الإطلاق المقامي

نوشته شده توسط السيد حمزة عيسی الموسوي. ارسال شده در تقریر عربی اصول

ما زال الكلام في القسم الثّاني من أقسام الإطلاق المقاميّ المنعقد بنكتة عدم تنبيه المتكلّم في موارد غفلة عموم المخاطبين بحيث لو كان للمولى غرض لفاته واستند التّفويت إليه، وهو ممنوع على الحكيم، فنستكشف حكم المولى.
وقد ذكرنا أنّ من أدلّة هذا الإطلاق المقاميّ حكم العقل بقبح تفويت الأغراض اللّزوميّة وبوجوب التّحفّظ عليها.
وكان آخر الكلام في الدّليل الثّاني على اعتبار هذا القسم من الإطلاق المقاميّ والّذي يرجع إلى ظهور حال المتكلّم في أنّه موافق للمتفاهم من مجموع كلامه.
وعلى أساس هذا الظّهور الحاليّ والتّقرير تُحمل الألفاظ المستعملة في كلام الشّارع على المعاني اللّغويّة والعرفيّة، وعلى أساسه تكون معجزات الأنبياء معتبرة. فتمكين الشّخص المدّعي للنّبوّة والمدّعي للإعجاز من قبل الله تعالى حاكٍ عن رضاه بدعواه.
وأمّا الدّليل الثّالث على اعتبار هذا القسم فهي نفس نكتة اعتبار الإطلاق اللّفظيّ وهي أنّه لو لم يحمل اللّفظ على المعنى المطلق للزم الإجمال، والإجمال خلاف الأصل العقلائيّ، مع عدم كونه خلاف العقل.
فإذا قال المولى "أعتق رقبة" ولم يكن مراده الرّقبة المطلقة، فإنّ الكلام سيكون مجملًا، فدار الأمر بين التّعيّن والإجمال، وكلّما دار أمر كلام بين التّعيّن والإجمال، نقدّم التّعيّن.
وبالنّكتة نفسها نتمسّك بالإطلاق المقاميّ؛ فإذا صدر عن الشّارع ألفاظ دار أمرها بين حملها على معانيها العرفيّة وبين إجمالها إن لم تحمل عليها، كان التّعيّن والبيان مقدّمًا على الإجمال، بحيث يتعيّن حملها على المعاني العرفيّة.
نعم، هذه النّكتة غير قابلة للتّطبيق في مورد الانقسامات الثّانويّة، لأنّه لا يدور الكلام بين الإجمال والتّعيّن، ولكن حيث إنّ عموم المخاطبين لا يلتفتون إلى دخالة تلك القيود في الغرض المولويّ، ولو لم ينبّه المولى على دخالته لوقع خلاف غرضه من التّبيين والتّفهيم، أي نتمسّك بنكتة كون عدم بيانه لدخالتها خلاف غرضه من التّكلّم وهو إيصال ما يريد إلى الآخرين، فلا بدّ من أن يتصدّى المولى بأيّ نحو من أنحاء التّفهيم لبيان دخالتها في غرضه، ولو عبر متمّم الجعل.
وبالتّالي، حيث لم تكن تلك القيود دخيلة في الغرض كما لو كان لا فرق بين الصّلاة المأتيّ بها عن قصد وجه والمأتيّ بها بدونه، لا يجب عليه البيان، فيستكشف من عدم بيانه وسكوته عدم دخالتها في غرضه من التّكلّم والبيان والتّفهيم.
فالمتحصّل هو أنّ القسم الثّاني من الإطلاق المقاميّ متقوّم بغفلة النّوع والعموم، وهي النّكتة الّتي يفترق بها هذا القسم عن سائر الأقسام.
وقد اتّضحت ممّا مرّ فروقات الإطلاق اللّفظيّ عن الإطلاق المقاميّ من القسم الثّاني؛ ومنها:
1- أنّه لا فرق في مورد الإطلاق اللّفظيّ بين الغرض اللّزوميّ والغرض غير اللّزوميّ، في حين أنّه بناء على البيان الأوّل من القسم الثّاني من الإطلاق المقاميّ، يختصّ جريان الإطلاق المقاميّ بمورد الغرض اللّزوميّ فقط، وإن كان بناء على البيان الثّاني والثّالث لا يقع فرق بين اللّزوميّ من الأغراض وغير اللّزوميّ منها.
