التجري
كان الكلام فيما أشار إليه صاحب الفصول من الكسر والانكسار في موارد التّزاحم بين قبح التّجرّي والجهة الواقعيّة للفعل، بحيث يختلف حال الفعل بالوجوه والاعتبارات: فقد يتطابق التّجرّي مع فعل مباح واقعًا ويكون الفعل قبيحًا، وقد يتطابق مع فعل مكروه فتزيد درجة قبحه، وقد يتطابق مع فعل مستحبّ أو واجب وحينها يمكن أن تضعف درجة القبح أو أن تزول رأسًا، كما لو قتل متجرّيًا من يعتقد أنّه ابن المولى ثمّ تبيّن أنّه عدوّه الّذي يجب قتله، فهنا تغلب جهة الحسن والوجوب جهة القبح والحرمة الجائية من جهة التّجرّي.
ثمّ أحيانًا يتطابق التّجرّي مع الحرام الواقعيّ؛ لكنّ المحقّق النّائينيّ استنكر ابتداءً هذا الفرض وجعله خروجًا عن محلّ الكلام، لأنّ التّجرّي يتأتّى في مورد الاعتقاد المخالف للواقع، ثمّ استدرك بأن يكون مقصود صاحب الفصول هو أن يكون الفعل حرامًا واقعًا لكن من حيث حرمة أخرى غير الجهة الّتي قطع بها المكلّف وتجرّى، كما لو شرب المائع بتخيّل كونه خمرًا ثمّ تبيّن عدم خمريّته وتبيّن كونه غصبًا.
وعلى هذا الفرض الّذي استدركه لا شكّ في القبح، فالفعل قبيح من جهة التّجرّي وقبيح من الجهة الواقعيّة، فلا تزاحم رأسًا. لكنّ السّؤال هنا: هل تتداخل حيثيّتا القبح فيكون العقاب واحدًا؟ أم يتعدّد العقاب؟ فهل المكلّف مع عدم التفاته إلى جهة الحرمة الأخرى كالغصبيّة بحيث لم يرتكب الفعل بداعي الغصبيّة بل ارتكبه بداعي الخمريّة يكون مستحقًّا للعقاب على تلك الجهة المغفول عنها الّتي صدقت على الفعل واقعًا؟
ذهب صاحب الفصول إلى أنّه يمكن القول بتحليل هذا الفرض على نحو ما ذكر في العلم الإجماليّ، حيث يكون العلم بجنس الحرمة كافيًا للتّنجيز، فهنا علم بجنس التّكليف، فيتنجّز عليه التّكليف ويكون مستحقًّا للعقاب عليه، لكنّه لا يستحقّ لعقاب متعدّد بل تتداخل الجهتان ويستحقّ عقابًا واحدًا هو أقلّ العقابين المفروضين.
فإذا استحقّ أقلّ العقابين، وكان عقاب الجهة المقطوع بها أقلّ من عقاب الجهة الواقعيّة للفعل، فلكون المكلّف لا يعلم بما زاد على جنس التّكليف أي لا يعلم فصل التّكليف، فلا يكون ما زاد متنجّزًا عليه، وبالتّالي لا يستحقّ العقاب عليه. وإذا كان عقاب الجهة الواقعيّة للفعل أقلّ عقوبة وعقاب الجهة المقطوع بها أكثر، فيوجّه عدم استحقاقه للعقاب على التّجرّي بأنّ قطعه مخالف للواقع وهو لم يرتكب الجهة الّتي قطع بها.
وقد وقع هذا الكلام من صاحب الفصول محلًّا للإشكال في كلمات العلماء، فأُشكل عليه بالنّسبة لأصل القول بتفاوت قبح التّجرّي بالوجوه والاعتبارات من حيث حسن أو قبح الجهة الواقعيّة للفعل الّتي لم تقع محلًّا للالتفات المكلّف، فكيف تكون الجهة المغفول عنها مؤثّرة في تغيير قبحه من جهة التّجرّي؟
وكذا أُشكل عليه بأنّ قبح التّجرّي ذاتيّ، فلا يعقل أن يكون عروض جهة عليه موجبًا لزوال قبحه إلّا أن يخرج الفرض عن التّجرّي، ومن الواضح أنّ الأمور الّتي لا تقع موردًا للالتفات لا يمكن أن تكون مؤثّرة على النّحو المذكور.
ثمّ أًشكل بأنّ ما جاء في كلامه خلط بين المصحلة والمفسدة من جهة، وبين الحسن والقبح من جهة أخرى، فهاتان جهتان متغايرتان، بحيث قد يكون أحيانًا منشأ الحسن أو القبح المصحلة أو المفسدة، وليس مجرّد وجود مصلحة موجبًا لزوال عنوان القبح.
