رفض القیود

نوشته شده توسط السيد حمزة عيسی الموسوي. ارسال شده در تقریر عربی اصول

كان الكلام في بيان كون الإطلاق رفض القيود لا جمع القيود.
وهو المعروف بين الأعلام حتّى أنّك لا تجد قائلًا بالخلاف، ولكن مع ذلك فقد فُسّر جمع القيود بتفسير ابتدائيّ يخلو عن ثمرة في انطباقاته.
فقد قالوا بأنّه أخذ جميع الخصوصيّات على البدل في الحكم؛ وأشكلوا على جعل الإطلاق بمعنى جمع القيود:
من جهة: بأنّ مقتضى تعليق الحكم بالطّبيعة هو أن تكون هي المتعلّق أو الموضوع من دون شيء من الخصوصيّات سواء كانت من قبيل الملازمات أو من قبيل المفارقات.
ومن جهة أخرى: بأنّ أخذها في متعلّق الحكم أو في موضوعه لغو، بعد أن لم تكن دخيلة في الغرض، فما لم يكن دخيلًا في الغرض لا معنى لأن يكون دخيلًا في حكم المولى.
ولكنّ الصّحيح بحسب شيخنا الأستاذ أنّ عدم دخالة الخصوصيّات في الحكم واضح، وما من شأنه أن يكون مرادًا من جمع القيود هو معنى أدقّ من المصوّر؛ ومفاده: دخالة الخصوصيّات في الحكم ولو بنحو كلّيّ.
واختصارًا للبيان نعمد إلى توضيحها بتطبيقها على مسألة اجتماع الأمر والنّهي؛ فنقول:
إنّ مسألة الاجتماع مرتبطة بشكل وثيق بمسألة رفض القيود وجمعها، بحيث إنّ القائل بالامتناع يعتقد واقعًا بجمع القيود ولو أباها على مستوى اللّفظ والبيان.
فهل حيثيّة الصّلاة حيثيّة تعليليّة أو تقييديّة؟
المجمع وجود واحد وشيء واحد، لكن تنطبق عليه حيثيّتان مختلفتان:
- فإن كانت حيثيّات متعلّق الحكم تعليليّة، فلا بدّ من القول بامتناع الاجتماع؛
- وإن كانت تقييديّة فمتعلّق الأمر والنّهي متعدّد، ولا يسري الأمر إلى متعلّق النّهي ولا العكس. وعلى هذا، فلم يتعلّق الأمر والنّهي بشيء واحد بل تعلّقا بعنوانين متفاوتين، ولا يبعث مجرّد تصادقهما في وجود واحد إلى القول بأنّ الحكم يسري من متعلّق أحدهما إلى متعلّق الآخر، وإلّا لو قلنا بسراية الأمر بالصّلاة إلى متعلّق الغصب لكان إطلاق الأمر بالصّلاة بمعنى جمع القيود.
ولا بدّ من الوقوف بدقّة على الفرض وهو البحث في جواز أو عدم جواز اجتماع الأمر والنّهي في وجود واحد ذي عنوانين، لا كما صوّره السّيّد الخوئيّ من أنّه إذا كان المجمع وجودين فيجوز الاجتماع وإلّا فلا يجوز؛ إذ هو قد قال بالجواز لكون المجمع وجودين. ومن هنا تعلم ما قلناه مكرّرًا من أنّ السّيّد الخوئيّ خرج عن الفرض فقال بالجواز، وإلّا على الفرض من كون التّركيب اتّحاديًّا لا انضماميًّا فهو قائل بالامتناع.
فالقائلون بالجواز قالوا به في فرض وحدة وجود المجمع في الخارج لا في فرض تعدّده؛ فلاحظ ودقّق.
إذن، تحصّل أنّ محلّ الكلام في مسألة الاجتماع هو حيث كان الوجود العينيّ واحدًا، مع كونه منطبقًا لعنوانين بحيث تكون الإشارة الحسّيّة لمنطبق كلّ منهما إشارة حسّيّة إلى منطبق الآخر أيضًا.
