التجري
كان الكلام في الرّوايات المرتبطة بالنّية والّتي تشير إلى ترتّب العقاب عليها.
ومحصّل ما ذكرناه هو أنّ طائفة ممّا ذكروه ضمن هذه الرّوايات واستدلّوا بها على حرمة التّجرّي واستحقاق العقاب عليه، قد تعلّقت الحرمة فيها بعناوين خاصّة لا دخل لها بالنّيّة ولا بالتّجرّي، فلا ينبغي توهّم تسرّي الحكم منها إليه، ومنها الرّوايات الدّالة على العقوبة على الرّضا بفعل الحرام. وقد ذكر السّيّد الرّوحانيّ أنّ الرّضا بما هو فعل النّفس يكون مرتبة من مراتب النّهي عن المنكر، ويكون عدم الرّضا مصداقًا للكراهة القلبيّة للفعل الحرام، وأنّ هذه الرّوايات تقع في هذا السّياق.
وذكرنا أنّ في المقام طائفةً أخرى تدلّ على ترتّب العقاب على النّيّة لكن لا إطلاق لها يشمل جميع موارد التّجرّي، مثل رواية تعليل خلود أهل النّار في النّار، الّتي فسّرنا مفادها على أنّ موضوع الحكم بالعقاب هي النّيّة على الاستمرار على الفعل الحرام، فتنطبق في مورد الفاعل للحرام المداوم عليه النّاوي للبقاء عليه استمرارًا، لكن حال بينه وبين الفعل حائل منعه مع بقاء نيّته. ففي هذه الحالة يترتّب الأثر على تلك النّيّة السّيّئة كما يترتّب الأثر على النّيّة الطّيّبة؛ لكن مع ذلك هذا العنوان لا يرتبط بالتّجرّي حيث قصد الشّخص الاتيان بفعل حرام لكن لم يطابق المأتيّ به المنهيّ عنه.
ومن هذه الطّائفة رواية أخرى فيها إشكال سنديّ، تدلّ على أنّ المرء إذا امتنع عن الذّنب الّذي كان مداومًا عليه لمرض منعه مع بقاء نيّته على الاستمرار عليه، كان مستحقًّا للعقاب من حيث إنّه يكتب له العمل السّيّئ:
أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَمُّونٍ الْبَصْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَشْعَثِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَمَّادٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو جَعْفَرٍ ع:
"يَا جَابِرُ يُكْتَبُ لِلْمُؤْمِنِ فِي سُقْمِهِ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ مَا كَانَ يُكْتَبُ فِي صِحَّتِهِ وَ يُكْتَبُ لِلْكَافِرِ فِي سُقْمِهِ مِنَ الْعَمَلِ السَّيِّئِ مَا كَانَ يُكْتَبُ فِي صِحَّتِهِ قَالَ ثُمَّ قَالَ يَا جَابِرُ مَا أَشَدَّ هَذَا مِنْ حَدِيث".
ومنها أيضًا الرّواية المعروفة الّتي كنّا ذكرناها سابقًا والّتي تفيد أنّ نيّة الكافر شرّ من عمله، بمعنى أنّ العمل الّذي تترتّب العقوبة عليه كذا تترتّب العقوبة على نيّة فعله. لكنّها لا تدلّ أيضًا على أنّ كلّ نيّة معصية عليها عقاب لكون ما جاء فيها عنوان الكافر لا عنوان العاصي. والوجه في كون نيّة الكافر شرًّا من عمله كما جاء في بعض الرّوايات، أنّ الكافر يأمل ما لا يقدر عليه بالعمل.
وقد جاءت هذه الرّواية في المحاسن بتعبير "نيّة الفاجر"، ومع ذلك لا إطلاق لها بل تدلّ على أنّ على نيّة الفاجر المتلبّس بكونه من أهل الذّنوب والمعاصي والفجور عقابًا، وهذا يتضمّن معنى كونه واجدًا لنيّة الاستمرار على الذّنب مهما تمكّن من ذلك.
فلا شيء من هذه الرّوايات ينفع في الاستدلال على استحقاق المتجرّي للعقوبة.
وأمّا المرحلة الثّالثة (من المراحل الّتي كنّا ذكرناها في الدّرس السّابق) والّتي تعالج الرّوايات الّتي قيل بدلالتها على عدم ترتّب العقاب على التّجرّي، فالإنصاف أنّه لا يوجد رواية تدلّ على هذا المفاد.
