تقسيم مباحث الحجج و الأمارات
كان الكلام في بيان العنوان المأخوذ في تقسيم مباحث الحجج والأمارات في كلام الشّيخ الأعظم وكذا في كلام المحقّق الآخوند.
وسواء كان الموضوع هو المكلّف أم البالغ، فهل هذا التّقسيم يختصّ بالمجتهد؟ أم أنّه شامل للمقلّد كذلك؟
ولا بدّ من الإشارة إلى كون هذا البحث مهمًّا ذا شراشر مهمّة جدًّا تقع في دائرة أوسع ممّا تعرّض له حتّى مثل السّيّد الصّدر الّذي بسطه نحوًا ما.
ذهب المحقّق النّائينيّ إلى كون المكلّف أو البالغ الوارد في التّقسيم هو خصوص المجتهد جزمًا، وفسّر على أساسه كلام العلماء الآخرين ومنهم الشّيخ الأعظم، بحيث يكون الطّرح على نحو أنّه إذا التفت المجتهد إلى حكم فعليّ: فإمّا أن يكون قاطعًا به وإمّا أن يكون شاكًّا وإمّا ظانًّا؛ وهكذا على تقسيم المحقّق الآخوند.
وبالتّالي، فالوظائف الّتي تترتّب على الأقسام هي وظائف الفقيه خاصّة، بحيث هو المخوّل بالرّجوع إلى الأمارات والحجج وبإعمال الأصول العمليّة في الشّبهات الحكميّة.
في حين أنّه ذهب آخرون كالسّيّد الصّدر إلى كون المكلّف أو البالغ أعمّ من الفقيه، فكلّ أحد سواء كان مجتهدًا أو عامّيًّا إذا التفت إلى حكم فإمّا وإمّا، وذلك لأنّه لا موجب للقول بهذا الاختصاص بعد أن كانت الحالات الثّلاث من الأمور العارضة لكلّ أحد لا لخصوص الفقيه، وبالتّالي أحكامها قابلة للتّطبيق في مورد غير المجتهدين أيضًا، وحيث لا موجب للتّقييد يبقى اللّفظ على إطلاقه؛ فكما أنّه لا موجب لاختصاص هذه المباحث وأحكامها بالبالغين بحيث تشمل الصّبيّ كذا لا موجب لاختصاصها بالمجتهد.
نعم، بطبيعة الحال ستختلف وظائف الفقيه عن وظائف العامّيّ في مورد هذه الحالات، بحيث لو لم يقطع العامّيّ بالحكم لوجب عليه الرّجوع إلى التّقليد، لا الرّجوع إلى الخبر أو الأصول العمليّة الحكميّة؛ لكنّ الاختلاف في الوظائف شيء واختصاص التّقسيم والحالات بالمجتهد شيء آخر.
لكن ليس الأمر على هذا النّحو الأخير عند شيخنا الأستاذ، إذ إنّ جريان الأمارات والأصول العمليّة هي من مختصّات المجتهد.
فالشّيخ الأعظم مثلًا بصدد بيان ما يرجع إليه من قبل الفقيه حال القطع والظّنّ والشّكّ، ومن الواضح أن لا علاقة للعامّيّ بجريان الأمارات والحجج ولا بجريان الأصول العمليّة في الأحكام، ونفس أن تتصوّر الحالات الثّلاث في مورد المقلّد لا يعني أنّ هذا التّقسيم شامل له.
وبتعبير آخر: الشّيخ الأعظم بصدد بيان تقسيم مباحثه لبيان وظائف المجتهد في المقام، وليس بصدد بيان التّقسيم المطلق في حقّ كلّ من يتأتّى في حقّه القطع والظّنّ والشّكّ كما لا يخفى.
وفي الواقع، لا حاجة لإتعاب النّفس في بيان وظائف العامّيّ في المقام مع كونها خارجة عن غرض المتكلّم، ليجري الحديث حول كيفيّة إجراء العامّيّ للاستصحاب في الشّبهات الموضوعيّة مثلًا، والحال أنّ الخطاب لا يتوجّه إليه هنا رأسًا. ومجرّد أن يكون المقسم فيه شبهة الإطلاق والشّمول للعامّيّ لا يصحّح مثل هذا التّعرّض الخارج عن محلّ الكلام كما ترى.
