اعتبار الأمارات والأصول في موارد التّقليد
ما زال الكلام في الجواب على إشكال جواز الإفتاء على أساس الحجج والأمارات من قبل الفقيه للعامّيّ غير المتحقّق عنده موضوع حجّيّة الحجج والأمارات.
وقد ذكرنا أنّ منشأ تصوّر اختصاص حجّيّة الأمارات والأصول بالمجتهد هي إحدى ثلاث نكات، لا يصلح أيّ منها لإيجاب ذلك.
وبالجملة، هنا خمسة أجوبة على هذا الإشكال يمكن استفادتها من كلمات العلماء:
الأوّل: وهو مختار شيخنا الأستاذ، وقد ورد في كلام المحقّق الحائريّ بحسب نقل المحقّق الدّاماد، وإن كان قد وقع محلًّا للإشكال من قبل الأخير؛ ومفاده: أنّ الاستصحاب يجري بلحاظ يقين وشكّ المجتهد نفسه المتعلّقين بوظيفة العامّيّ.
أشكل المحقّق الدّاماد على هذا الجواب بما حاصله:
- الاستصحاب هو الحكم ببقاء الواقع المعلوم سابقًا، لكنّه لا ينتج علمًا بالواقع في مرحلة البقاء.
- موضوع جواز الإفتاء هو العلم بالواقع لا الواقع؛ بتعبير آخر: لا موضوعيّة للواقع بل الموضوع هو اعتقاد المفتي حتّى لو كان غير مطابق للواقع، ويحرم على غير الفقيه الإفتاء بغير علم حتّى لو كان مطابقًا للواقع.
- المطلوب هنا هو تطبيق الفقيه للاستصحاب بحقّ العامّيّ من جهة يقينه وشكّه بوظيفته.
- وحيث الاستصحاب لا ينتج علمًا بالواقع، مع أنّ الإفتاء متوقّف على العلم بالواقع، والمطلوب هو الإفتاء للمرأة الحائض مثلًا على أساس الاستصحاب بواسطة يقين وشكّ المجتهد، يمتنع إنتاج الاستصحاب للفتوى لانتفاء موضوع الفتوى المطلوبة في المقام.
- نعم لو كان الفتوى مترتّبة على نفس الواقع وحيضيّة المرأة في الواقع، لأجرى الاستصحاب لتوفّر أركانه، ولصحّت الفتوى لتوفّر موضوعها ولتحقّق المطلوب؛ والحال أنّه لا تحقّق لموضوع الفتوى فلا تحقّق للمطلوب.
وبعبارة أخرى:
إنّ جريان الاستصحاب بلحاظ يقين وشكّ المجتهد لتعيين وظيفة العامّيّ إفتاء، وهو إنّما يتمّ منه لو كان موضوع جواز الإفتاء هو الواقع. والحال أنّ الفتوى تترتّب على العلم بالواقع لا على الواقع، إذ القول بغير علم حرام حتّى لو كان مطابقًا للواقع؛ بل لا موضوعيّة للواقع أصلًا، إذ موضوع الإفتاء هو اعتقاد المفتي حتّى لو لم يكن موافقًا للواقع.
وعلّق شيخنا الأستاذ على هذا الإشكال بأنّه ناشئ من القول بكون جريان الاستصحاب مشروطًا بأن يكون المستصحب (سواء كان الحكم أو الموضوع) ذا أثر شرعيّ في الواقع، والحال أنّ المستصحب هنا لا أثر شرعيّ له ليجري الاستصحاب، ثمّ يفتي على أساسه.
وهذه الكبرى صحيحة، لكن وقع الاشتباه في تطبيقها في المقام:
- إذ لا يلزم لجريان الاستصحاب أن يكون المستصحب ذا أثر شرعيّ في الحدوث بل يكفي أن يكون ذا أثر شرعيّ في البقاء بلا خلاف.
- لا يلزم أن يكون الأثر بلحاظ الواقع بل يكفي أن يكون بلحاظ التّعبّد الاستصحابيّ، بحيث يتعبّد الشّارع المرأة بالحكم باليقين والجزم بالحيض الّذي كانت على يقين به سابقًا؛ وبالتّالي يكفي أن يكون الأثر بلحاظ الاستصحاب نفسه بحيث يكون المجتهد على أساس الاستصحاب ذا يقين تعبّديّ بحيض المرأة، وهذا موضوع لجواز الإفتاء.
الثّاني: وهو للمحقّق الدّاماد، ومفاده أنّه ينوب الفقيه عن العامّيّ في اليقين والشّكّ، فيمكنه على هذا الأساس الإفتاء.
ومن الواضح أنّ التّنزيل والنّيابة تحتاج إلى كلفة زائدة، فضلًا عن كونه على خلاف ظهور الدّليل. نعم، في حال انحصار الجواب به يمكن الاعتماد عليه وإلّا فلا وجه له.
