التجري
جاء في كلام المحقّق الآخوند أنّه غالبًا ما لا تكون حيثيّة القطع بالفعل المتجرّى به موردًا للالتفات، بقطع النّظر عن عدم تعلّق القطع به غالبًا حتّى في موارد الالتفات؛ ومن المعلوم أنّ الجهات المغفولة لا تكون مؤثّرة في الحسن والقبح ولا من وجوهه واعتباراته، ومن هنا لا يخرج الفعل المتجرّى به بالقطع بما هو على خلاف واقعه عن واقع حاله كما ذكرنا مرارًا.
أشكل المحقّق النّائينيّ على هذا البيان بأنّ القطع من أتمّ جهات الالتفات بحيث لا يمكن أن تكون جهة القطع بالشّيء مغفولة، فهل يمكن أن يكون من في يده ماء غير ملتفت إلى أنّه يعلم أنّ في يده ماءً؟ أي أن لا يكون ملتفتًا إلى علمه بغضّ النّظر عن التفاته إلى معلومه؟ والحال أنّ العلم بالشّيء لا ينفكّ عن العلم بالعلم بالشّيء، وهذا لا علاقة له بدخالة جهة القطع في الحكم، بل الكلام الآن عن الالتفات إلى القطع؛ إنكار هذا المعنى باطل بالوجدان.
ومن هنا تعلم أنّ ما قاله الشّيخ الآخوند من أنّ جهة كون الشّيء مقطوعًا به مغفول عنها غير تامّ؛ إذ مع كون القطع طريقُا وآلة، إلّا أنّه لا مانع يمنع عن الالتفات إليه، فالنّاظر في المرآة ليرى شخصه المنطبع فيها لا يغفل عن كونه ناظرًا في المرآة، ولو لم تقع المرآة موردًا لالتفاته التّفصيليّ من حيث صقلها وصفاؤها وما شاكل، ولكنّه يلتفت إليها إجمالًا وارتكازًا، وما نحتاج إليه هنا هو هذا المقدار من الالتفات الارتكازيّ الّذي لو سئل عن مورده لاستحضره، ولا نعني بالالتفات إلّا هذا.
وبالتّالي، ينتفي ما ترتّب عليه من أنّ القطع لا يكون من الجهات المحسّنة والمقبّحة لأنّه لا يكون ملتفتًا إليه، إذ لا محذور من جهة عقليّة ولا من جهة أخرى في أن يكون كذلك.
وترقّى المحقّق النّائينيّ للقول بأنّه يمكن أن يكون القطع موضوعًا للخطاب، وهذا فرع أن يكون ملتفتًا إليه، كأن يجعل المولى لمقطوع الخمريّة حكمًا ويجعل للخمر الواقعيّ حكمًا آخر، ولا يترتّب حكم مقطوع الخمريّة _كما هو واضح_ من دون حصول القطع ومن دون الالتفات إليه.
ومن هنا، يترتّب على القول بعدم الالتفات إلى القطع عدم صحّة أخذه في موضوع الحكم غالبًا، إذ غالبًا يكون مغفولًا، وهو باطل كما ترى. نعم يبقى أنّه هنا للمحقّق الآخوند أن يقول بعدم كونه موضوعًا إلا في موارد الالتفات خاصّة.
وكيف كان، لا شكّ في كون مقطوعيّة الشّيء موردًا للالتفات ولو الإجماليّ الارتكازيّ المصحّح للتّكليف من حيث الآثار المرتقبة ومصحّحًا لاتّصافه بالحسن والقبح.
وعودًا إلى مطلب المحقّق الآخوند، فقد ذكر آخر الكلام تتمّة ترتبط بالاستدلال الّذي ذكره الشّيخ الأعظم نقلًا عن المحقّق السّبزواريّ وجوابه مكتفيًا بالجواب الّذي أجاب به الشّيخ الأعظم عن الاستدلال معربًا عن عدم الحاجة إلى استدلال المحقّق السّبزواريّ.
وخلاصة استدلال المحقّق السّبزواريّ هو أنّنا لو فرضنا شخصين قاطعين بخمريّة ما عند كلّ منهما من المائع، بحيث كان قطع أحدهما مطابقًا للواقع وكان قطع الآخر مخالفًا له، فهنا:
- إمّا أن نقول باستحقاقهما للعقاب وهو المطلوب؛
- وإمّا بعدم استحقاق أيّ منهما وهو ممنوع؛
- وإمّا أن يقال باستحقاق من خالف قطعه الواقع دون الموافق وهو ممنوع أيضًا؛
- وإمّا أن يقال بأنّ استحقاق العقاب ثابت في مورد القطع الموافق للواقع دون القطع المخالف له، فيكون قد أنيط الاستحقاق بأمر غير اختياريّ.
