اعتبار الأمارات والأصول في موارد التّقليد

نوشته شده توسط السيد حمزة عيسی الموسوي. ارسال شده در تقریر عربی اصول

ما زال الكلام في اعتبار الأمارات والأصول في موارد التّقليد على فرض اختصاص خطاباتها بالمجتهد.

ولا بدّ من التّمييز بين كون الأدلّة مختصّة بالمجتهد بمعنى أنّه المخاطب بالأمارات والأصول، فلا يكون فهم العامّيّ منها في الشّبهات الحكميّة حجّة؛ وبين كون مفاد هذه الخطابات عامًّا يشمل العامّيّ أيضًا، فلا تنافي بين اختصاص الحجّيّة بالمجتهد وبين عموميّة مضامينها، إذ تكون النّتيجة كون فهم المجتهد هو الحجّة المعيّن لوظائف العوامّ.

وهذا على غرار ما ذهب إليه بعض الأخباريّين من أنّهم مع اعتقادهم باختصاص حجّيّة ظواهر الكتاب بالأئمّة عليهم السّلام ولكن مع ذلك يشمل مضمون الخطاب القرآنيّ جميع المكلّفين، بل بعضها لا يمكن أن يشمل المعصوم كخطابات الكفّارات والحدود وما شاكل.

وقد ذكرنا أنّ البحث في المسألة يقع في جهتين:

الأولى: وهي الّتي تعالج إشكاليّة: كيف يصحّ أن يفتي الفقيه للعامّيّ وفق مضامين الأدلّة المختصّة بالمجتهد، والحال أنّ موضوعها مختصّ بالمجتهد؟

فلو فرضنا كون موضوع الاستصحاب هو يقين وشكّ المجتهد، فكيف يتأتّى للفقيه أن يفتي للعامّيّ على أساس الاستصحاب؟ أوليست فتوى الفقيه للعامّيّ على أساس الاستصحاب كالإفتاء للحاضر بوظيفة المسافر؟ أي تحميل للحكم على لا موضوع؟

الثّانية: وهي البحث عن أصل كون خطابات الأدلّة مختصّة بالمجتهد.

أمّا في الجهة الأولى: فقد بيّنّا ثلاثة وجوه وردت لحلّ الإشكال، وذكر شيخنا الأستاذ وجهًا رابعًا اتّفق كونه مذكورًا أيضًا في كلمات المحقّق العراقيّ، وخلاصته: إنّه وإن كان المجتهد موضوع هذه الأدلّة، ولكن مع ذلك يكون شكّ ويقين المجتهد من حيث وظيفة العامّيّ مشمولًا بهذه الأدلّة؛ أي نفس أن يكون المجتهد ذا يقين بأنّ هذه المرأة كانت محكومة في الحالة السّابقة بالحيض، وهو يشكّ الآن في بقاء حيضها، فهذا مجرى للاستصحاب، لأنّ موضوع الاستصحاب هنا هو يقين وشكّ المجتهد المرتبط بوظيفة العامّيّ، أي يُجري الفقيه نفسه الاستصحاب.

وهنا ذكر المحقّق العراقيّ أنّ للفقيه أن يفتي للعامّيّ على نحوين:

- الأوّل: على نحو المسألة الأصوليّة، وهو يرجع إلى الوجه الثّاني الّذي ذكرناه سابقًا من أنّ المجتهد بفتواه يحقّق أوّلًا موضوع الأصل العمليّ عند العامّيّ، ثمّ يفتي له بواسطة الاستصحاب بأن لا تنقض يقينك المحقّق بالفتوى الأولى بالشّكّ واحكم بالبقاء.

- الثّاني: على نحو المسألة الفقهيّة، بأن يجري الفقيه بنفسه الاستصحاب من حيث إنّه كمجتهد كان له على أساس الأمارة يقين بحيض المرأة مثلًا والآن يشكّ في البقاء على نحو الشّبهة الحكميّة، فيحكم بالبقاء على أساس الاستصحاب.

وقد أشكل السّيّد الصّدر على هذا الوجه من حيث إنّ أدلّة حجّيّة الفتوى تختصّ بالوظائف المشتركة، ولا تشمل الوظائف غير المشتركة؛ وقد جاء هذا الإشكال في كلمات المحقّق الدّاماد.