والتّحقيق أنّ مراد صاحب الفصول هو ما ذكره المحقّق النّائينيّ استدراكًا، بل هو ظاهر كلامه، فلا ظهور لما حمل عليه كلام صاحب الفصول أوّلًا.
وقد ذهب المحقّق العراقيّ إلى عدم إمكان القول بتحقّق المعصية على هذا الفرض، لأنّ الحرمة الواقعيّة للفعل غير منجّزة على المكلّف، ولا يصحّ تحليل هذه المسألة على ما ذكر من تعلّق العلم بجنس التّكليف، فيتنجّز التّكليف بهذا العلم الإجماليّ، إذ حيث تعلّق العلم الإجماليّ بالجنس وصل التّكليف، في حين أنّه في فرضنا لم تصل الجهة الواقعيّة للفعل بأيّ نحو من الوصول، فلا يكون المكلّف عاصيًا في هذا الفرض لعدم مخالفته للتّكليف المنجّز عليه.
نعم، لا يشترط في ترتّب أثر التّكليف المنجّز أن يكون المكلّف عالمًا بعقوبته أو بحدّه، كما ذهب إليه الفقهاء، فلو شرب الخمر عالمًا بحرمته لكن من دون علم ولا التفات إلى لزوم الحدّ عليه، لم يضرّ ذلك في ثبوت الحدّ عليه، مع أنّه قد يرتدع عن الفعل لو كان عالمًا بالحدّ. فلا دخالة بنظر الفقهاء للعلم بالعقاب أو الحدّ في ترتّب العقاب أو الحدّ، ولا يكون هذا الجهل عذرًا له بعد تنجّز التّكليف عليه.
ومن هنا قد يقال بأنّ الشّخص الّذي ارتكب فعلًا معتقدًا حرمته، فهو لا يرى نفسه معذورًا في الارتكاب حتّى لو اشتبه في عنوان الفعل. مثلًا من شرب مائعًا بزعم أنّه خمر، ثمّ تبيّن عدم خمريّته بل كان غصبًا بحيث لو كان يعلم أنّه غصب لما كان يرتكبه، فهنا لا محذور من جهة العقل أن يقال بتحقّق العصيان وترتّب العقاب في هذا المورد من حيث إنّه قد ارتكبه وهو يرى نفسه غير معذور. كما أنّه لو وقع العكس بحيث قطع بكون المائع غصبًا فأقدم عليه وتبيّن عدم غصبيّته بل كان خمرًا، فإنّه لا محذور من جهة العقل في القول بتحقّق العصيان واستحقاق العقوبة وترتّب الحدّ، إذ لم يأخذ الفقهاء العلم بالعقوبة أو بمقدارها شرطًا في ترتّبها.
ولا بدّ من الالتفات إلى نكتة جريان البراءة؛ فإنّه حيث لم يكن المكلّف معذورًا فهذا يعني أنّ أصالة البراءة غير جارية في حقّه حتّى لو كان قد اشتبه في تشخيص عنوان الفعل. مفاد البراءة هو إثبات العذر لا أكثر. وقد بيّنّا هذا الكلام في موارد الشّكّ في الأجزاء والشّرائط المستحبّة أيضًا وقلنا بأنّ أصل البراءة لا يجري حتّى يُنفى به الجزء أو الشّرط لأنّه ليس مفاد أصالة البراءة نفي الجزئيّة أو الشّرطيّة بل مفاده نفي الإلزام على العمل المشتمل على الجزء أو الشّرط، وغاية ما فيه أنّ الأصل يوجب معذوريّة المكلّف، وكذا لا تثبت صحّة الأقلّ بالأصل.
فالمرء ليس معذورًا في ارتكاب العمل ولا محذور في ترتّب العقاب من الجهة الواقعيّة للفعل.
أمّا بالنّسبة لثمرة بحث التّجرّي؛ فقد ورد في كلام المحقّق العراقيّ أنّ الثّمرة تظهر في مورد اجتماع التّجرّي مع العبادة، فإذا كان التّجرّي قبيحًا وحرامًا فالعبادة باطلة وإلّا فهي صحيحة. فإذا اعتقد المكلّف أنّ المكان غصبيّ ثمّ أتى بالصّلاة فيه مع كونه واقعًا مباحًا، فإذا كان التّجرّي حرامًا فالصّلاة باطلة ولكن إذا لم يكن حرامًا فالصّلاة صحيحة.
وقد أشكل السّيّد الصّدر على هذه الثّمرة بأنّه حتّى لو لم يكن التّجرّي حرامًا وقبيحًا فإنّ العمل يكون باطلًا، لأنّه مع اعتقاد المرء بحرمة عمله لا يتمشّى منه قصد القربة بهذا العمل.