2- يختلفان من جهة النّتيجة، فالإطلاق اللّفظيّ ينتج ظهورًا لفظيًّا، أمّا الإطلاق المقاميّ فينتج قطعًا وبتًّا بالحكم الواقعيّ، وهذا الفرق يجري في البيان الأوّل دون البيانين الثّاني والثّالث.
3- لا نشكّ في الإطلاق المقاميّ في أنّ المولى يجب أنّ يتعرّض للبيان لو كانت تلك الخصوصيّة دخيلة في غرضه، أمّا في الإطلاق اللّفظيّ فنثبت كونه في مقام البيان بواسطة الأصل. ففي الإطلاق المقاميّ قطع بضرورة البيان ولا شكّ، وبالتّالي لا موضوع للأصل العقلائيّ في مورد الإطلاق المقاميّ.
4- شرط الكون في مقام البيان هو من قبيل شرط الوجوب في الإطلاق اللّفظيّ، أمّا في الإطلاق المقاميّ فهو من قبيل شرط الواجب، بمعنى أنّه إذا كان في مقام البيان يمكن التمسك بالإطلاق اللّفظيّ، أمّا في الإطلاق المقاميّ فلا يمكن إلّا أن يكون في مقام البيان بمجموع الكلام لا بشخصه، فإنّه قد لا يمكنه ذلك بشخص الكلام.
5- يمكن تصوّر هذا القسم من الإطلاق المقاميّ في مورد لا يمكن فيه التّقييد، بل يمكن تصوّره في مورد لا معنى فيه للتّقييد؛ فالكلام ليس عن شمول وسريان كما في الإطلاق اللّفظيّ، وليس عدم التّقييد إلّا بمعنى عدم التّنبيه. أمّا الإطلاق اللّفظيّ فيتوقّف على إمكان التّقييد إثباتًا وثبوتًا.
6- ينعقد الإطلاق اللّفظيّ عند عدم وجود القرينة المتّصلة كما هو المعروف، في حين أنّ الإطلاق المقاميّ منوط بعدم التّنبيه سواء بقرينة متّصلة أو منفصلة بحيث يستدلّ بسكوت الشّارع مطلقًا لا في خصوص خطاب بعينه بل بسكوته إلى الأبد. فلو بيّن بعد عشرات سنوات كان بيانه نافيًا للإطلاق المقاميّ.
ومن هنا تعلم أنّ مصلحة التّدريج في بيان الأحكام وما شاكلها تقتضي كون حكم العقل بقبح تفويت الغرض مقيّدًا بعدم البيان إلى الأبد، فيكون القبيح هو تفويت الغرض رأسًا لا تفويته مؤقّتًا لأجل مصلحة اقتضت ذلك.
وهذا الاحتمال وإن كان واردًا دائمًا، كما نحتمل أنّ بيان بعض الخصوصيّات والقيود مؤجّل إلى زمان ظهور صاحب الزّمان عليه السّلام، ولكن مع ذلك إلى ما قبل البيان، نقطع بأنّ الوظيفة الفعليّة لنا هي على وفق الإطلاق المقاميّ وخالية عن دخالة تلك الخصوصيّة في الحكم.
7- في مورد الإطلاق اللّفظيّ، لا بدّ من أن يكون الدّليل المقيّد حجّة حتّى ترفع اليد عن الإطلاق، بحيث لا يُتمسّك باحتمال المقيّد لنفي الإطلاق.
فلو وردت أخبار ضعيفة تقيّد الإطلاق الحجّة، فهي مع وجود احتمال صدق فيها، لكنّها لا تقاوم الإطلاق ويبقى هو الحجّة.
أمّا في مورد الإطلاق المقاميّ، فالموجب لانعقاده هو العلم بعدم تنبيه الشّارع أي العلم بسكوته، لا عدم وصول التّنبيه.
وبعبارة أخرى: إنّ احتمال وجود تنبيه غير واصل، يقدح في انعقاد الإطلاق المقاميّ مبدئيًّا.
وهكذا الحال في السّيرة، أي إنّ حجّيتها تكون منوطة بسكوت الشّارع، بحيث إذا احتمل صدور الرّدع لما أمكن استفادة الحجّيّة.
