المجمل و المبين
ما زال الكلام في المجمل والمبيّن؛ وقد شاب هذا البحث الكثير من الجهات غير الأصوليّة كالبحث في دخول الموارد الخاصّة في المجملات.
لكن سعى السّيّد الصّدر كما ألفتنا سابقًا إلى إعطاء صبغة أصوليّة للبحث، فطرح كيفيّة رفع الإجمال عن الدّليل المجمل بواسطة دليل آخر، وضابطة هذا الرّفع.
وذكر السّيّد الصّدر أنّ الإجمال تارة يكون ذاتيًّا وأخرى بالعرض:
أمّا الذّاتيّ منه: فتارة يكون من قبيل القصور في الدّلالة، كما لو دلّ الكلام على الجامع وكان مجملًا من جهة الخصوصيّات، وليس التّعبير بالإجمال إلّا من باب التّسامح وإلّا ففي الحقيقة هنا قصور في الدّلالة على الخصوصيّة، وهو يدلّ على الجامع بصورة واضحة بحيث يكون هذا هو مقدار دلالة الدّليل واقعًا، لا أنّه أُجمل علينا في مقام الإثبات مع كونه في نفسه ذا دلالة على الخصوصيّة في الواقع.
وتارة يكون مجملًا في مقام الإثبات والدّلالة مع كونه متعيّنًا واقعًا، كما في موارد الألفاظ المشتركة.
وعلى الشّقّ الثّاني: تارة يكون الدّليلان مجملين، وأخرى يكون أحد الدّليلين مجملًا:
الفرض الأوّل: أن يكون الإجمال واقعًا في أحد الدّليلين ومثاله الرّطل، بحيث ورد في أحد الدّليلين كون الكرّ ستّمئة رطل وفي الآخر كونه ألف ومئتي رطل عراقيّ، فيرتفع إجمال الأوّل بواسطة الثّاني، ويتعيّن كونه المكّيّ.
وهنا حالتان:
الأولى: تارة نحرز الجدّيّة في الدّليل المجمل بالوجدان بحيث ننفي التّقيّة يقينًا، وعليه يتعيّن كون الرّطل في المجمل مكّيًّا، ولا يبقى مجال للتّقيّة مع علمنا بكونه حكمًا واقعيًّا؛ فلا محالة يجب رفع الإجمال بظهور الدّليل المبيّن.
والثّانية: وأخرى نحرز الجدّيّة في الدّليل المجمل بواسطة أصالة الجدّ. وقد أشار السّيّد الصّدر هنا إلى أنّه كان يشكل في جريانها في مثل المقام، لكنّه يرى أنّ الصّحيح كونها جارية، إذ ليس جريان أصالة الجدّ متوقّفًا على إحراز المدلول الاستعماليّ بل يكفي الظّهور الحاليّ للمتكلّم في كونه في غير مقام التّقيّة، بحيث يحرز المراد الجدّيّ ولو لم يحرز المدلول الاستعماليّ.
الفرض الثّاني أن يكون الإجمال في الدّليلين: فهل رفع إجماليهما بضمّهما إلى بعضهما البعض؟
ومثاله ما لو ورد لفظ الرّطل في دليلين من دون تعيين في أيّ منهما، فقال الأوّل "الكرّ ستّمئة رطل" وقال الثّاني "الكرّ ألف ومئتا رطل".
يذهب العلماء عادة في القول بعدم اعتبار الدّليلين المجملين، بحيث لا بدّ من الرّجوع إلى دليل آخر معتبر سواء كان عامًّا فوقانيًّا أو كان أصلًا عمليًّا.
أمّا السّيّد الصّدر إلى إمكان رفع الإجمال عن الدّليلين من خلال الاستفادة من تطابق بعض الاحتمالات الموجودة في كلّ من الدّليلين مع بعض الاحتمالات الموجودة في الدّليل الآخر، لكن حيث لا تطابق لا يمكن رفع الإجمال بل لا معنى لرفع الإجمال فيهما لعدم التّطابق رأسًا.
وحيث كان بين الدّليلين احتمالات للتّطابق يمكن رفع الإجمال بحمل الدّليلين على ما تطابقا عليه، وهذا ما يتأتّى بأحد طريقين:
الأوّل: من خلال الاستفادة من أصالة الجدّ الّتي لا يناط جريانها بتعيين المراد الاستعماليّ، مع وجود ظهور حاليّ للمتكلّم في أنّ ما بيّنه في هذا الدّليل مراد جدّيّ وواقعيّ له. فجريان أصالة الجدّ في كلّ من الدّليلين يعني أنّ المراد من السّتّمئة رطل هو المكّيّ وأنّ المراد من الألف ومئتي رطل هو العراقيّ، لأنّ الحمل على غير ذلك يودي إلى تنافي أصالة الجدّ في كلّ من الدّليلين مع أصالة الجدّ في الآخر، ولذا لا يمكن حمل الرّطل في كليهما على المكّيّ ولا العراقيّ منعًا للتّنافي بعد فرض الجدّيّة في كليهما.
