المجمل و المبين

نوشته شده توسط السيد حمزة عيسی الموسوي. ارسال شده در تقریر عربی اصول

تعرّض المحقّق الآخوند لبحث المجمل والمبيّن، والسّؤال الأساس هنا: هل يمكن رفع اليد عن إجمال المجمل؟ وما هي ضابطة رفع الإجمال بعد التّسليم بوجود ألفاظ مبيّنة وأخرى مجملة؟
والمجمل في حدّ نفسه من حيث إنّه مجمل لا اعتبار له إلا بمقدار تبيّنه، مثل موارد الاشتراك اللّفظيّ بحيث يكون اعتباره بمقدار ما يكون مبيّنًا، فلفظ العالم مثلًا مردّد، فهل يقصد منه العالم بالعلوم الشّرعيّة أم العالم الجامعيّ؟ لكن مع فرض إجماله من جهة تعيّن الحصّة المرادة ولكن لا إجمال من حيث العالميّة.
ومن هنا تعلم أنّ الإجمال يمكن أن يكون حيثيًّا نسبيًّا لا مطلقًا.
وكيف كان، هل هناك ضابطة لرفع الإجمال عن المجملات؟ أي هل يمكن رفع الإجمال بواسطة دليل مبيّن وما هي ضابطته؟
وقد تعرّض الشّيخ الآخوند لتعريف المجمل والمبيّن، فذهب إلى أنّ المبيّن هو ما كان له ظهور محقّق بحسب نفسه سواء كان مرادًا جدًّا أم لا، كالعامّ والمطلق الظّاهرين في العموم والإطلاق حتّى لو ورد عليهما تخصيص أو تقييد ولم يكن العموم والإطلاق مرادين جدًّا.
ومنه يظهر أنّ المجمل هو ما لم يكن له في حدّ نفسه ظهور محقّق ولو عُلم ما هو المراد الجدّيّ منه؛ ومثاله قوله "الكرّ ستّمئة رطل" بحيث نعلم أنّ مراده هو الرّطل المكّيّ لوجود دليل آخر دلّ على أنّ الكرّ ألف ومئتا رطل عراقيّ، لكن مع ذلك يبقى الرّطل في حدّ نفسه بلا ظهور محقّق لكونه من المشتركات اللّفظيّة، فهو مجمل في حدّ نفسه. أي إنّ القرينة المعيّنة للمراد الجدّيّ لا تخرج اللفظ المجمل عن إجماله في نفسه، وذلك لكون القرائن المنفصلة معيّنة للحجّيّة وتسقط الحجّية من دون أن تهدم الظّهور ولا أن تقلب الإجمال الذّاتيّ.
وقد تعرّض العلماء هنا لتطبيقات مردّدة بين كونها مجملة ومبيّنة، وطرح أمثلة لها: منها تحريم الأعيان وتحليلها كقوله تعالى "حرّمت عليكم أمّهاتكم" وقوله تعالى "أحلّت لكم الطّيّبات"؛ ومنها التّردّد في لام النّافية للجنس كقوله "لا صلاة إلّا بطهور"، فهل المراد نفي الصّحّة عن الصّلاة أم نفي الماهيّة ادّعاءً؟ فهل هي مجملة أم مبيّنة؟
ولأنّ الشّيخ الآخوند لا يرى البحث في تحقّق الظّهور في مثل هذه الموارد من المباحث الأصوليّة، خرج من البحث سريعًا، معربًا عن كون الظّهور أمرًا وجدانيًّا لا برهانيًّا بحيث يحوّل إلى وجدان كلّ شخص، فقد يكون اللّفظ الواحد مبيّنًا بالنّسبة لشخص فيما هو مجمل بالنّسبة لآخر.
ثم يقول الظهور أمرو جداني وليس أمرا برهانيا وبالتالي يحوّل إلى وجدان الأشخاص. فتختلف الانظار باختلاف تشخيص الوجدان اللغويّ. ولذا لا يرد في تعيينها.
هذا تمام كلام الشّيخ الآخوند في الكفاية.
أمّا السّيّد الصّدر فقد عمد إلى التّنظير للبحث بإعطائه صبغة أصوليّة سائلًا عن إمكان رفع إجمال المجمل بواسطة الدّليل المبيّن، ثمّ عن ضابطة رفع الإجمال.
وقد قسّم الإجمال إلى قسمين رئيسيّين هما: الإجمال الذّاتيّ والإجمال بالعرض.
أمّا الإجمال الذّاتيّ: فالمراد منه هو ما يكون مجملًا في حدّ نفسه من قبيل اللّفظ المشترك، كلفظ العين.
وأمّا الإجمال بالعرض: فهو ما لم يكن مجملًا في حدّ نفسه، ولكنّه يعرض عليه الإجمال للعلم بعدم إرادة الظّاهر منه، كالعامّ بعد التّخصيص حيث لا يتعيّن المراد أهو تمام الباقي أم لا.
ويقسّم الإجمال الذّاتيّ بالنّسبة إلى دليلين إلى قسمين: أن يكون كلا الدّليلين مجملين أو أن يكون أحدهما مجملًا.
وحيث كان أحد الدّليلين مجملًا، فهنا للمجمل حالتان:
- إمّا أن يكون إجماله من حيث القصور، كأن يتعلّق الطّلب بشيء ما، والطّلب أعمّ من الوجوب والاستحباب، فيما يتعلّق الوجوب بذلك الشّيء في الدّليل الثّاني.