وما يستحقّ أن ينال اهتمامًا واسعًا هي جهة أخرى من البحث؛ مفادها: كيف يتمشّى من الفقيه الإفتاء في حقّ العامّيّ في مختلف موارد الأحكام سواء الّتي يشترك الفقيه معه في كونه موضوعًا لها أو في تلك الّتي تختصّ بالعامّيّ بحيث قد لا تنطبق في مورده بالمرّة كأحكام الحيض؟ بناءً على القول باختصاص هذه المباحث بالمجتهد كاختصاص الاستصحاب الجاري في الشّبهات الحكميّة به (دون الاستصحاب في الشّبهات الموضوعيّة، فإنّه ليس قاعدة أصوليّة بل فقهيّة كقاعدة الطّهارة والفراغ والتّجاوز).
ومثال ما لا موضوع له عند شخص الفقيه هي أحكام النّساء، فلو أراد إجراء استصحاب الحيض في مورد صاحبة العادة الّتي تجاوز عندها الدّم عادتها ولكن إلى ما دون العشرة، فكيف يجريه ولا موضوع له في حقّه؟ وكيف يجريه العامّيّ الواجد للموضوع بنفسه أو كيف يجريه الفقيه في حقّه، والحال أنّه لم يخاطب بهذا الاستصحاب رأسًا؟
بل حتّى لو تعدّينا بالخطاب إلى المرأة في هذا الفرض، إلّا أنّها غير واجدة لموضوع الاستصحاب أحيانًا، بمعنى أنّ موضوع الاستصحاب هو اليقين السّابق وهي لم يحصل لها يقين بالحيض بل قلّدت في كون ما رأته حيضًا؛ إذ هذا نظير ما لو أجرى من لا شكّ له في صحّة الصّلاة قاعدة الفراغ، هذا إجراء للدّليل بلا موضوع!
وهنا بحث آخر أيضًا يتأتّى من هذا البحث مفاده: أنّه هل المعتبر في جريان الأدلّة كالاستصحاب والبراءة هو يقين الفقيه وشكّه ولو لم يكن جاريًا في حقّه بل في حقّ العامّيّ؟
والكلام فعلًا في البحث الأوّل: بناءً على الاختصاص بالمجتهد، كيف يمكن أن نصوّر إجراء الفقيه للدّليل في حقّ العامّيّ مع أنّه لا صغرى له في حقّ الفقيه؟
وهذا يناقش من جهتين:
- من جهة الإفتاء؛ لا بدّ أن تكون فتوى الفقيه عن علم لعدم جواز القول بغير علم، والفرض أنّ أدلّة الأمارات مثلًا كحجّيّة خبر الواحد تبيّن الوظائف العمليّة للأفراد كأن يحكم على فرد بالجنابة وعلى آخر بالحيض، من دون أن يحصل علم بالجنابة ولا بالحيض؛ فكيف يفتي الفقيه في مثل هذا المقام؟ وهكذا في مختلف الأمور والموارد كأن يجري الفقيه الاستصحاب ويحكم بصحّة الصّلاة أو ببطلان البيع وما شاكل من دون أن يحصل له علم بالفتوى، فكيف تتأتّى الفتوى منه في حقّ العامّيّ بل كذا في حقّ نفسه؟
- ومن جهة أخرى هي الأهمّ: كيف يمكن أن يفتي الفقيه بحيث تكون فتواه حجّة في حقّ العامّيّ؟
فإنّه لو تفصّينا عن الإشكال الجائي من الجهة الأولى بالقول بجواز إفتاء الفقيه من باب أنّه عالم بالعلم التّعبّديّ لأجل حكومة أدلّة حجّيّة الخبر على أدلّة عدم جواز الفتوى بغير علم، ولكن هذا لا يجبر جهة اعتبار هذه الفتوى عند العامّيّ، فالمشكلة تارة من جهة جواز إفتائه وأخرى من جهة اعتبار هذا الإفتاء لدى المخاطب.