وهذا الكلام بظاهره ضعيف جدًّا، فلا بدّ من توجيهه بأن يقال إنّ المراد من الوظائف المشتركة أي الوظائف الّتي فُرض موضوعها في حقّ العامّيّ أيضًا حتّى يتمشّى من الفقيه الحكم عليه.

وبالتّالي يكون إشكال السّيّد الصّدر على القول باختصاص الأدلّة بالمجتهد أنّه لا موضوع للدّليل عند العامّيّ ليفتي الفقيه له ويحكم عليه.

والجواب هو أن يقال كما ورد في كلام السّيّد الخوئيّ من أنّه على فرض اختصاص أدلّة حجّيّة الأمارات والأصول بالفقيه، فإنّ أدلّة حجّيّة التّقليد توسّع مشروعيّة التّقليد.

وقد التفت السّيّد الصّدر إلى هذه الجهة، فذهب إلى أنّه وإن كانت سيرة التّقليد عند العقلاء قائمة على أساس ملاك الخبرويّة، ولا يتأتّى هذا الملاك مع فرض اختصاص الموضوع بالمجتهد، إلّا أنّه ولكون هذه الجهة مغفولًا عنها عند العقلاء، يمكن بواسطة الإطلاق المقاميّ لأدلّة التّقليد إثبات مشروعيّة التّقليد حتّى في موارد عدم وجود ملاك الخبرويّة أيضًا.

وقد علّق شيخنا الأستاذ بأنّه لا حاجة إلى مثل هذه التّوسعة، فليس معنى جواز التّقليد بملاك الخبرويّة هو أن يتحقّق الموضوع عند المجتهد وبحقّه، بل معناه أن تكون الفتوى عن إعمال للخبرويّة ولو بلحاظ وظيفة العامّيّ.

وأمّا في الجهة الثّانية: فهل أدلّة الأمارات والأصول مختصّة بالمجتهد؟ بحيث يكون خطاب الاستصحاب في الشّبهات الحكميّة متوجّهًا إلى المجتهد خاصّة؟

وقعت هذه الجهة محلًّا للخلاف، وقد صرّح المحقّق النّائينيّ باختصاصها بالمجتهد.

وقد تقدّم أنّ مبنى تقسيم الشّيخ الأعظم ليس بلحاظ يقين وظنّ وشكّ العامّيّ، لأنّ غرضه يرتبط بالإفتاء، وأنّ مجرّد تصوّر هذه الحالات بحقّ العامّيّ لا يجعلها داخلة في المراد من التّقسيم، ولكن هذا ليس بمعنى اختصاص أدلّة حجّيّة الأمارات والأصول بالمجتهد؛ فتنبّه.

ويمكن القول بأنّ منشأ القول باختصاص حجّيّة الأمارات والأصول بالمجتهد هو أحد هذه الوجوه الثّلاثة على نحو مانعة الخلو:

الأوّل: كون حجّيّة الأمارات والأصول مختصّة بخصوصيّة لا تتأتّى إلّا في حقّ المجتهد، وهي الفحص.

أي إنّه على القول بحجّيّة الخبر مثلًا، تكون حجّيّته مشروطة بالفحص عن المخصّص و المعارض وما شاكل، وهو غير قابل للتحقّق إلّا من جهة المجتهد. وهذا يعني أنّ حجّيّة الأمارات والأصول مختصّة بالمجتهد، لأنّ هذه الخطابات إنّما تتوجّه إلى من يكون قادرًا على الفحص، وهو المجتهد.

الثّاني: لا تحقّق لموضوع بعض الأصول والأمارات إلّا عند المجتهد، فموضوع الاستصحاب هو اليقين بالحكم الشّرعيّ، وهو غير ممكن للعامّيّ.

الثّالث: الجهل بالحكم الواقعيّ إمّا مأخوذ في موضوع الأدلّة كالأصول العمليّة، وإمّا مفروض كما في مورد الأمارات، وهذا ينتج اختصاص حجّيّة الأمارات والأصول بالمجتهد، وذلك: إمّا لكون العامّيّ غير ملتفت ليشكّ، وإمّا لعدم كون أيّ شكّ كيفما اتّفق موضوعًا لهذه الأدلّة، بل موضوعها الشّكّ النّاشئ عن الفحص، والفحص ممكن من المجتهد لا من سواه.

وقد ناقش شيخنا الأستاذ في هذه الوجوه جميعًا ولم ير إيجاب أيّ منها للقول بالاختصاص.

چاپ