وكون تعدّد العنوان موجبًا لتعدّد المعنون، ليس بمعنى أنّ تعدّد العنوان يوجب تعدّد الوجود الخارجيّ، بل بمعنى تعدّد متعلّقي الأمر والنّهي، فالحكم المتعلّق بعنوان لا يسري إلى متعلّق حكم آخر.
ومن هنا نقول: إذا تعلّق الحكم بالطّبيعة على نحو جمع القيود، فإنّ الحكم المتعلّق بها يسري إلى متعلّق حكم آخر. لكن هل الأمر بالصّلاة يعني الأمر بها في المكان المغصوب؟
فالأمر بالصّلاة المتّحدة مع الغصب هو أمر بالصّلاة في المكان الغصبيّ أي يجب الاتيان بها بخصوصيّة الغصبيّة، فهي بهذه الخصوصيّة مطلوبة، والحال أنّه من الواضح أنّ الأمر بالصّلاة في المكان الغصبيّ وبهذه الخصوصيّة لا يجتمع مع النّهي عن الغصب.
ومن جهة أخرى، هل النّهي عن الغصب هو بمعنى النّهي عن الغصب حال الصّلاة؟ بحيث يتعلّق النّهي بالغصب المتّحد بالصّلاة؟ وم الواضح هنا أيضًا أنّ هذا النّهي نهي عن الصّلاة ويستحيل اجتماعه مع الأمر بها؛ إذ لا يمكن أن يكون العمل الواحد مطلوبًا بخصوصيّة ومحرّمًا هو هو بخصوصيّة أخرى.
ولذلك ترى أنّ المحقّق الآخوند هنا قد ذهب إلى أنّ الأمر والنّهي يتعلّقان بالطّبيعة لكن بلحاظ وجودها، ووجودها واحد، فلا يمكن أن تكون الصّلاة حال اجتماعها مع خصوصيّة الغصبيّة متعلّقًا للأمر بحيث يتعلّق النّهي بتلك الخصوصيّة.
وفي مقابل هذا يقع الكلام عن رفض القيود بحيث يكون تعدّد العنوان موجبًا لتعدّد المعنون بمعنى أنّ الامر بالصلّاة في المكان الغصبيّ هو أمر بالصّلاة لا بها بخصوصيّة الغصبيّة.
وبتعبير السّيّد الصّدر، هو أمر بالصّلاة بحيث إذا سرى الحكم عن الطّبيعة إلى الوجود سرى إليه بمقدار انطباق الطّبيعة عليه. فالأمر حيقيقة قد تعلّق بالطّبيعة، وإذا كان لا بدّ من سريانه إلى الوجود الّذي تحكي عنه الطّبيعة، ولا يمكن على الإطلاق أن تحكي الطّبيعة عن وجود يحكي عنه عنوان الغصب. فصحيح أنّ الوجود واحد، ولكنّ عنوان الصّلاة يحكي عن ذاك الوجود بمقدار طبيعة الصّلاة منه بحيث لا يكون الغصب جزء المحكيّ عنه؛ وهذا يعني أنّ عنوان الصّلاة لا يحكي عن خصوصيّة الغصب.
فإذا كان عنوان الصّلاة يحكي في الوجود عن مقدار الصّلاة، فالأمر الّذي تعلّق بعنوان الصّلاة يسري إلى المقدار المحكيّ عنه لا غير، حيث إنّ الغصب وكذا كلّ خصوصيّات المكان خارجة عن معنى الصّلاة، فليس عنوان الصّلاة بحاكٍ عنها رأسًا، فلا يتعلّق بها الأمر رأسًا؛ ومن هنا تعلم: أنّ القائلين بالجواز ميّزوا بين قوله "لا تصلّ في المغصوب" وبين قوله "لا تغصب".