وقد أشكل شيخنا الأستاذ على هذا الحمل من أنّه لا تعيّن لهذا الجمع، فمع فرض جريان أصالة الجدّ في كليهما، يمكن عرفًا حمل الرّطل في كلا الدّليلين على العراقيّ أو المكّيّ، وذلك بحمل الأكثر على الاستحباب، فيقال إنّ أقلّ الكرّ هو السّتّمئة، وما زاد محمول على الاستحباب؛ تمامًا كما نحا العلماء في الجمع في تحديد الكرّ بالأشبار بين كونه ثلاثة أشبار وكونه ثلاثة أشبار ونصف؛ نعم يبقى هذا الإشكال صغرويًّا مرتبطًا بالمثال وإلّا فالكبرى سليمة عن الإشكال.
الثّاني: إجمال الدّليلين نسبيّ، أي في كلّ من الدّليلين جهة مجملة وأخرى مبيّنة:
فالدّليل الّذي يفيد كون الرّطل ألفًا ومئتين، مجمل من جهة تردّد الرّطل بين المكّيّ والعراقيّ، ولكنّه مبيّن من جهة قدره المتيقّن من أنّ الكرّ ليس أقلّ من ألف ومئتي رطل عراقيّ، سواء كان المراد من الرّطل هو العراقيّ أو المكّيّ. فيما الدّليل الثّاني يدلّ أيضًا على قدره المتيقّن وهو أنّ الكرّ ليس بأكثر من ستّمئة رطل مكّيّ.
فيتحصّل أنّ الكرّ ليس بأقلّ من ألف ومئتي رطل عراقيّ ولا بأكثر من ستّمئة رطل مكّيّ، فنرفع بالدّلالة المبيّنة لكلّ دليل جهة الإجمال في الآخر، ويتعيّن كون الألف والمئتين رطلًا عراقيًّا وكون الثّاني مكّيًّا.
لأنّ الدّليل المفيد لكون الكرّ ليس بأقلّ من ألف ومئتي رطل عراقيّ، يفيد أنّه لا يمكن أن يكون المراد من السّتّمئة هو الرّطل العراقيّ؛ والدّليل المفيد لكون الكرّ ليس بأكثر من ستّمئة رطل مكّيّ، يفيد أنّه لا يمكن أن يكون المراد من الألف ومئتين هو الرّطل المكّيّ؛ فيرتفع إجمال كلّ دليل بواسطة الدّليل الآخر.
هذا كلّه على فرض الإجمال الذّاتيّ، وأمّا على فرض كون الإجمال بالعرض:
والّذي يعني أنّ المدلول الظّهوريّ ليس مرادًا لقرينة؛ كالعامّ الّذي له ظهور في العموم، ولكن مع وجود قرينة على التّخصيص، فليس المراد هو العموم جزمًا، فلا بدّ من طريق لتعيين المراد.
وعدّ السّيّد الصّدر هنا ستّة طرق لرفع الإجمال، بعضها واضح وبعضها الآخر خارج عن فرض الإجمال:
1. كون الدّليل ذا ظهور أوّليّ، كالعامّ، بحيث ينتفي بعد التّخصيص كونه مرادًا جدّيًّا؛ فهنا يمكن رفع الإجمال بواسطة الظّهور الأوّليّ بحيث يراد العموم في الباقي أي ما عدا المقدار المخصَّص، فمعنى التّخصيص إخراج المخصّص عن كونه مرادًا دخوله تحت العموم، وهذا لا يخرج تمام الباقي عن البقاء تحته، أي الدّليل نفسه ظاهر في بقاء الباقي من العامّ بعد التّخصيص تحت العموم.
2. رفع الإجمال بواسطة الظّهور الثّانويّ، ككون الأمر ذا ظهور ثانويّ في الاستحباب عند قيام القرينة النّافية للوجوب، فنعيّن بواسطته كون المراد من الأمر الاستحباب، وننفي سائر الاحتمالات كإرادة التّرخيص؛ فيرتفع الإجمال.
3. رفع الإجمال بالدّليل الحاكم في الحكومة التّفسيريّة كأن يقول أعني كذا وأريد كذا.
4. رفع الإجمال بالجمع العرفيّ في موارد القرينيّة العامّة والنّوعيّة، كتقديم الخاصّ على العامّ بملاك القرينيّة.
5. رفع الإجمال عن الدّليل بالدّلالة الالتزاميّة للدّليل الآخر الهادم؛ وهذا يتأتّى حيث يكون الجدّ في الدّليل المهدوم ثابتًا بالوجدان لا بالأصل.
6. رفع الإجمال بضمّ الدّلالة الالتزاميّة في الدّليل الهادم إلى أصالة الجدّ في الدّليل المهدوم.
وفي الحقيقة هذا الطّرق هي الموزّعة على الأبواب المختلفة في الأصول، ويمكن الإشارة إلى بعض النّكات والإشكالات في المقام ولكن نكتفي بهذا المقدار، وبه يتمّ الكلام في المجمل والمبيّن.