وما يمكن أن يكون في هذا النّطاق هي الرّوايات الدّالة على أنّه لا عقاب على نيّة المعصية ما لم يأت بها، فإذا أتى بها كتبت له سيّئة واحدة بل في بعض الرّوايات أمهل ليتوب وإلّا أثبتت، في المقابل يكتب لصاحب النّيّة الحسنة حسنة، فإذا أتى بها كتبت له عشرة.
ولكن هذه الرّوايات لا تدلّ على عدم ترتّب العقاب على التّجرّي بل موضوعها القاصد للمعصية، والحال أنّه في التّجرّي هناك قصد للمعصية التّخيّليّة مع الاتيان بها في الخارج. ولا يمكن الاستدلال بالأولويّة، إذ لا أولويّة بين القاصد للمعصية من دون الاتيان بفعل خارجيّ وبين القاصد للمعصية التّخيّليّة مع ارتكابها من دون مصادفة الواقع.
ومن الرّوايات الّتي يمكن الاستدلال بها في المقام:
حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَسْعَدَةُ بْنُ صَدَقَةَ قَالَ: سُئِلَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَمَّا قَدْ يَجُوزُ وَ عَمَّا لَا يَجُوزُ مِنَ النِّيَّةِ عَلَى الْإِضْمَارِ فِي الْيَمِينِ. فَقَالَ: ... ثُمَّ قَالَ: «وَ لَوْ كَانَتِ النِّيَّاتُ مِنْ أَهْلِ الْفِسْقِ يُؤْخَذُ بِهَا أَهْلُهَا، إِذاً لَأُخِذَ كُلُّ مَنْ نَوَى الزِّنَا بِالزِّنَا، وَ كُلُّ مَنْ نَوَى السَّرِقَةَ بِالسَّرِقَةِ، وَ كُلُّ مَنْ نَوَى الْقَتْلَ بِالْقَتْلِ. وَ لَكِنَّ اللَّهَ عَدْلٌ حَكِيمٌ لَيْسَ الْجَوْرُ مِنْ شَأْنِهِ، وَ لَكِنَّهُ يُثِيبُ عَلَى نِيَّاتِ الْخَيْرِ أَهْلَهَا وَ إِضْمَارِهِمْ عَلَيْهَا، وَ لَا يُؤَاخِذُ أَهْلَ الْفُسُوقِ حَتَّى يَفْعَلُوا».
وما يفهم من هذه الرّواية هو أنّه لا استحقاق للعقاب على نيّة الذّنب وذلك لعدله تعالى، أي يتعيّن كون المنفيّ هو الاستحقاق لا العقاب الفعليّ من حيث إنّ الله تعالى عادل. ولا يقال بالأولويّة هنا أيضًا للفرق بين عدم ترتّب العقاب على النّيّة المجرّدة عن الفعل وبين النّيّة الّتي صحبها الفعل الّذي لم يصب الواقع.
يبقى أن نشير إلى ما ذكره الشّيخ البهائيّ تعليقًا على كلام الشّهيد الأوّل الّذي قال بعدم ترتّب عقاب على نيّة المعصية بل ولا لوم ولا مذمّة، حيث ذهب الشّيخ البهائيّ إلى الإجماع على أنّ نيّة المعصية معصية بل هذا من ضروريّات الدّين، ناقضًا على الشّهيد الأوّل بقبوله بكون نيّة الإفطار في شهر رمضان معصية.
وفي الحقيقة هذا كلام عجيب من الشّيخ البهائيّ، إذ إنّ الصّوم هو نيّة ترك المفطر، ومن انتفت عنده هذه النّيّة انقطع صومه وعصى، وهذا لا علاقة له بنيّة المعصية فضلًا عن أن يدلّ على التّجرّي.
ثمّ عمد إلى نقل كلمات من الفريقين ليثبت أنّ نيّة المعصية معصية.
والحقّ بحسب شيخنا الأستاذ أنّ شيئًا من هذه الكلمات لا يفيد إجماعًا ولا ضرورة في الدّين.
وقد قبل العلّامة المجلسيّ كلام الشّيخ البهائيّ وهذا عجيب أيضًا، والأعجب الاستفادة من هذا الكلام للقول بدلالته على حرمة التّجرّي.