الثّالث: ليس اليقين موضوعًا للاستصحاب بل الموضوع هو تحقّق الشّيء، فلا قيمة ليقين المكلّف. وهذا ما كان ذكره شيخنا الأستاذ في تتميم بيان الشّيخ الآخوند، بحيث يكون الحدوث هو الموضوع.
وبالنّسبة للشّكّ المأخوذ أو المفروض في موضوع الأمارات والأصول: إمّا أنّ المقصود هو الشّكّ التّقديريّ وإمّا أنّ الشّكّ لا قيمة له والمهمّ هو عدم العلم بالخلاف.
الرّابع: (للمحقّق العراقيّ) لا يتحقّق اليقين أوالشّكّ من العوامّ، لكنّه متحقّق عند الفضلاء ممّن لم يبلغوا رتبة الاجتهاد بحيث يمكنهم أن يجروا الاستصحاب، والحال أنّه لا يحتمل الفرق بينهم وبين سائر العوامّ، فلا يقال بالفصل وبالتّالي يمكن للعوامّ أن يجروا الاستصحاب.
لكنّ هذا الجواب غير تامّ، فمن يتمشّى منه اليقين والشّكّ والفحص مجتهد وإن كان متجزّئًا، ولا علاقة له بالعامّيّ ليقال بعدم الفرق. فاليقين والشّكّ لا يتأتّيان من العامّيّ، إلّا أن يكون هذا الفاضل غير قادر على الاستنباط ولو في مسألة واحدة، فحينها لا قيمة ليقينه وشكّه.
الخامس: (للمحقّق العراقيّ أيضًا) يحقّق الفقيه ابتداءً بفتواه الأولى موضوع الاستصحاب في حقّ العامّيّ، ثمّ يفتي بكلّيّ الاستصحاب في فتواه الثّانية، فيشخّص المكلّف بنفسه على أساس فتوى الفقيه وظيفته العمليّة.
ومن هنا قيل بأنّه يمكن للفقيه أن يفتي في المسألة الأصوليّة ليطبّقها العامّيّ كما يفتي في المسألة الفقهيّة.
وقد أشكل عليه بأنّ الإفتاء على مرحلتين على خلاف سيرة الفقهاء في الإفتاء؛ وأجيب عنه أنّ بعض الفقهاء يفتون على هذا النّحو، ثمّ ليس عدم الإفتاء على هذا النّحو من باب عدم جوازه بل من باب تسهيل الأمر على المكلّف العامّيّ، فيفتون في المسألة الفقهيّة مباشرة.
وبهذا يتمّ الكلام في هذا البحث.
كنّا ذكرنا أنّ المحقّق الآخوند قد قسّم البحث إلى تقسيم ثنائيّ على خلاف الشّيخ الأعظم الذّي جعله ثلاثيًّا. وقد ذكر أنّ البالغ الّذي وُضع عليه القلم، إذا التفت إلى حكم فعليّ واقعيّ أو ظاهريّ فإمّا أن يكون قاطعًا وإمّا لا، فإن لم يكن قاطعًا فالمرجع هو الظّنّ الانسداديّ على مبنى الحكومة أو الأصول العمليّة العقليّة.
ومراده من الحكم الفعليّ هو الحكم الّذي بلغ مرتبة البعث والزّجر بنحو إذا عُلم به تنجّز، في مقابل الحكم الإنشائيّ الّذي حتّى لو عُلم به لم يتنجّز.
وقد ذكر شيخنا الأستاذ أنّه يلزم من التّقسيم الثّنائيّ للشّيخ الآخوند أن يكون المكلّف دائمًا قاطعًا بوظيفته الفعليّة، إذ يرجع العمل بالأصول العمليّة العقليّة والظّنّ الانسداديّ على مبنى الحكومة إلى القطع بالوظيفة العمليّة. ولذا هذا التّقسيم لا ينسجم مع لترتيب المباحث الأصوليّة.
ومن هنا، عاد المحقّق الآخوند وذكر تقسيمًا ثلاثيًّا على أساس أنّ المكلّف إمّا قاطع بالحكم وإمّا لا، وعلى الثّاني فإمّا له طريق معتبر على الواقع وإمّا لا، وعلى الثّاني فالمرجع هي الأصول العمليّة الشّرعيّة أو العقليّة.
وهذا التّقسيم أوفق بترتيب علم الأصول، لكن مع ذلك نحتاج للبحث في اعتبار أو عدم اعتبار الطّريق أن نبحث في الظّنون، فلا بدّ من إيجاد قسم للظّنون، وهذا يرجع إلى تقسيم الشّيخ الأعظم.
وقد مرّ أنّ تقسيم الشّيخ الأعظم لم يكن بلحاظ وظيفة المكلّف ليشكل عليه بتداخل الأقسام في الحكم بل هو تقسيم لترتيب مباحث الأصول.