التجري
ذهب المحقّق النّائينيّ في الجهة الرّابعة من بحث التّجرّي في الفوائد إلى عدم وجود شيء من الأخبار يدلّ على حرمة التّجرّي بأيّ عنوان يمكن أن يصل إلى المكلّف، وبالتّالي لا يمكن استفادة استحقاق العقاب على التّجرّي من الأخبار.
وإنّما يصحّ تعلّق الحرمة الحاكية عن حرمة التّجرّي عنده بعنوان القصد المصحوب بجري عمليّ على طبقه، والحال أنّ ما بين أيدينا من روايات على طائفتين: إحداهما تفيد انتفاء العقاب على القصد، والأخرى تفيد استحقاق العقاب على القصد؛ ما يعني أنّهما متعارضتان بحسب الظّاهر.
نعم، يمكن حمل الرّوايات الّتي أفادت استحقاق العقاب على القصد على ما لو كان القصد مصحوبًا بجري عمليّ على وفقه، ويدّعى له شاهد من الرّوايات، وهي الّتي قال فيها النّبيّ صلّى الله عليه وآله "إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا عَلَى غَيْرِ سُنَّةٍ الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ قَالَ لِأَنَّهُ أَرَادَ قَتْلًا".
وقد توهّم من الإجماع على حرمة موردين في الفقه الإجماع على حرمة التّجرّي محاولين إلغاء خصوصيّة المورد، وقد مرّ الكلام فيهما، والصّحيح أنّ المورد فيهما قد أخذ على نحو الموضوعيّة فلا يُتعدّى عنه إلى غيره.
نسب السّيّد الصّدر إلى السّيّد الخوئيّ قوله بالجمع بين الرّوايات المتعارضة في العقاب على القصد بحمل ما دلّ على ترتّب العقاب على فرض الإقدام على المعصية الواقعيّة قاصدًا وارتكب بعض مقدّماتها ثمّ طرأ عليه طارئ من خارج، والحال أنّ محلّ بحثنا هو ما لو قصد المعصية الخياليّة لا الواقعيّة مشتبهًا في التّطبيق؛ فيكون ما في الرّوايات غير شامل لموارد التّجرّي الاصطلاحيّ وإن شملت موارد التّجرّي بقسمه الآخر الّذي ذكره المحقّق النّائينيّ وهي ما لو تلبّس بالمقدّمات ثمّ منعه مانع داخلي أو خارجيّ. وهذا الجمع على أساس انقلاب النّسبة بحسب السّيّد الصّدر.
بعد ذلك أخذ السّيّد الصّدر بالإشكال على الكلام الّذي نسبه إلى السّيّد الخوئيّ بكلام لا محصّل له بحسب شيخنا الأستاذ الّذي أشكل على النّسبة إلى السّيّد الخوئيّ، والحال أنّ تقريرات بحثه تخلو عن عين أو أثر لهذه المقالة، وغاية ما فيها هو طرحه لاحتمال الجمع على هذا النّحو وإشكاله عليه بإشكالات منها: أنّ الرّوايات الدّالة على ترتّب العقاب على القصد ضعيفة إمّا سندًا وإمّا دلالة، وأنّ ما جاء فيها من ترتّب للعقاب على القصد يراد منه قصد المعصية الواقعيّة لا الخياليّة.
وأمّا إشكالات السّيّد الصّدر فهي على النّحو التّالي:
- أوّلًا: هذا الجمع يبتني على كبرى انقلاب النّسبة، والسّيّد الخوئيّ نفسه لا يقبل بهذا المبنى؛
- ثانيًا: إذا فهمنا من الرّواية حرمة قصد القتل، لم يكن فرق بين ما لو ارتدع من نفسه أو ارتدع من أمر خارجيّ أو لم يرتدع رأسًا، فقصد القتل متحقّق على هذه الفروض وهي أعمّ من خصوص عدم ارتداعه من نفسه.
بتعبير آخر: بعد ثبوت كون متعلّق الحرمة هو قصد القتل أو قصد الفعل الحرام، لا فرق بين قصد المعصية الواقعيّة أو قصد المعصيّة الخياليّة، بل ربّما تكون الحرمة على قصد المعصية الخياليّة والإقدام عليها فعلًا باتيانها أولى وكذا العقاب من مجرّد قصد المعصية الواقعيّة من دون فعلها في الخارج.
