التجري

نوشته شده توسط السيد حمزة عيسی الموسوي. ارسال شده در تقریر عربی اصول

ما زال الكلام في مناط الاختياريّة.
ذهب الشّيخ الآخوند إلى أنّ المناط هي الإرادة المتعلّقة بعنوان الفعل؛ في حين ذهب المحقّق الأصفهانيّ إلى اعتبار الإرادة مناطًا لكن من دون شرط أن تكون متعلّقة بالعنوان، ليكون وفاقهما صوريًّا ونزاعهما حقيقيًّا، وليكون نزاع المحقّق الأصفهانيّ مع المحقّق الحائريّ في نقضه على الشّيخ الآخوند لفظيًّا غير حقيقيّ. (هذا الكلام على خلاف ما كنّا ذكرناه في الدّروس السّابقة في بيان موضع المحقّق الأصفهانيّ في هذا النّزاع).
اختار المحقّق الأصفهانيّ أنّ موضوع استحقاق العقاب في مورد التّجرّيّ هو الفعل المتجرّى به على خلاف الشّيخ الآخوند الّذي اختار فيه وفي مورد العصيان هتك المولى موضوعًا لاستحقاق العقاب من حيث إنّ الفعل عنده في مورد التّجرّي لا يقع متعلّقًا للإرادة. في حين أنّه قد تخلّص المحقّق الأصفهانيّ من إشكال عدم تعلّق الإرادة بالفعل المتجرّى (كمقطوع الخمريّة) بنفس الطّريقة الّتي كان صحّح على أساسها تعلّق الإرادة بشرب الخمر في مورد تعلّقها بالجامع المائع لأجل ميعانه.
ما يعني أنّه يعتبر القصد والإرادة لكن لا قصد العنوان، فلا نحتاج في تصحيح اختياريّة شرب مقطوع الخمريّة إلى قصد لعنوانه، ويكفينا قصد ما يرجع إليه بشكل من الأشكال، كإرادة الجامع الرّاجعة إلى إرادة الحصّة الّتي وقعت منه.
وهذا يعني أنّ عين ما أشكل به شيخنا الأستاذ على المحقّق الأصفهانيّ قد قبله في رتبة أسبق من تصدّيه للجواب على نقص المحقّق الحائريّ، فراجع.
إذن، المعتبر في اختياريّة الفعل عند المحقّق الأصفهانيّ هو الالتفات والقدرة والقصد؛ وقد ذكر ما مفاده:
الفعل الصّادر من الإنسان إمّا أن يكون بالقسر وإمّا بالطّبع وإمّا بالإرادة:
ومن الواضح أنّه ليس الفعل المتجرّى به بالقسر كفوران الماء ولا بالطّبع كحركة رمش العين، فلا يكون إلّا من قبيل الحركات الإراديّة.
ولا معنى لإدخال الدّواعي في تحليل اختياريّة الفعل، بل المهمّ هو أن يكون صادرًا عن إرادة بأيّ داعٍ كان، أي من شرب الخمر سواء بداعي الإسكار أو بداعي التّبريد، قد أراد شرب الخمر ووقع فعله هذا عن اختيار.
وهكذا الحال في مورد التّجرّي، المهمّ هو أن يكون الفعل المتجرّى به إراديًّا سواء فعله بداعي كونه مقطوع الخمريّة أم فعله بداعي خمريّته الواقعيّة تخلّفت أم تحقّقت. وهذا على خلاف ما ذكره المحقّق الآخوند من أنّه لا قصد لدى المتجرّي إلى مقطوع الخمريّة بعنوانه، بل قصد إلى الخمر الواقعيّ فلا يقع الفعل إراديًّا.
ولو رجعنا إلى مقالة المحقّق الحائريّ، لوجدنا المنفيّ عنده هو ضرورة وجود قصد متعلّق بالعنوان أي ما اعتبره المحقّق الآخوند، في حين أنّه قائل بضرورة وجود التفات وتمكّن في اختياريّة الفعل، وفي ضمنهما إرادة للفعل بأيّ عنوان تعلّقت وأودت إلى الاتيان به. ففي مورد التّجرّي، مع عدم وجود قصد متعلّق بمقطوع الخمريّة، لكن يوجد قصد متعلّق بالخمر الواقعيّ، وهذا كافٍ في اختياريّته.
ومع أنّ المحقّق الأصفهانيّ قد وصف كلام المحقّق الحائريّ بالتّوهّم وأنّه كلام مجمل، لكنّ إشكال الأخير تامّ عليه.
وممّا ذكره المحقّق الأصفهانيّ في هذا البحث هو ترديده موضوع استحقاق العقوبة في مورد التّجرّي بين الهتك _كما قال المحقّق الآخوند_ وبين الفعل.
وقد يقال هنا إنّ الهتك منوط بالوصول، ولا وصول للواقع في مورد التّجرّي، إذ المتجرّي لم يحقّق الواقع، فلم يهتك حرمة المولى، ليكون حال جهله المركّب بالواقع كحال الجهل البسيط من جهة عدم وصول الواقع وعدم تحقّق الهتك.

لكنّه مردود بعدم إناطة تحقّق عنوان الهتك بالوصول بل يصدق كذلك في مورد الجهل المركّب، أي لا يدور تحقّق الهتك مدار مطابقة ما تجرّأ به على المولى الواقع المحرّم.
وعلّق شيخنا الأستاذ في المقام بأنّ الشّيخ الآخوند لم يجعل استحقاق العقاب على أمر آخر غير الفعل، بل جعل للفعل حيثيّات منها أنّه هتك لحرمة المولى، فهو يستحقّ العقاب على الفعل من حيث إنّه هتك لإقدامه عليه باعتقاد حرمته تجرّؤًا على مولاه.
وهنا اعترض المحقّق الأصفهانيّ بأنّ العزم هتك كما أنّ الفعل هتك، ويلزم منه أن يستحقّ الفاعل عقابين في المورد الواحد، استحقاق على العزم وآخر على الفعل، سواء في مورد المعصية أو في مورد التّجرّي، والحال أنّنا نعلم باستحقاق عقاب واحد سواء بحكم العقل أو باعتبار العقلاء، فلا بدّ من أن يكون موضوع الاستحقاق شيء آخر وهو الفعل المتجرّى به.
ولا يقال بأنّ العقاب واحد على هتك واحد مستمرّ من العزم إلى الفعل، لأنّه يقال بحسب المحقّق الأصفهانيّ بأنّهما مقولتان مختلفتان لا يُتصوّر في موردهما وحدة مستمرّة.
وقد أجاب شيخنا الأستاذ على هذا الاعتراض بأنّ العقاب على الفعل عند الشّيخ الآخوند لكن لا من حيث كونه فعلًا بالمعنى الاسم مصدريّ بل من حيث كونه منسوبًا إلى الفاعل كقبح فاعليّ لكونه مصداقًا لهتك حرمة المولى.
هذا، ولم يلتزم الشّيخ الآخوند باستحقاق عقابين في مورد التّجرّي ولا في مورد المعصية، تمسكًّا بحكم العقل واعتبار العقلاء الّذين لا يرون استحقاق أكثر من عقوبة على مجموع النّيّة والفعل الخارجيّ، من دون أن يمنع التّعدّد المقوليّ عن وحدة العقوبة؛ بغضّ النّظر عن الرّوايات الّتي أشارت إلى عدم استحقاق العقوبة على النّوايا.

 

چاپ