قيام الأمارة مقام القطع
تعرّضنا لبيان كلام الشّيخ الآخوند ومختاره من عدم قيام الأمارات مقام القطع الموضوعيّ سواء الطّريقيّ منه أو الصّفتيّ، ومن حصره قيامها مقام القطع بخصوص القطع الطّريقيّ الصّرف، وذلك لقصور أدلّة اعتبارها عن إفادة وفائها بما سوى منزلة القطع الطّريقيّ الصّرف.
فقد ذهب إلى كون أدلّة حجّيّة الأمارة راجعة إلى تنزيلها منزلة القطع، والحال أنّ الدّليل الواحد لا يفي بتنزيلين اثنين متباينين، وهو المحتاج إليه في المقام لتباين القطع الطّريقيّ الصّرف من حيث إنّه يُلحظ بلحاظ آليّ، عن القطع الموضوعيّ الطّريقيّ وكذا الصّفتيّ من حيث إنّهما يلحظان في التّنزيل بلحاظ استقلاليّ. أمّا عدم وفاء الدّليل بالتّنزيلين فلوجوه منها استحالة استعمال اللّفظ في أكثر من معنى، وسيأتي بيان الوجوه الأخرى.
ويتأتّى البحث عن القيام مقام القطع في مورد الأصول المحرزة خاصّة من الأصول العمليّة كالاستصحاب، وسيأتي الكلام فيما يمكن أن يوجّه به قيامه.
وكيف كان، فقد ادّعى المحقّق النّائينيّ في مقابل مقالة الشّيخ الآخوند بأنّ دليل حجّيّة الأمارات يدلّ على قيامها مقام القطع الموضوعيّ الطّريقيّ كما يدلّ على قيامها مقام القطع الطّريقيّ الصّرف، والنّكتة نفسها سارية إلى الأصول العمليّة المحرزة.
فالأصول العمليّة على قسمين محرزة وغير محرزة، والمحرزة من قبيل الاستصحاب وقاعدتي الفراغ والتّجاوز، والاستصحاب من شأنه الجريان في مورد الشّبهات الحكميّة والموضوعيّة فيما لا تجري قاعدتا الفراغ والتّجاوز إلّا في مورد الشّبهات الموضوعيّة.
والشّيء بالشّيء يذكر: لا يخفى عليك أنّ قاعدة لا تعاد الجارية في مورد الشّبهات الحكميّة ليست أصلًا عمليًّا، وإن عبّر عنها بالأصل في الكلمات، بل هي من قبيل قاعدة صحّة المعاملات وقاعدة لزوم المعاملات وما شاكل بحيث يكون مفادها حكمًا واقعيًّا لا ظاهريًّا.
ومحصّل دعوى المحقّق النّائينيّ هو إمكان تنزيل الأمارات وكذا الأصول العمليّة المحرزة منزلة القطع الطّريقيّ الصّرف وكذا القطع الموضوعيّ الطّريقيّ بدليل واحد.
وقد بدأ كلامه في الأمر الأوّل ببيان دخول بعض الأصول أي المحرزة في محلّ النّزاع وخروج الأصول غير المحرزة عن محلّ الكلام رأسًا لعدم توهّم قيامها.
وأمّا في الأمر الثّاني فقد تصدّى لبيان حقيقة حجّيّة الأمارة والأصل، معتبرًا ما جاء في كلام المشهور من المبنى المعروف بجعل المؤدّى وجعل الحكم المماثل غير صحيح، وبالتّالي لا يصحّ كلام المحقّق الآخوند، ولا يصحّ كلام من قال بقول آخر كالسّيّد الصّدر على ما سيأتي.
وخلاصة بيانه هنا: أنّ القطع والعلم والوجدانيّ ذو خصائص ثلاثة:
الأولى: أنّ القطع صفة من الصّفات الّتي تقوم في النّفس كالشّجاعة والجود وما شاكل، وأنّ فرقها عن سائر الصّفات هو ما فيها من جنبة إشراقيّة بحيث يكون للعلم متعلّق ومعلوم بالذّات هو صفحة وصورة الأشياء الخارجيّة الّذي تحصل به العلوم الحصوليّة. فالعلم ب"زيد" يتعلّق بالذّات بصورة "زيد" الذّهنيّة وب"زيد" الخارجيّ بالعرض، وهذا بخلاف الشّجاعة مثلًا حيث إنّها صفة مجرّدة عن طرف إضافة لها لعدم وجود جنبة إشراقيّة ونوريّة فيها.