- إلّا أن يكون مراد السّيّد الخوئيّ هو أنّ القدر المتيقّن ممّن يترتّب على قصده العقاب هو من لم يرتدع عن قصده بنفسه، ولكنّ مجرّد وجود قدر متيقّن بين طائفتين متعارضتين لا يكون وجهًا للجمع العرفيّ بينهما بقصر دلالة كلّ منهما على القدر المتيقّن من المضمون بينهما.
استنكر شيخنا الأستاذ إشكالات السّيّد الصّدر، وعلى فرض كون السّيّد الخوئيّ قد قال بهذه المقالة، فهذه مقالة صحيحة صناعيًّا، إذ هو بصدد التّمسّك بشاهد للجمع العرفيّ بينهما ولو من دون أن يكون في الشّاهد حكومة ولا نظر.
وهذا نظير الجمع بين قوله "ثمن العذرة سحت" وقوله "لا بأس بثمن العذرة"، وكان في البين رواية "لا بأس بعذرة ما يؤكل لحمه"، فهذه الرّواية ليس فيها لسان حكومة ونظر، ولكن مع ذلك نجمع على أساسها، فهي متوافقة مع "لا بأس بثمن العذرة" وتتعارض مع "ثمن العذرة سحت" بالخصوص والعموم المطلق، فتخصّص تلك بهذه، أي يخصّص "ثمن العذرة سحت" ب"لا بأس بعذرة ما يؤكل لحمه" ويحمل قوله على خصوص ثمن عذرة ما لا يؤكل لحمه؛ ولا علاقة لهذا بانقلاب النّسبة.
ثمّ إنّه يمكن الجمع على أساس القدر المتيقّن ورفع التّعارض بواسطته، فإذا كان القدر المتيقّن من رواية أمر جزئيّ مورديّ تدلّ عليه بالنّصّ، خرجت دلالتها عن الإطلاق الّذي يفترض أنّه سيقع طرفًا للمعارضة، وهكذا قدر متيقّن رافع للتّعارض.
إلّا أن يكون مراده من القدر المتيقّن هو القائم في مقام التّخاطب بحسب مبنى الشّيخ الآخوند، فذاك يمكن التّشكيك في إمكان الجمع العرفيّ على أساسه، لكن القدر المتيقّن المورديّ يمكن الجمع العرفيّ على أساسه.
وكيف كان، وقع الكثير من الخلط والاشتباه في معالجة الرّوايات المثبتة للعقاب على قصد المعصية، وهو ما سرى إلى كلمات الشّيخ الأعظم أيضًا الّذي أورد روايات استدلّ بها على حرمة التّجرّي مع أنّها لا علاقة لها به.
بعد ذلك، استعرض شيخنا الأستاذ بعض النّكات الّتي ترتبط بالمقام:
1. استشهد الشّيخ الأعظم على حرمة القصد بكلمات بعض العلماء في سياق تأييده قولهم بحرمة التّجرّي، والحال أنّ تلك الموارد جميعًا غير مرتبطة بالتّجرّي.
ومنها: ما نقله عن الشّهيد الأوّل في القواعد من أنّ من شرب المباح متشبّهًا في كيفيّة الشّرب بكيفيّة شرب المسكر، فقد ارتكب حرامًا؛ وجعله شاهدًا على حرمة التّجرّي، والحال أنّ هذا المورد لا ربط له بحرمة التّجرّي بل هو بنفسه عمل حرام، كما أنّ الجلوس إلى سفرة يدار عليها الخمر حرام. أي إنّ شرب الماء بكيفيّة مشاكلة لكيفيّة شرب المسكر حرام بنفسه، وهذا يشمل موارد التّمثيل في الأعمال الفنّيّة.
وهذه المسألة تختلف عن مسألة التّشبّه بالنّساء أو التّشبّه بالكفّار كلبس ربطة العنق في بعض الأزمنة، لأنّ معنى التّشبّه هناك هو اتّخاذ لباسهم وطريقته لباسًا فعليًّا ولو للحظة واحدة، لكن يخرج عن التّشبّه اتّخاذ اللّباس للتّمثيل، إذ ليس اتّخاذًا فعليًّا على نحو الجدّ والحقيقة.
