الإطلاق المقامي
كان الكلام في الاستدلال على اعتبار الإطلاق المقاميّ من القسم الثّاني، والّذي ينعقد في مورد وجود أمور مغفولة ليست محلًّا لالتفات النّاس إليها، سواء كان ممتنعًا أخذها قيدًا كالانقسامات الثّانويّة أم لا؛ ومن هذا القسم حمل الألفاظ المستعملة في كلام الشّارع على المعاني العرفيّة ونفي الاصطلاح الخاصّ.
وقد تعرّضنا للوجه الأوّل من وجوه الاعتبار الرّاجع إلى حكم العقل بلزوم تحفّظ المولى الحكيم على أغراضه اللّزوميّة وقبح تفويتها. وهذه النّكتة جارية حيث يكون القيد مغفولًا عنه عند المخاطبين بحيث يكون بيانه من قبيل التّنبيه لا من قبيل التّقييد.
وهي بعينها النّكتة الجارية في اعتبار سيرة العقلاء؛ فإنّ للعقلاء ارتكازات يجرونها في مورد أغراضهم التّكوينيّة والتّشريعيّة، وهم يجرونها عن قصد أو عن غير قصد غفلة أو استئناسًا برويّتهم في مورد الشّرعيّات أيضًا، بحيث لو لم يكن الشّارع راضيًا عن تلك السّيرة لكان واجبًا عليه من باب الحكمة أن ينبّههم على ذلك.
فالعقلاء يعملون على أساس ارتكازاتهم مطلقًا غافلين عن خروج دائرة الشّرعيّات عن المجال الأساس لإعمالها، وحال عدم رضا المولى برويّتهم ينجرّ عملهم إلى تفويت غرضه، كما في اعتمادهم على خبر الثّقة في العقلائيّات وانسحابه إلى الشّرعيّات. وهنا يعدّ سكوته عن سيرتهم قبولًا بها وإلّا لكان عليه التّنبيه والرّدع عنها، وحال عدمه يقطع العقل برضاه.
نعم، هناك وجوه أخرى يمكن تصويرها لاعتبار السّيرة كما لاعتبار الإطلاق المقاميّ ومنها الظّهور الحاليّ في الرّضا من حيث إنّه يكشف عن تقريره لتلك السّيرة.
ولا يخفى عليك أنّ السّيرة وإن اتّحدت مع الإطلاق المقاميّ في دليل الاعتبار لكنّها ترجع إلى سيرة وعمل العقلاء، فيما يكون مركز إعمال الإطلاق المقاميّ هي الألفاظ والبيانات المولويّة بالنّكتة المذكورة.
ويتفرّع على الوجه الأوّل في اعتبار الإطلاق المقاميّ أربعة أمور:
الأوّل: أنّ الإطلاق المقاميّ من هذا القسم يجري حيث ينتهي الأمر إلى تفويت الغرض لولا التّنبيه، ولكن قد تكون رويّة العقلاء هي الاحتياط في مورد ما، بحيث اتّفق فيه وقوع غرض إلزاميّ للمولى، فهنا لا يلزم من سكوت المولى تفويت غرضه، بل هو محفوظ بسيرة العقلاء أنفسهم، فلا يتمّ الإطلاق المقاميّ ولا يستفاد من سكوته القطع بعدم دخالة ما سكت عنه ولو كان مغفولًا عند عموم المخاطبين. نعم، ليس غرض المولى هو الاحتياط ولكنّ العقلاء قد حفظوا بالاحتياط غرضه الّذي يغفل عنه عمومهم.
الثّاني: يختصّ جريان الإطلاق المقاميّ من هذا القسم بمفاد هذا الوجه بموارد الأمور المغفولة عند عموم المخاطبين، بحيث تنتهي غفلتهم وعدم تنبيه الشّارع إيّاهم إلى تفويت الغرض اللّزوميّ، وإلّا لو كانت موردًا لالتفاتهم لما كان تفويت الغرض مستندًا إلى الشّارع بل إليهم من حيث اختيارهم وتقصيرهم.
وبالتّالي، إذا كان المورد ممّا يلتفت إليه عموم المخاطبين جاز للمولى أن يكتفي بالعمومات والإطلاقات في بيان مراده، وإلّا لا يصحّ عقلائيًّا اكتفاؤه بها في الأمور المغفولة، إذ لا تشكّل الإطلاقات والعمومات ردعًا عن سيرة معمول بها فيما غفلوا عنه، بل لا يلتفتون إلى كونها ردعًا عن سيرتهم ولا يصدّقون بذلك، ممّا يعني احتياجه في الرّدع إلى دليل خاصّ وواضح.