وعلى هذا، فلو كان المحقّق الآخوند ملتفتًا لحقيقة رفض القيود لما كان ذهب إلى القول بامتناع اجتماع الأمر والنّهي، كما أنّه لما كان أنكر التّرتّب؛ ما يعني أنّ القول بجواز الاجتماع يصير ضروريًّا على القول برفض القيود واقعًا وحقيقة لا لفظًا.
وإحدى تطبيقات هذا البحث أيضًا هي مسألة التّرتّب. ما حدا بالشّيخ الآخوند إلى القول باستحالة التّرتّب هو أنّه في الواقع معتقد بجمع القيود لا برفضها.
وقد كنّا تعرّضنا سابقًا للفرق بين موضوعي مسألة اجتماع الأمر والنّهي ومسألة التّرتّب، فالأولى تختصّ بموارد الاتّحاد الوجوديّ فيما الثّانية لا تتأتّى إلّا على فرض تعدّد الوجود.
وقد عمد القائلون بالتّرتّب إلى رفع التّنافي بين حكمين متزاحمين من خلال تقييد موضوع أحدهما أو كليهما. ومثاله ما لو كان الوضوء بمعناه المصدريّ مستلزمًا للتّصرّف في مال الغير، فلا وجه لرفع اليد عن وجوب الوضوء مطلقًا بل ما يجب رفع اليد عنه هو إطلاق وجوب الوضوء، بحيث إذا عصى المكلّف فلا إشكال من جهة الأمر بالوضوء.
والأمر بالوضوء هنا ليس أمرًا بالوضوء المستلزم للغصب حتّى يقال بعدم مناسبته للنّهي عن الغصب، بل أمر بنفس الوضوء. وقد أوضحنا أنّه ليس الفرض في مسألة التّرتّب أنّ التّكليف بالأهمّ يسقط بالعصيان، بل في زمان التّكليف بالأهمّ هناك تكليف بالمهمّ لكنّه تكليف مشروط وليس مطلقًا.
فالمكلّف هنا مأمور بالوضوء لا بالغصب لكونه ملازمًا للوضوء، إذ لا يمكن للمولى أن يجعل تكليفين متنافيين على واحد. لكن على فرض تقييد موضوع الوضوء بما لو عصى المكلّف، فهنا أمر بالوضوء في الوقت نفسه الّذي هناك نهي عن الغصب، وذلك لأنّ الأمر بالوضوء أمر بطبيعة الوضوء لا به مع الخصوصيّات الملازمة له.
وبالنّتيجة، إذا كانت الطّبيعة بنحو جمع القيود متعلّقًا للحكم، فالتّرتّب محال.
وأمّا التّطبيق الثّالث لهذه المسألة فهو التّمسّك بالإطلاقات في المسائل المستحدثة، ولا أقلّ أن يكون أثرها فيه هو تسهيل التّمسّك بالإطلاقات. إذا كان الإطلاق بنحو جمع القيود، فلا بدّ أن تكون القيود ملحوظة، والحال أنّ الخصوصيّات المستحدثة ليست بملحوظة عند الواضع، مع الفرض بأنّ الأحكام قد تعلّقت بمحكيّات تلك الألفاظ.
وأمّا التّطبيق الرّابع لهذه المسألة فهو في اقتضاء النّهي للفساد، إذ المعروف بين علماء الأصول هو القول بأنّ النّهي عن العبادة مستلزم للفساد. وقد ذكرنا في محلّه أنّه يمكن أن نتصوّر صحّة الصّلاة مع كونها منهيًا عنها، وأنّه ليس مجرّد كون النّسبة بين المأمور به والمنهيّ عنه هي العموم والخصوص المطلق بموجب للفرق عمّا جاء في مسألة اجتماع الأمر والنّهي.
ومن هنا ترى أنّ الغفلة عن هذه النّكتة جعلت حتّى بعض القائلين بجواز الاجتماع يقولون في هذه المسألة بالبطلان، والحال أنّ الإطلاق رفض القيود وأن لا شيء من الخصوصيّات بدخيل في الحكم.

 

چاپ