إذن، يتميّز العلم بكونه ذا إضافة توجبها الجنبة الإشراقيّة الكامنة فيه، والّتي تتعلّق بالصّورة الحاصلة عند النّفس أوّلًا وبالذّات عن الأشياء الخارجيّة سواء كانت مطابقة للواقع كما في مورد العلم المصيب أو كانت غير مطابقة للواقع كما في مورد الجهل المركّب، لكنّه دائمًا ما يتمتّع بهذه الجنبة الإشراقيّة الحاكية عن الخارج بنظر القاطع.
الثّانية: هي خاصيّة الكشف عن الواقع الخارج عن النّفس، فبالنّسبة للقاطع ليس طرف الإضافة إلّا الخارج المحكيّ عنه بالصّورة القائمة في النّفس، بحيث يكون العلم مرآة ومعبرًا إلى الخارج. فصحيح أنّ العلم يتعلّق بصورة زيد الذّهنيّة، لكن بالصّورة بما هي حاكية عن الخارج بنظر القاطع دائمًا أخطأ أم أصاب، ما يعني أنّ حكايته ليست مختصّة بالذّهن بل تتعدّاه دائمًا بنظر العالم.
ومن هنا تعلم: أنّه ليس تصوّر الذّهن لزيد الخارجيّ كتصوّره للعنقاء بما هي أمر من محض الخيال، لوجود جنبة تصديقيّة مضافة إلى التّصور في الفرض الأوّل، بحيث يترافق تصوّره مع إذعان النّفس بوجوده وخصوصيّاته، دونه على الفرض الثّاني حيث كان التّصوّر محضًا بلا تصديق.
إذن، يتقوّم العلم بالمضاف إليه بالذّات وهي الصّورة الذّهنيّة، والصّورة مرآة تكشف عن الخارج وتكون معبرًا إليه، وهذه الصّورة الحاكية عن الخارج كالصّورة المنطبعة في المرآة الحاكية عمّن يقف أمامها، على خلاف الصّورة المنقوشة على الحائط مثلًا الّتي رُسمت من مناشئ خياليّة وهميّة، فهي مجرّدة عن المرآتيّة والحكاية عن الواقع الخارجيّ.
الثّالثة: استدعاء العلم للعمل؛ فبعد حصول العلم تترتّب عليه جهة البناء والجري العمليّ، بحيث إذا علم المرء بوجود الأسد مثلًا اقتضى فراره منه، على خلاف ما لو علم بوجود حيوان غير مخيف. فالعلم بالخطر يستدعي عملًا يناسب تجنّب الخطر، والعلم بالمحبوب يستدعي عملًا يناسب المحبوبيّة والقرب، والعلم بالحرمة يستدعي عملًا يوجب تجنّب العقاب على ارتكاب متعلّقها، وهكذا كلّ علم يستدعي ما يناسبه من جري عمليّ.
إذا عرفت هذا:
فإنّ ما عليه العلم من الصّفتيّة الخاصّة ثابت له لا لغيره بحيث لا تقوم الأمارات مقامه من هذه الجهة؛
وأمّا الجهتان الثّانية والثّالثة: فإنّ الحجّيّة للأمارات تجعل بلحاظ الثّانية منهما، فيما تُجعل للأصول العمليّة بلحاظ الجهة الثّالثة.
فما ذهب إليه المشهور من القول بجعل الحكم المماثل بجعل الحجّيّة للأمارة غير صحيح، والصّحيح أنّ دليل الحجّيّة يجعل الأمارة علمًا، فهنا جعل للعلميّة، جعل للطّريقيّة، جعل للإحراز، جعل للوسطيّة في الإثبات، تتميم للكشف النّاقص للأمارة، بحسب ما عبّر عنه المحقّق النّائينيّ في كلامه.
فالأمارات تُجعل علمًا بلحاظ الخاصيّة الثّانية، ويتمّم دليل الحجّيّة كشفها بحيث يجعل الكشف النّاقص كشفًا تامًّا حكمًا وتعبّدًا؛ كما في مورد الخبر حيث يعمد الشّارع إلى إلغاء احتمال الخلاف الّذي في كشفه بحيث يصيّره علمًا على نحو الحكومة.
وقد كنّا نعبّر سابقًا بالورود لإيهام بعض عبائر المحقّق النّائينيّ بذلك، ولعلّه كان يبني على ذلك أوّل الأمر ثمّ بدّل رأيه، لكنّه صرّح آخر الأمر بأنّ جعل العلميّة للأمارة يكون من باب الحكومة، فجعله لا يغيّر واقع ما هي عليه الأمارة من الكشف النّاقص لكنّه يغيّر واقعها التّعبّدّي، فيتعبّدنا حكمًا بالتّعامل معها معاملة العلم.
وهذا على خلاف نسبة الخبر الحجّة إلى البيان، فإنّه بجعل المولى للخبر حجّة يصير واردًا على البيان ويجعل مصداقًا حقيقيًّا للبيان لا للعلم، كما أنّه يجعل مصداقًا حقيقيًّا للحجّة.