من هنا تعلم أنّه لا يصحّ من المولى أن يعتمد على عموم دليل الاستصحاب مثلًا للرّدع عن حجّيّة الخبر لكونهم يجرونه على رسلهم في الشّرعيّات ويغفلون عن مغايرة دائرتها عن دائرة عقلائيّاتهم، لكنّه يستطيع أن يعتمد على عموم دليل الاستصحاب للرّدع عن أحد أنواع البيوع لخروجه عمّا يُغفل عنه، وكذا للرّدع عن إجراء المضاربة وما شاكل.
ومنه أيضًا عدم صحّة الرّدع عن العمل بخبر الواحد أو عن العمل بظواهر الكلام بمثل قوله تعالى "ولا تقف ما ليس لك به علم"، إذ إنّهم يحملونه على غير موارد العلم العرفيّ العقلائيّ.
وليس منها عملهم بالاستصحاب، فإنّهم وإن كانوا يعتمدون عليه كقانون عقلائيّ ولكن لا بتلك المثابة الّتي يعتمدون على خبر الثّقة، أي إنّه لا يدخل ضمن دائرة المغفول في مورده عن السّؤال عن رأي الشّارع فيه، بحيث إذا وصلوا إلى أمر شرعيّ مجرى للاستصحاب عندهم سألوا عن حكم الشّارع من جهة الجريان أو عدمه، أي يلتفتون فيخرج عن مجرى هذا الوجه المختصّ بالأمور المغفولة.
ولا يخفى عليك أنّ الغفلة المقصودة هي الغفلة النّوعيّة لا الشّخصيّة الأفراديّة، فقد يكون هناك من يلتفت من دون أن يكون التفاته قادحًا في كون الغفلة عن المورد المعيّن ظاهرة عقلائيّة نوعيّة.
الثّالث: يختصّ جريان الإطلاق المقاميّ بمفاد هذا الوجه بموارد كون الغرض اللّزوميّ الفائت لولا التّنبيه وسيعًا، بحيث لو فات لفات في دائرة واسعة من المخاطبين دون ما لو كان الفوات اتّفاقيًّا منحصرًا في موارد ضيّقة؛ وإلّا لو كان يجب على المولى التّنبيه منعًا لفوات غرضه ولو اللّزوميّ في الفوات المورديّ والجزئيّ وغير المتّسع، لانسدّ باب التّعبّد بالأمارات والطّرق والأصول لكون بعضها غير مطابقة للواقع قطعًا. ولكن مع كونها غير مصيبة أحيانًا ومنجرّة إلى تفويت غرض المولى إلّا أنّ جعل الحجّيّة لها خالٍ عن القبح، وذلك لكون المولى قد زان في تقدير حجّيّتها مصلحة إصابتها للواقع مع مصالح أخرى كمصلحة التّسهيل وحفظ سماحة الشّريعة، وبعد الكسر والانكسار غلبت مصلحة التّسهيل على مصلحة الإصابة دائمًا.
ففي مورد جعل قاعدة الفراغ، يتّفق أن يفوت بها غرض الصّلاة اللّزوميّ أحيانًا، ولكن لا إشكال فيه، لكون تشريعها جمعًا على نحو الكسر والانكسار بين مصلحة إصابتها للواقع غالبًا وبين مصحلة التّسهيل وسماحة الشّريعة؛ فيجعلها حافظة للأغلب وميسّرة للعمل، ما يعني أنّه جاز جعل قواعد تفوّت أغراض المولى اللّزوميّة لكن بصورة مورديّة جزئيّة غير أكثريّة.
ومن هنا يتبيّن أنّ ما يقال من أنّ الإطلاق المقاميّ كاشف عن رضا الشّارع وعدم دخالة خصوصيّة ما في غرضه، إنّما هو حيث يكون سكوته موجبًا لتفويت أغراض لزوميّة على نحو عموميّ وسيع؛ أمّا إذا فاتت أغراض جزئيّة مورديّة لم ينعقد إطلاق مقاميّ ولم يتأتّ انكشاف رضا المولى.