وهذا يودي إلى التّأثير العكسيّ، بمعنى أنّه إذا لم تكن فتوى الفقيه حجّة في حقّ المخاطب، فليس له الحقّ رأسًا في الإفتاء له. ومن هذا القبيل فتوى غير الأعلم الّذي يعلم أنّ فتواه ليست بحجّة في حقّ العامّيّ، فكيف يتمشّى منه أن يعيّن وظيفة العامّيّ فيفتي له، مع أنّه يرى أنّ وظيفة العامّيّ الصّحيحة هي الرّجوع إلى الفقيه الأعلم؟ وبتعبير آخر: كيف تصوّر صحّة الإفتاء منه في فرض الإقرار بعدم اعتبار هذه الفتوى في حقّ العامّيّ؟
ولا تسمع دعوى أنّه لا يحقّ الإفتاء للفقيه الّذي ليست فتواه بحجّة عند المخاطب؛ إذ يحقّ للفقيه غير الأعلم الإفتاء، بل يحقّ للفقيه الفاسق الإفتاء كما يحقّ ذلك للمرأة مع التّسليم بعدم كون فتواهم حجّة.
إذن، إفتاؤه في حدّ نفسه لا إشكال فيه بلا خلاف، لكن ما يصون فتواه هي حجّيتها في حقّ المخاطب، فكيف يفتي لمن لا حجّيّة لفتواه عنده؟ وكيف يفتي لمن لا موضوع للفتوى عنده كإجراء الاستصحاب الحكميّ لمن لا يقين له على ما بيّنّا بل اليقين المأخوذ موضوعًا للاستصحاب هو يقين الفقيه.
وتظهر أهمية البحث من حيث: إنّ قيمة القانون وحرمته في مورد وضع القوانين هي في اعتباره؛ فهذه النّكتة جارية فيه.
ومن هنا نقول: إنّ اعتبار القانون موقوف على فتوى من يصحّ تقليده والرّجوع إليه، لذا لا قيمة للقوانين الّتي تكون على خلاف الفتوى المعمول بها، كما لو وضع المجلس التّشريعيّ قانونًا يجوّز إسقاط الجنين.
فليس الملاك في القوانين والمقرّرات هو الحاكم المتصدّي للإجراء، ولا يصحّ أن تجري الأمور على طبق فتواه ما لم يكن الأعلم ذا الفتوى المعتبرة، إذ التّصدّي للإجراء _ولو من قبل فقيه_ لا يعطي بنفسه للمتصدّي صلاحيّة وضع القوانين على وفق فتواه ما لم يكن هو المتصدّي الأعلم بين الفقهاء.
وبتعبير جامع: لا بدّ أن يكون القانون على أساس فتوى الفقيه الأعلم سواء كان هو المدوّن له أو كان المصوّب له بعد التّدوين من قبل غير الأعلم.
ومثاله: في مورد حكم الحاكم في مورد الهلال، فإنّه يكون حجّة على الجميع حتّى مقلّدي الأعلم بل حتّى الأعلم نفسه، وليس ذلك إلّا لكون الفقيه الأعلم قد حكم بحاكميّة حكم الحاكم في هذا الباب.
فالإشكال لا بدّ من حلّه من الجهتين من جهة جواز الإفتاء وكذا من جهة اعتبار المفتى به لدى المخاطب، فحينها يكون للفتوى قيمة قانونيّة.
ومثال آخر: في مورد القضاء، لو تسلّمه مجتهد مبتدئ حائز على الحدّ الأدنى من الاجتهاد، فإنّ قضاءه يكون نافذًا في حقّ الجميع حتّى الفقيه الأعلم، لكون هذه الحاكميّة موافقة لفتوى الأعلم. إذ مشهور الفقهاء (يخالف في الجملة السّيّد الخوئيّ) هو عدم اعتبار الأعلميّة في القضاء وإلّا للزم تعطيله لانحصاره بالأعلم وهو الأقلّ الأندر مع اتّساع دائرة المدّعين والمطالبين بالحقوق وكثرة الدّعاوى، وبالتّالي للزم الهرج والمرج في مختلف الأزمان.
إذن، يتأتّى أن يحكم الفقيه الأعلم بصحّة فتوى غير الأعلم لتكتسب اعتبارًا وحجّيّة في حقّ المخاطب.
وهذا ما أسماه شيخنا الأستاذ بالفتوى المعيار وهي من عوائص باب الإفتاء الّتي ما يزال فيها الكلام إلى يومنا هذا.