وأجاب عنه الشّيخ الأعظم بأنّه صحيح القول بعدم صحّة العقاب على أمر غير اختياريّ، لكن من كان قطعه موافقًا للواقع يستحقّ العقاب على أمر اختياريّ، ومن لم يستحقّ العقاب لم يستحقّه على أمر غير اختياريّ، أي توفّر في مورد الأوّل سبب الاستحقاق وهي المخالفة العمديّة ولم يتوفّر في مورد الثّاني أي المخالفة العمديّة ولو كان عدم وقوعها غير اختياريّ، فلا محذور في المقام.
وقد جاء في مورد المرتدّ أنّ الارتداد الّذي يستحقّ عليه العقاب في الدّنيا وفي الآخرة هو ما كان عن اختيار وتقصير لا عن قصور.
ومن هنا تبيّن ما كان ذكره المحقّق الآخوند من أنّ ملاك استحقاق العقاب في موارد العصيان أو التّجرّي واحد، وهي الجهة المشتركة بينهما وهي البُعد عن المولى، من دون فرق بين كون ذلك وقع حال مطابقة القطع للواقع أو حال عدمها. ولذا قال في موراد العصيان بثبوت عقاب واحد، وإلّا لو كان عنوان التّجرّي موجبًا لاستحقاق العقاب للزم في موارد العصيان ثبوت عقابين على التّجرّي وعلى مخالفة الواقع، مع عدم وجود موجب للتّداخل بعد تعدّد السّبب، في حين أنّ الارتكاز قائم على ثبوت عقاب واحد في مورد العصيان حاكيًا عن وحدة السّبب، وهو البُعد عن المولى تعالى.
ولا بدّ من الالتفات إلى نكتة كنّا ذكرناها من أنّ كون ملاك الاستحقاق هو البُعد لا بمعنى البُعد المعلول عن المعصية بل عنوان البُعد المنطبق على الفعل المتجرّى به. أي إنّ للفعل جهات وحيثيّات، منها حيثيّة كونه مبعّدًا عن المولى، وهذه الجهة تنحفظ في مورد العصيان كما في مورد التّجرّي بلا فرق.
بل يمكن القول إنّ ما ذكره من ترتّب استحقاق العقاب على القصد هو بمعنى ترتّبه على الفعل من حيث استناده إلى القصد سواء في مورد المعصية أو التّجرّي، لتضمّن المخالفة العمديّة للقصد ولتعلّق القصد بالفعل المتجرّى به على وزان ما ذكره المحقّق الأصفهانيّ.
وكيف كان، أشكل عليه بعدم اختياريّة القصد، وردّه بالقول باختياريّته من حيث التّأمّل في عواقبه، وترقّى قائلًا بثبوت استحقاق العقاب على البُعد النّاشئ عن خبث الذّات وقبح السّريرة لا على نحو يكون هذا الخبث مجعولًا بالجعل التّأليفيّ.
إذن، منشأ استحقاق العقاب هو الفعل الظّاهر من دون أن يخرج عمّا هو عليه في الواقع بحيث لا يكون منشأ الاستحقاق الفعل بمعناه الاسم مصدريّ بل منشأ الاستحقاق هو القبح الفاعليّ وهو الفعل بمعناه المصدريّ. فشرب الماء لا قبح فيه من حيث معناه الاسم مصدريّ بل من حيث القصد بل من حيث كونه مبعّدًا عن المولى بُعدًا ناشئًا عن خبث الفاعل غير المجعول بالجعل التّأليفيّ بل البسيط، فلم يخلق الله الخبث للخبيث بل خلقه خبيثًا.
وقد أشكل شيخنا الأستاذ بإشكال يرجع إلى إشكال المحقّق الحائريّ على صاحب الكفاية، وبإشكال آخر يرجع إلى إشكال المحقّق النّائينيّ المذكور آنفًا.
بعد ذلك نتعرّض لما ذكره المحقّق النّائينيّ من تحقيق في المسألة من جهات أصوليّة وكلاميّة وفقهيّة؛ وكلامنا فعلًا في الجهة الأولى:
والسّؤال فيها: هل يشمل إطلاق الخطابات الأوّليّة كالمحرّمات صورتي مصادفة القطع للواقع ومخالفته أم لا؟
فإذا قال الشّارع "لا تشرب الخمر" مثلًا، فخطابه هذا يشمل مورد مقطوع الخمريّة غير المطابق للواقع كما يشمل مورد الخمر الواقعيّ؟ وبتعبير آخر: هل تتكفّل الخطابات المولويّة في مقام الإثبات الحكاية عن ثبوت الحرمة في اللّوح والواقع للأعمّ من الخمر الواقعيّ ومقطوع الخمريّة؟ أم أنّها لا تحكي إثباتًا إلّا الثّبوت الواقعيّ لحرمة الخمر الواقعيّ فقط؟
قد يقال بأنّ الحرمة ثابتة للأعمّ وذلك من حيث إنّ معنى لا تشرب الخمر هو ممنوعيّة تعلّق الإرادة بشرب الخمر سواء كان واقعيًّا أو تخيّليًّا، فمعناها "لا ترد شرب الخمر"؛ لكن على نحو تكون الإرادة هنا هي الجزء الأخير من العلّة المحرّكة للعضلات لا بمعنى العزم. والإرادة على هذا النّحو كما تتحقّق في مورد مطابقة الخمر للواقع كذا تتحقّق في مورد كون المائع ماءً.
