حجية القطع

نوشته شده توسط السيد حمزة عيسی الموسوي. ارسال شده در تقریر عربی اصول

ذكر الشّيخ الآخوند أنّ وجوب متابعة القطع والمنجّزيّة والمعذّريّة هي من اللّوازم الذّاتيّة للقطع، فهي ثابتة من دون أن تكون قابلة للجعل ولا للسّلب والرّفع لكون هذا اللّزوم بنحو العلّيّة التّامّة لا الاقتضاء، فلا يجوز جعل الشّارع لحكم على خلافه بحقّ القاطع؛ وحيث إنّها من قبيل اللّوازم الذّاتيّة فهي مجعولة بالجعل البسيط بجعل القطع لا بالجعل التّأليفيّ التّركيبيّ.
وصريح الوجدان شاهد على هذه الدّعوى، ولا حاجة للبرهان، لكن مع ذلك أشار إلى برهان على عدم جواز جعل حكم على خلاف القطع، حيث يستلزم هذا النّحو من الجعل اجتماع الضّدّين أو النّقيضين في نظر القاطع على الإطلاق أي على فرض الإصابة وعدمها، ويستلزم اجتماع الضّدّين أو النّقيضين في الواقع على فرض الإصابة.
ثمّ يضيف الشّيخ الآخوند أنّ القطع يستلزم هذه الأحكام إذا كان متعلّقًا بحكم بلغ رتبة الفعليّة، وإلّا حيث لم يكن الحكم فعليًّا فليس للمولى أمر ونهي في الحقيقة، ولا وجوب امتثال ولا استحقاق للعقاب لانتفاء موضوع الطّاعة والعصيان؛ والفعليّة عند الشّيخ الآخوند تختلف عن الفعليّة بحسب اصطلاح مدرسة المحقّق النّائينيّ.
والفعليّة بحسب اصطلاح المحقّق الآخوند هي بلوغ الحكم رتبة البعث والزّجر فعلًا، وعلامة هذا الحكم الفعليّ أنّه إذا علم به المكلّف تنجّز عليه، في مقابل الأحكام الإنشائيّة (بحسب اصطلاحه الخاصّ أيضًا) الّتي لمّا تبلغ بعد تلك المرتبة كالأحكام المحوّلة إلى عصر الظّهور المبارك بحيث لا هي باعثة ولا زاجرة ولا العلم بها ينجّزها.
وهذا على خلاف الفعليّة بحسب اصطلاح المحقّق النّائينيّ والّتي ترجع إلى تحقّق موضوع الحكم في الخارج، فالحكم الّذي تحقّق جعله على نحو القضيّة الحقيقيّة إذا تحقّق موضوعه المأخوذ في الجعل في الخارج صار فعليًّا، وهي ما يعبّر عنها برتبة المجعول.
هذا، وكنّا قد أشرنا إلى ما يستفاد من تعليقيّة اللّوازم الذّاتيّة للقطع من بعض كلمات السّيّد الصّدر كما في المباحث والحلقات، بنحو تتعلّق المنجّزيّة مثلًا على عدم ورود ترخيص من الشّارع.
والكلام في تأثير القطع تارة يقع بلحاظ التّكوين وأخرى بلحاظ منطقيّ وثالثة بلحاظ أصوليّ. ولا شغل لنا في البحث عن القطع باللّحاظ التّكوينيّ ولا في البحث عن كاشفيّته المنطقيّة الّتي تارة تكون بمعنى الكاشفيّة بالنّسبة للقاطع وأخرى بمعنى ضمان الإصابة للواقع، وما يعنينا هو البحث باللّحاظ الأصوليّ المرتبط بالمنجّزيّة والمعذّريّة. نعم، لم يشر بنحو مستقلّ إلى حكم وجوب متابعة القطع، في حين أنّ الشّيخ الآخوند بيّن الأحكام الثّلاثة، والجري العمليّ على وفق القطع يختلف عن المنجّزيّة بحيث يترتّب عليها، إذ المنجّزيّة ترجع إلى معنى وجوب الامتثال واستحقاق العقاب على فرض المخالفة.
