها فرادى، فيمكنه الاتيان بوضوء لها عن أمرها. أمّا بالنّسبة إلى إمام الجماعة الّذي صلّى جماعة إمامًا، فتكرار الصّلاة منه إمامًا لجماعة أخرى محلّ كلام، فيأتي بها بعنوان رجاء المطلوبيّة. ولا يستطيع بناءً على رأي المشهور أن يقتدي به المكلّف لكون أصل المشروعيّة والمطلوبيّة مشكوك، والحال أنّه لا إشكال في ذلك بناءً على رأي صاحب الكفاية.
ومبنى الشّيخ الآخوند يرجع إلى كون احتمال الأمر الأوّليّ موجبًا للجزم بالأمر الثّانويّ، فالعمل الواصل عليه ثواب أو الأمر الاستحبابيّ الواصل بخبر ضعيف هو مستحبّ جزمًا، في حين يرى المشهور أنّ مفاد أدلّة من بلغ هو بيان استحباب الاحتياط لا أكثر.
نعم، لا بدّ من الالتفات إلى أنّه حتّى عند الشّيخ الآخوند لا بدّ من تحقّق موضوع تلك الأخبار وهو البلوغ، كأن يبلغ ثواب على عمل بخبر ضعيف إمّا سندًا وإمّا دلالة لكونه معارضًا مغلوبًا. أمّا حيث كان الخبر مجمل الدّلالة فلم يتحقّق أصل البلوغ.
ومن هنا تعرف أنّ ما ذكر في بعض الكلمات من أنّ الاحتمال كافٍ في شمول أدلّة التّسامح له، يعني الاحتمال النّاشئ من البلوغ. نعم، اختلفوا في صدق البلوغ بالفتوى، ولا يبعد القول به.
وقد مرّ من شيخنا الأستاذ الإشكال على هذا الوجه من أنّه لا يصدق عنوان البلوغ على الحصّة الفاقدة للقيد مع فرض الجمع بين المطلق والمقيّد بالتّقييد، فلم يتحقّق موضوع أدلّة التّسامح في أدلّة السّنن. إذ الظّاهر من البلوغ هو البلوغ بحسب مقام الاعتبار والاحتجاج بحيث يمكن نسبة القول إلى القائل ولو احتمالًا. أمّا حيث كان هناك جمع عرفيّ بين الكلامين، فالمطلق يحمل على المقيّد ومعه لا يصدق كونه قد قال المطلق من حيث إنّه مطلق. نعم، قد قال القانون والقاعدة لكنّه لم يكن مرادًا جدّيًّا له.
إذن، ظاهر أخبار من بلغ كونها ناظرة إلى مقام الجدّ بحيث يكون محتملًا بلحاظ هذا المقام، وهذا منتفٍ في مورد الجمع العرفيّ بالنّسبة للمطلق.
وقد أشكل بهذا الإشكال السّيّد الخوئيّ وكذا السّيّد الحكيم كما كنّا أشرنا سابقًا.
الوجه الثّالث: وهو ما ذكره المحقّق النّائينيّ من أنّ منشأ حمل المطلق على المقيّد في الواجبات هو الإلزام بالاتيان بالمقيّد وعدم جواز الاكتفاء امتثالًا بالحصّة الفاقدة للقيد، إذ الفرض كون المطلوبيّة متعلّقة بصرف الوجود ووجود الأمر بالمقيّد، فلا يتمكّن المكلّف من الاكتفاء بالحصّة الفاقدة للقيد ويجب عليه الاتيان بالحصّة الواجدة بحيث متى أتى بها سقط الأمر فلا أمر للوجود بعد الوجود.
وقد قبل السّيّد الخوئيّ هذا الوجه، وبناءً عليه قال بأنّ المهمّ هو أنّ الأمر بالمقيّد إلزاميّ متعيّن سواء كان الأمر بالمطلق إلزاميًّا أم غير إلزاميّ.
وكان قد أجاب شيخنا الأستاذ عن هذا الوجه أثناء مناقشة كلام المحقّق النّائينيّ من أنّه يرجع إلى الخلط بين مسألة امتثال التّكاليف المتعدّدة بفعل واحد وبين وحدة التّكليف.
فإذا فرضنا تكليفين مختلفين، أمكن امتثالهما بالاتيان بالحصّة المقيّدة، من دون أن يكون الاتيان بالحصّة الفاقدة للقيد امتثالًا لهما معًا، وإن كان امتثالًا للتّكليف المطلق. ولكن لا يمكن من خلال جواز امتثال التّكليفين المتختلفين بعمل واحد إثبات وحدة التّكليف وهذا من قبيل إثبات الحكم بالموضوع.
وبالنّتيجة، هذه النّكتة غير تامّة من الأساس حتّى في الواجبات فضلًا عن المستحبّات.
ومن هنا تعلم أنّه لا فرق في الجمع بين المطلق والمقيّد في مورد الواجبات أو المستحبّات، ولا وجود لإجماع تعبّديّ في المقام. نعم، يمكن للمكلّف الاتيان بالحصّة الفاقدة للقيد المستفادة من المطلق برجاء المطلوبيّة ولكن لا يمكنه الاتيان بها بقصد الاستحباب لا بعنوانها الأوّليّ ولا بعنوانها الثّانويّ أي البلوغ.

چاپ