وهذا التّصوّر يمكن الاستدلال له إثباتًا بالقول بأنّه يتفاهم العرف كون متعلّق التّكليف أمرًا مقدورًا للمكلّف، فلا تنحلّ الخطابات المولويّة إلّا على القادرين ويخرج العاجزون عنها إثباتًا عرفًا، بغضّ النّظر عن امتناع تكليف العاجز؛ من باب أنّ ظهور الخطابات هو التّعلّق بأمر مقدور، لكون المقصود هو البعث والتّحريك مع عدم وجود عذر من جهة القدرة.
وبالتّالي، كون المائع خمرًا واقعيًّا خارج عن قدرة المكلّف، وما يقع تحت اختياره هي إرادة ما أحرز كونه خمرًا ممّا قد يطابق الواقع أو لا؛ ولأنّه لا معنى لأن يأمر المولى أو ينهى عن أمر غير مقدور، فلا بدّ من أن يكون معنى قوله لا تشرب الخمر هو لا ترد شرب الخمر.
ومن هنا يظهر أنّ مفاد الخطابات النّهي عن عقد الإرادة على فعل الحرام بلا فرق بين كون الفاعل عاصيًا يطابق قطعه الواقع أو متجرّيًا لا يطابقه.
وفي المحصّلة، تتركّب الدّعوى من مقدّمتين:
الأولى: دعوى كون متعلّق التّكليف هو الانبعاث وحركة الإرادة إلى ما أحرز المكلّف كونه من مصاديق الموضوع؛
الثّانية: دعوى كون الإحراز والعلم دخيلًا في موضوع الحكم على وجه الصّفتيّة لا الطّريقيّة، أي ما وقع موضوعًا للحكم هو العلم بالخمر وإحرازه بما هو صفة نفسانيّة قائمة في النّفس لا بما هو كاشف عن الواقع مصيبًا له وإلّا لما انطبق في موارد التّجرّي.
وسيأتي انقسام أخذ العلم الموضوعيّ إلى صورتين، فتارة يؤخذ في الموضوع بما هو طريق وكاشف الواقع واصل إليه، وأخرى بما هو صفة قائمة في النّفس ترجع إلى معنى السّكون ولو التّخيّليّ في مقابل الطّريقيّ.
ويمكن عدّ هذه الجهة أصوليّة، لأنّه لم يبحث فيها بصورة مورديّة جزئيّة، بل كان الكلام على نحو الكلّيّة من جهة ثبوت إطلاق للخطابات عامّة.
وأجاب المحقّق النّائينيّ عن هذا المدّعى بإنكار الإطلاق لصورتي المطابقة وعدمها، وذلك:
أوّلًا: لأنّ متعلّق الحكم كما هو واضح هو شرب الخمر لا إرادة شرب الخمر؛
ثانيًا: ولو تنزّلنا، إلّا أنّه مع ذلك لا تكون موارد التّجرّي مشمولة أيضًا، لأنّ الفرض كون النّهي متعلّقًا بإرادة شرب الخمر، وفي موارد كون المائع ماءً واقعًا وخمرًا تخيّلًا لا يوجد إرادة لشرب الخمر الواقعيّ، بل إرادة لشرب ما يتخيّل كونه خمرًا، ثمّ لا موجب لحمل القطع والإحراز المأخوذ في الموضوع على خصوص وجه الصّفتيّة؛
ثالثًا: عنوانه مقطوع الخمريّة ليس موردًا للالتفات بل الملتفت إليه هو الخمر الواقعيّ (وقد عاد وخالف هذه النّقطة)؛
رابعًا: لو أمكن التّفصّي عن كلّ الإشكالات إلّا أنّ ما ذكر إنّما يتمّ في مورد المحرّمات دون الواجبات، فما معنى أن يكون المراد من "صلّ" أي أرد الاتيان بالصّلاة؟ أو أرد الاتيان بما تتخيّل أنّه صلاة؟ هذا باطل قولًا واحدًا.