الرّابع: أنّه لا ينعقد إطلاق مقاميّ لكلام الشّارع في المسائل المستحدثة، وهكذا في السّير المستحدثة، أي إنّ الإطلاق المقاميّ ينعقد بالنّسبة للأمور المعاصرة للشّارع لا لغير المعاصرة.
فلو علم الشّارع أنّه بعد ألف سنة سيخترع العقلاء شخصيّات حقوقيّة يجرون في موردها اعتبارات عقلائيّة كالنّقل والانتقال والملكيّة والاستدانة والإفلاس وما شاكل، بحيث تبيع وتشتري وتملك سهامًا وما شاكل ممّا لم يكن في زمان الشّارع (نعم، كان في زمن الشّارع شخصيّات حقوقيّة من قبيل المسجد والحكومة لكنّها ليست بالمعنى الدّارج اليوم)، على نحو أنّ ديونها لا تعدّ حقوقيًّا ديونًا على صاحب الشّركة أو مالكي السّهام، فهل يجب على المولى قبل ألف سنة أن ينبّه على أغراضه المرتبطة بها بحيث يكون سكوته رضا بها وبيانًا لاعتباره لها؟ لا البتّة، لا يجب عليه التّنبيه، ويمكنه أن يكتفي في الرّدع عنها بالعمومات والإطلاقات كالاستصحاب.
وليس ذلك إلّا لكون نشوء هذه السّير والظّواهر تدريجيًّا لا دفعيًّا، بحيث يكفي الدّليل المطلق أو العامّ للرّدع عنها في لحظتها الأولى حيث كانت منحسرة غير متّسعة.
فلا يتمّ ما ذكره البعض من وجه لاعتبار السّير المستحدثة؛ وذلك لأنّه ليس وجه اعتبار السّيرة هي النّكتة العقلائيّة مع كون الشّارع رئيس العقلاء، فهو كأحدهم في قبوله بارتكازاتهم، وإلّا لكان الرّدع عن سيرة من سيرهم ممنوعًا.
والصّحيح أنّ أحد وجوه اعتبار السّيرة هو ما قلنا من أنّ سكوت الشّارع عن عدم اعتبارها مفوّتًا للغرض اللّزوميّ المولويّ، ولذا يستفاد من سكوته إمضاؤه لها.
هذا في بيان الدّليل الأوّل على اعتبار الإطلاق المقاميّ من القسم الثّاني وبيان مقوّماته ومتفرّعاته.
وأمّا الدّليل الثّاني على اعتبار القسم الثّاني من الإطلاق المقاميّ فهو الظّهور الحاليّ في التّقرير والرّضا والإمضاء، وجارٍ أيضًا في السّيرة.
وهو نفس الدّليل الجاري في موارد التّقرير بالمعنى المصطلح، كما لو فعل مكلّف فعلًا في محضر الإمام عليه السّلام بعنوان عمل شرعيّ، فسكوت الإمام عليه السّلام مع قدرته على البيان تقرير وإمضاء منه للعمل؛ وهو بعينه يُذكر في مورد الإطلاق المقاميّ والسّيرة. فلو كان النّاس بمرأى ومسمع من الشّارع يأتون بالعبادات من دون قصد الوجه، ولم ينبّههم على ذلك، انكشف لنا تقريره وإمضاؤه لهذه الرّويّة المعمول بها في مورد هذا القيد الثّانويّ من خلال ظاهر حال الشّارع.
ويختلف هذا الدّليل في نتائجه عن الدّليل السّابق من جهات؛ مثلًا:
- لا يلزم أن يكون الغرض المفروض في مورد جريان هذا الدّليل لزوميًّا، بل يمكن أن يكون غير لزوميّ أيضًا، بحيث يكون سكوت الشّارع إمضاء وتقريرًا.
- لا يلزم على هذا الوجه أن يكون الغرض الفائت وسيعًا عموميًّا، بل يمكن تصوّر الإمضاء والتّقرير حتّى في الموارد الجزئيّة المنحصرة.
كما لو رأى الشّارع المخاطبين يحتاطون في موارد العلم الإجماليّ بعنوان الإلزام الشّرعيّ، ومع ذلك سكت ولم ينبّه، انكشف لنا تقريره وإمضاؤه حتّى لو كان المفروض في المورد عدم تفويت أغراض لزوميّة بنحو عموميّ ووسيع.