إذن، الشّارع بجعله الحجّيّة للأمارة يجعل العلميّة من حيث تتميم الكشف، أي يثبت للأمارة الجهة الثّانية من جهات العلم جابرًا نقصها حكمًا وتعبّدًا لا حقيقة، إذ إنّ قوله "لا تشكّ" في مورد الأمارة قول من حيث إنّه شارع ومولى ومقنّن لا من حيث إنّه مكوّن يقهر بالتّكوين والإيجاد.
وقوله "لا تشكّ" في مورد الأمارات يختلف عن قوله "لا تشكّ" في مورد الأصول العمليّة، ففي الأولى يتمّم الكشف ويجعل الأمارة علمًا من حيث الكشف، فيما في الثّانية يجعل الأصل العمليّ علمًا من حيث الجهة الثّالثة أي من حيث الجري العمليّ لكون تتميم الكشف منتفيًا بانتفاء موضوعه في مورد الأصول العمليّة، بل يكون جعله هنا بمعنى التّحفّظ عملًا على اليقين والتّعامل عمليًّا كما لو كان ذا يقين، لذا ترى في مثل "لا تنقض اليقين بالشّكّ" يتعبّد المولى عبده بالجري عمليًّا على اليقين ويقرّه على شكّه الوجدانيّ القائم في صقع نفسه.
وقد أراد المحقّق النّائينيّ من هذا البيان ترتيب ثمرة مهمّة جدًّا في مختلف المباحث الأصوليّة ومنها ما نحن فيه، وليس مجرّد تنويع في الكلام والعبائر.
وقد قال المحقّق النّائينيّ بهذه المقالة في مقابل المشهور إلى زمانه وفيهم الشّيخ الأعظم، الّذين ذهبوا إلى القول بكون معنى جعل الحجّيّة للأمارة جعلًا للحكم المماثل وإلّا فإنّ جعل العلميّة من ابتكارات المحقّق النّائينيّ.
ومعنى جعل الحكم المماثل على وفق مفاد الأمارة هو التّعبّد بالبناء على كون مفاد الأمارة هو الحكم الواقعيّ بحيث يجعل مؤدّاها ومحتواها هو الواقع، فهو ليس جعلًا للطّريق بل جعل لما أوصل إليه الطّريق. وليس من باب جعل حكم آخر غير الحكم الواقعيّ ولا إيجاد تعدّد في التّشريع ولا تصويب بحيث ينقلب الواقع عمّا هو عليه ليكون هو مفاد الأمارة بدلالة دليل حجّيّتها، بل هو بمعنى: قل تعبّدًا مؤدّى الأمارة هو الواقع؛ مع انحفاظ الواقع على ما هو عليه في لوح ثبوته سواء صادقته الأمارة أم لا.
فلو جاء خبر ثقة دلّ على وجوب صلاة الجمعة في زمن الغيبة مثلًا، كان معنى أنّه حجّة بناءً على مسلك جعل الحكم المماثل هو التّعبّد بكون مفاده ومؤدّاه هو الحكم الواقعيّ لصلاة الجمعة في زمن الغيبة، من دون أن يمسّ هذا التّعبّد بالواقع وإلّا للزم التّصويب وهو ممنوع، إذ قد يكون حكم هذه الصّلاة هو الحرمة كما أفتى به السّيّد البروجرديّ.
وقد أشار المحقّق النّائينيّ إلى أنّ جعل الحجّيّة للأصول لا يكون بمعنى جعلها للأمارات بل هو بلحاظ الجهة الثّالثة من جهات العلم أي الجري العمليّ، فجعل حجّيّة الاستصحاب لا تعني تتميم كشفه وأماريّته بل تعني التّعبّد بالبناء العمليّ على اليقين السّابق كما لو كان حاضرًا الآن غير منقوض وجدانًا.
هذا، وقد ذهب الشّيخ الآخوند إلى كون جعل الحجّيّة بمعنى جعل المنجّزيّة والمعذّريّة لا بمعنى جعل الحكم المماثل كما ذهب إليه المشهور، ومردّ مقالة المحقّق الآخوند إلى القول بأنّ معنى الحجّيّة المجعولة في مورد الأمارات والأصول هو معنى الحجّيّة الذّاتيّة للقطع، إذ ترجع فيه إلى تنجّز الواقع حيث أصاب والتّعذّر عن عدم امتثاله حيث أخطأ، وليس معناها جعل المؤدّى ولا جعل الحكم المماثل؛ أي إنّ الشّارع في مورد جعل الحجّيّة للأمارات والأصول يفعل ما يفعله العقل في مورد حجّيّة القطع؛ وإن كان المحقّق الآخوند في هذا المقام مشى على مسلك المشهور من جعل المؤدّى.