إذن، هذا المورد بحسب شيخنا الأستاذ ليس من التّجرّي.
2. لا يوجد رواية تدلّ على حرمة التّجرّي وما ذكره العلماء من روايات في المقام دلّت على حرمة قصد المعصية والهمّ بها، وهو ما عبّر عنه السّيّد الخوئيّ بتحريمها لقصد المعصية الواقعيّة دون قصد المعصيّة التّخيّليّة في مورد التّجرّي.
ولا يمكن التّمسّك بإطلاق تلك الرّوايات للقول بشمولها لمورد التّجرّي، لكونها خالية عن الإطلاق وواردة في موارد خاصّة، فهي حتّى لو دلّت على حرمة قصد المعصية لكن لا إطلاق لها لتدلّ على حرمة كلّ قصد للمعصية الواقعيّة فضلًا عن التّخيّليّة، وليس إثبات الحكم العامّ بواسطتها إلّا قياسًا باطلًا.
لذا ترى أنّ الرّواية الّتي حرّمت قصد قتل المؤمن لا تدلّ بأيّ نحو على حرمة قصد شرب الخمر مثلًا ولا على حرمة قصد أيّ حرام على الإطلاق، بل وردت في مورد خاصّ فتقصر عليه، وهذا ما يفيده التّأمّل في التّعليل المذكور في الرّواية من أنّ المقتول مستحقّ للعقاب لكونه قد قصد القتل لا لكونه قد قصد المعصية.
3. دلّت بعض الرّوايات على أنّ الرّضا بالمعصية حرام، بل دلّت بعضها على أنّه بعد ظهور الإمام عليه السّلام يحكم بالإعدام والقتل على ذريّة قتلة الإمام الحسين عليه السّلام لرضاهم بفعل أجدادهم؛ كما أنّ الرّضا بالفعل الحسن موجب للثّواب بحسب بعض الرّوايات أيضًا.
لكن لا ربط لهذه الرّوايات بمسألة التّجرّي أيضًا، بل أبعد في الدّلالة لكونها بصدد بيان كون الرّضا بالعمل الحرام الصّادر من الآخر حرامًا، ولا علاقة لها بقصد ارتكاب الحرام من الشّخص نفسه.
4. أشارت بعض الرّوايات الّتي جاءت في الوسائل إلى ترتّب الأجر والثّواب على النّيّة الطّيّبة وأنّ نيّة المؤمن خير من عمله كما أنّ نيّة الكافر شرّ من عمله؛ وهي غير مرتبطة بالتّجرّي أيضًا.
منها: عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ:
"إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ الْفَقِيرَ لَيَقُولُ يَا رَبِّ ارْزُقْنِي حَتَّى أَفْعَلَ كَذَا وَ كَذَا مِنَ الْبِرِّ وَ وُجُوهِ الْخَيْرِ فَإِذَا عَلِمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ ذَلِكَ مِنْهُ بِصِدْقِ نِيَّةٍ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَ مَا يَكْتُبُ لَهُ لَوْ عَمِلَهُ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ كَرِيمٌ".
ومنها: عن عَلِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وآله:
"نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ وَ نِيَّةُ الْكَافِرِ شَرٌّ مِنْ عَمَلِهِ وَ كُلُّ عَامِلٍ يَعْمَلُ عَلَى نِيَّتِه".
فهم المشهور من هذه الرّواية كون "خير" و"شرّ" بمعنى أفعل التّفضيل، فنيّة المؤمن أفضل من عمله وقد علّلت بعض الرّوايات ذلك بأنّه لا مجال للرّياء إليها فيما يبقى مجال للرّياء إلى الأعمال، كما أنّ نيّة الكافر أسوأ وأكثر شرًّا من عمله لأنّ لديه نوايا على الشّرّ لا يقدر على الاتيان بها لقصور قدرته.
وقد حمل البعض "من" هنا على التّبعيض، ليكون المعنى نيّة المؤمن من جملة أعماله، لكنّه خلاف الظّاهر وخلاف ما جاء في من تعليل للمعنى الّذي فهمه المشهور في بعض الرّوايات كما أشرنا.