وقد ذكر السّيّد الصّدر ما جاء في كلام الشّيخ الآخوند من برهان على عدم إمكان التّرخيص في مخالفة القطع من لزوم اجتماع الضّدّين أو النّقيضين في اعتقاد القاطع على فرض الإصابة وعدمها ولزومه في الواقع على فرض الإصابة، ثمّ ذكر وجهًا آخر هو لزوم نقض الغرض.
إضافة إلى ما كنّا ذكرناه أيضًا من تعليقيّة حجّيّة القطع على عدم ورود ترخيص من قبل الشّارع؛ ولكن مع ذلك ذهب إلى عدم إمكان التّرخيص في هذا المقام من قبل الشّارع بملاك جعل الحكم الظّاهريّ، وذلك لأنّ التّرخيص في المخالفة إمّا أن يكون بنحو نفسيّ وإمّا طريقيّ، وكلاهما غير ممكن.
أمّا الأوّل فلوضوح أنّ الأحكام في المقام طريقيّة، وطريقيّة القطع ذاتيّة له بحيث يكون جعل حكم على خلاف القطع من قبيل جعل حكمين متضادّين وهو غير معقول.
وأمّا الثّاني فمن حيث إنّ القاطع يرى نفسه واصلًا إلى الواقع بحيث لا يتعقّل جعل حكم طريقيّ له يوصله إلى الواقع وهو في الواقع، إذ معنى كون الشّيء طريقًا أي كونه موصلًا ولو احتمالًا إلى ذي الطّريق، والحال أنّه يرى نفسه في قلب ذي الطّريق. وبالتّالي أيّما طريق يجعله المولى للقاطع سيراه من حيث إنّه قاطع خاليًا عن أيّ احتمال إيصال إلى ذي الطّريق، فلن يلتفت إليه.
وبالنّتيجة لا يمكن جعل حكم على خلاف القطع لا بنحو نفسيّ ولا بنحو طريقيّ حتّى لو كان يرى المولى قطع المكلّف غير مطابق للواقع.
وقد ذكرنا أنّه يمكن في المقام التّمييز بين المولى الحقيقيّ والمولى العرفيّ بحيث يمكن للمولى العرفيّ جعل حكم مخالف للقطع من حيث إنّه حائز على ملاك الطّريقيّة المتيح لجعل حكم ظاهريّ، وذلك لأنّه يتأتّى في مورده الاشتباه فيمكن أن يتحفّظ المخاطب على قطعه ومع ذلك يلتفت إلى كون المولى قد جعل له على خلاف قطعه ما هو غير مصيب للواقع وما كان اشتباهًا لتمشّي الاشتباه في حقّه.
وملاك الطّريقيّة حيثيّة تعليليّة لا تقييديّة أيّ إنّه على فرض كون المولى العرفيّ يخطّئ المخاطب في قطعه يمكنه أن يجعل له طريقًا على خلاف قطعه وإن كان في كلّ ذلك يرى المخاطب المولى مخطئًا مشتبهًا في جعله وقطعه الواقع على خلاف قطع المخاطب.
وهذا المعنى لا يتأتّى في مورد المولى الحقيقيّ المعصوم، فلا يمكن القول بجعله حكمًا على خلاف القطع لعدم إمكان القول بوقوعه في الاشتباه ولو من وجهة نظر المكلّف المخاطب.
نعم، يتمشّى من المولى أن يخاطبه على خلاف الواقع لكن من حيث إنّه يرفع اليد عن الواقع، أي مع التّسليم بأنّ الواقع هو ما يراه القاطع لكنّه المولى لا يحكم في المقام على أساس الواقع.
وعلى مقلب آخر، يرى المحقّق الإيروانيّ أنّ أيًّا من هذه الأحكام الثّلاثة من وجوب المتابعة والمنجّزيّة والمعذريّة ليس من اللّوازم الذّاتيّة للقطع.
فالمنجّزيّة أثر للاحتمال لا للقطع، لذا تثبت في موارد العلم الإجماليّ، لأجل الاحتمال، فهي غير مرتبط بعدم احتمال الخلاف، لتصير مترتّبة على القطع.
والمعذّريّة أثر للجهل، ولا علاقة لها بالقطع، وفي موارد القطع على خلاف الواقع، ومن حيث إنّه المكلّف جاهل بالجهل المركّب مع عدم التّقصير تترتّب المعذّريّة؛ لذا حتّى لو كان الجهل بسيطًا كان معذّرًا.

چاپ