نعم، يمكن الانتقال من عدم الوصول إلى عدم الصّدور، فيثبت السّكوت، وذلك ببيان أنّه لو صدر ردع للزم اشتهاره وانتشاره مع فرض كون المسألة عامّة الابتلاء، ليكون في فرضنا عدم الاشتهار بل عدم الوصول كافيًا للقول بعدم صدور الرّدع رأسًا.
ومن هنا تعلم أنّ عدم الوصول مساوق لعدم الصّدور، وهكذا الحال في الفتوى في مورد يعمّ فيه الابتلاء، أي شذوذ هذا النّحو من الفتوى مساوق لبطلانها، فالإفتاء مثلًا بكون سنّ بلوغ البنت هو الثّلاثة عشر عامًا شاذّ، مع كونه ممّا تعمّ به البلوى، ولازم هذا العموم في البلوى الاشتهار، وحيث لم يكن مشهورًا كان باطلًا، فصار عدم الاشتهار مساوقًا للبطلان، وإن لم تكن الشّهرة مساوقة للاعتبار مطلقًا.
فلو دار الأمر بين قولين غير شاذّين، فكلاهما محتمل؛ في حين أنّه لو دار الأمر بين قول شاذّ وآخر مشهور ممّا تعمّ به البلوى، فالقول المشهور متعيّن والقول الشّاذّ باطل.
وهذه الخصوصيّة ترد في مورد المسائل عامّة الابتلاء دون غيرها، بحيث إنّ الرّدع عن سيرة أو بيان حكم عامّ البلوى، يقتضي أن يكون ذاك الرّدع أو ذاك الحكم مشهورًا حتمًا.
قد يقال: إنّه على هذا البيان، لا يبقى ثمرة لهذا الفرق، ففي الإطلاقين اللّفظيّ والمقاميّ لا يقدح احتمال ورود قرينة منفصلة.
ونقول: لهذا الفرق المذكور ثمرة تظهر في مورد ورود عمومات متعدّدة بحيث يحتمل كونها بيانًا لدخالة خصوصيّة أو ردعًا عن سيرة، فحينها لا ينعقد إطلاق مقاميّ ولا يصحّ التّمسّك بحجّيّة السّيرة.
نعم، لو كنّا أمام عموم واحد معتبر لما كان ردعًا لعدم مناسبته لقوّة واستحكام السّيرة، لكن بدليل واحد مقيّد معتبر نقيّد عشرات العمومات المخالفة.
وبالنّتيجة: الإطلاق المقاميّ والسّيرة منوطان بعدم ردع الشّارع وسكوته، لا بعدم وصول الرّدع، ولكن يمكن أن يكون عدم الوصول كاشفًا عن عدم الصّدور. في حين أنّه يتوقّف الإطلاق اللّفظيّ على عدم وصول المقيّد لا عدم صدوره، فحتّى لو كان هناك احتمال للصّدور لكن ما دام لم يصل إلينا يبقى الإطلاق اللّفظيّ معتبرًا.
8- ويختلفان من حيث النّتيجة، فنتيجة الإطلاق اللّفظيّ هو الشّيوع والسّريان ونفي القيد، حتّى لو انتهى إلى تضييق كما في مورد حمل الوجوب على العينيّ والتّعيينيّ والنّفسيّ، وأمّا الإطلاق المقاميّ فنتيجته ليست سريانًا ولا شمولًا بل تعيّن شيء كتعيّن معنى اللّفظ أو تعيّن عدم اعتبار قصد الوجه، سواء كان تعيّنًا للسّريان كما في نفي قصد الوجه أو تعيّن شيء كما في تعيّن معاني الألفاظ.
هذا تمام الكلام في القسم الثّاني من الإطلاق المقاميّ.
القسم الثّالث من الإطلاق المقاميّ، وهو المنعقد في الموارد الّتي يراد إثبات ما هو أبعد من دلالة اللّفظ، أي كما لو أراد بيان أمر وراء الدّلالة اللّفظيّة للدّليل، بحيث لا يكون الدّليل قاصرًا عن الحكاية عن تلك الحيثيّة حتّى بنحو الإجمال.
وهذا من قبيل ما حمل عليه كلام المحقّق الآخوند في المفاهيم حيث عمد إلى تعيين كون الشّرط علّة منحصرة للجزاء بواسطة الإطلاق المقاميّ، ببيان أنّ المتكلّم إذا كان في مقام الحصر، أمكن استفادة مفاد زائد على دلالة اللّفظ يُفهم منه المفهوم.

 

چاپ