وكما ترى الدّليل الأوّل المجمل من جهة خصوصيّة الوجوب أو الاستحباب مبيّن من جهة الجامع بينهما، وهو في الحقيقة من حيث ما تعرّض لبيانه ليس مجملًا. - وإمّا أن يكون إجمال بسبب التّردّد عندنا أي في مقام الإثبات مع كونه متعيّنًا في الواقع، وهذا من قبيل اللّفظ المشترك كالرّطل، فلا يُعلم المراد منه المكّيّ أو العراقيّ.
الدّليل المجمل هنا ناظر إلى بيان الخصوصيّة بعينها المتعيّنة في الواقع، فوقع الإجمال فيما هو بصدد الإشارة إليه، على خلاف الإجمال الّذي من قبيل إفادة الجامع دون الخصوصيّة.
وكيف كان، في أيّ منهما يمكن رفع إجمال المجمل بواسطة الدّليل المبيّن وفي أيّهما يمكن بضمّ مجملين إلى بعضهما البعض؟
القسم الأوّل: حيث كان الإجمال في أحد الدّليلين مع كون إجماله من حيث القصور؛ كما لو قال الدّليل المجمل "غسل الجمعة مطلوب" فيما قال المبيّن "غسل الجمعة مستحبّ"، فهنا يُعمد إلى رفع إجمال الأوّل ببيان الثّاني..
القسم الثّاني: حيث كان أحد الدّليلين مجملًا أيضًا مع كون إجماله من حيث التّردّد؛ كما لو قال أحدهما "الكرّ ستّمئة رطل" وقال الآخر "الكرّ ألف ومئتا رطل عراقيّ"، فإذا كان المراد من الأوّل الرّطل المكّيّ لم يتعارضا، فيمكننا أن نرفع الإجمال عن الدّليل الأوّل بواسطة الدّليل الثّاني، وهذا يحصل من خلال التّمسّك بجدّيّة الدّليل الأوّل إمّا للقطع بها وإمّا للتّعبّد بها.
- أمّا إذا قطعنا بجدّيّة الدّليل الأوّل المجمل بحيث علمنا بعدم صدوره تقيّة _كما لو كان واردًا عن النّبيّ صلّى الله عليه وآله حيث لم يكن يعمل بالتّقيّة الّتي عمل بها الأئمّة عليهم السّلام_ فهنا يمكننا الجمع بين الدّليلين بحمل الرّطل في الدّليل المجمل على المكّيّ.
(ولا نحتاج هنا لإثبات الجدّ بالأصل لقطعنا بصدوره عن هذه الجهة).
فالدّليل الأوّل يبيّن حكمًا واقعيًّا وكذا الثّاني، أي المقدار في كلّ منهما مساوٍ للآخر، ما ينتج العلم بكون الرّطل الوارد في المجمل ليس العراقيّ، وبضمّ مقدّمة من خارج مفادها أنّ الرّطل المكّيّ يساوي ضعف الرّطل العراقيّ، نستطيع أن نرفع إجمال المجمل وأن نعيّن كون المراد من الرّطل في الدّليل المجمل هو المكيّ.
- وأمّا إذا حكمنا بالقطع بناءً على إجراء أصل عمليّ عقلائيّ تعبّدنا الشّارع به هو أصالة الجدّ، فقد حكمنا بكون الدّليلين يبيّنان حكمًا واقعيًّا، فلا بدّ من كون المقدار متساويًا فيهما. وعلى المنوال السّابق نعيّن كون المراد من الرّطل في الدّليل المجمل هو المكّيّ.
وهنا يذكر السّيّد الصّدر أنّه كان يشكل سابقًا على إجراء أصالة الجدّ في مثل المورد، لأنّ أصالة الجدّ تجري حيث كان المراد الاستعماليّ متعيّنًا، وقد تردّد كونه مرادًا جدّيًّا أم لا. فيجري الأصل ليحكم بكون المراد الاستعماليّ كاشفًا عن المراد الجدّيّ الّذي سيكون حجّة على المخاطب؛ والحال أنّه في مثل هذا الفرض لم يتعيّن المراد الاستعماليّ، فلا موضوع لأصالة الجدّ، فلا إمكان لرفع الإجمال بواسطة الدّليل الثّاني المبيّن.
ولكنّه تراجع عن هذا البيان إلى القول بجريان أصالة الجدّ في مثل الفرض أي حتّى لو لم يكن المراد الاستعماليّ معلومًا، فتعيّن أصالة الجدّ كون المعنى المتعيّن والّذي هو مراد المتكلّم حكمًا جدّيًّا واقعيًّا. وهذا يعني أنّ أصالة الجدّ هنا تجري من باب قرينة الحال والسّياق لا من باب المراد الاستعماليّ.
واعتمادًا عليها يمكن رفع الإجمال في مثل الفرض بتعيين كون مفاد الدّليل الأوّل حكمًا واقعيًّا، فيجمع مع الدّليل الثّاني بحمله على الرّطل المكّيّ كما في المثال.
وقد علّق شيخنا الأستاذ على ما أفاده السّيّد الصّدر هنا من أنّه لا ثمرة تترتّب على رفع الإجمال عن المجمل هنا، إذ لا يمكن للدّليل المجمل أن يعارض الدّليل المبيّن ليكون رفع الإجمال حائلًا دون وقوع التّعارض، وما كان بلا أثر عمليّ لغو، والحال أنّ اعتبار الأصول اللّفظيّة والعقلائيّة يختصّ بموارد ترتّب آثار عمليّة عليها.

چاپ