قيام الأصول مقام القطع
ما زال الكلام في قيام الحجج مقام القطع، وهو على شطرين: أحدهما يرتبط بقيام الأمارات مقام القطع، والآخر يرتبط بقيام الأصول العمليّة مقامه.
وقد مرّ في أثناء الكلام عن الشّطر الأوّل بيان لكلام المحقّق النّائينيّ في قيام الأصول المحرزة التّنزيليّة مقام القطع، وأنّه قائل بقيامها مقام القطع الطّريقيّ الصّرف وكذا القطع الموضوعيّ الطّريقيّ على وزان الأمارات.
ورد المحقّق الآخوند البحث من حيث تقسيمه للكلام في الأصول العمليّة إلى الكلام في الاستصحاب والكلام في غيره.
أمّا في غير الاستصحاب فلا موضوع لقيام الأصل مقام القطع سواء الطّريقيّ او الموضوعيّ، لكونها مجرّد وظائف مقرّرة للجاهل في مقام العمل. فلا معنى لقيام البراءة مقام القطع، لأنّه قد فرض في موضوعها الجهل، بمعنى حيث تحقّق الموضوع وهو الجهل بالواقع فالوظيفة العمليّة هي التّأمين.
فالأصول غير المحرزة قد أقرّت على أساس الجهل، وهذا خلاف الحال في الأمارات الّتي تبيّن الحكم على أنّه الواقع كما على مبنى جعل المؤدّى أو على أنّها علم بالواقع كما على مبنى جعل العلميّة. فليس قول الشّارع "رفع ما لا يعلمون" بمعنى جعل ما لا يعلمون معلومًا، بل هو رفع لما لا يعلمون أي للحكم على تفصيل.
وبعبارة أخرى: لا عين ولا أثر في الأصول غير المحرزة لجهة الكاشفيّة لتقوم من حيث كشفها مقام القطع على الإطلاق.
نعم قد يتصوّر بإمكان أن يقوم أصل الاحتياط مقام القطع من حيث إنّه ناظر إلى تنجّز الاحتمال، ومفاده أنّه كما أنّ العلم بالواقع يكون منشأ للتّنجّز فكذا الاحتياط منشأ للتّنجّز، فيكون معنى حجّيّته جعل التّنجيز، ويقوم من هذه الجهة مقام القطع بلا مانع.
لكنّ الصّحيح عند المحقّق الآخوند أنّه لا تنزيل في مورد الاحتياط:
- فإذا كان الاحتياط عقليًّا كما في موارد العلم الإجماليّ أو الشّبهات البدويّة قبل الفحص، فمن الواضح عدم وجود تنزيل فيها، بل إنّ العقل هو الّذي يجعل التّنجيز للاحتمال ومباشرة لا بجعل الاحتياط علمًا، ولا بجعل العلم الإجماليّ منزّلًا منزلة العلم التّفصيليّ.
إذن، في مورد الاحتياط العقليّ، يحكم العقل لا ينزّل، بل ليس التّنزيل إلّا من شأن الألفاظ وهو غير متصوّر في مورد الأحكام العقليّة طالما أنّ العقل لا يشكّل قضاياه بعناية استعمال الألفاظ، وكذا حال الحكومة.
- وإذا كان الاحتياط نقليًّا، فصحيح أنّ مفاده هو التّحفّظ على حكم المولى كما لو كان له علم به؛ لكنّ الإشكال فيه من جهة الصّغرى، إذ لم يثبت الاحتياط النّقليّ في مورد، ما يعني أنّ الكبرى تامّة لكنّ الكلام فرضيّ مع عدم وجود صغرى شرعًا له.
وقد أشار هنا السّيّد الرّوحانيّ إلى أنّ هذا البحث لفظيّ لعدم كون الأصول العمليّة غير التّنزيليّة قائمة مقام القطع الموضوعيّ کما أنّها لا تقوم مقام القطع الطّريقيّ الصّرف؛ وهذا صحيح بحسب شيخنا الأستاذ.
وأمّا في الاستصحاب _مع أنّ البحث لا يختصّ به بل يشمل قاعدتي الفراغ والتّجاوز أيضًا حيث يتعبّد الشّارع في الأولى بالأذكريّة وفي الثّانية بالمؤدّى، لكنّ المحقّق الآخوند لم يبحثهما هنا من حيث إنّهما قاعدتان فقهيّتان لا أصوليّتان_ فلا يمكن أن يفي دليل حجّيّته بتنزيلين أحدهما تنزيل المستصحب منزلة الواقع والمتيقّن والآخر تنزيل الاستصحاب منزلة اليقين، بل إمّا الأوّل وإمّا الثّاني، لنفس النّكتة الّتي كانت مرّت في مورد الأمارات من أنّ الدّليل الواحد قاصر عن إفادتهما لما يستلزمه من استعمال للّفظ في أكثر من معني أو من اجتماع لحاظين متنافيين في مقام التّنزيل بجعل واحد.
وهذا يعني أنّ قول الشّارع "لا تنقض اليقين بالشّكّ" إمّا أن يحمل على التّعبّد بالمتيقّن وإمّا على التّعبّد باليقين، لأنّ الأوّل يكون تنزيلًا للمستصحب كتنزيل المؤدّى ويكون ناظرًا إلى اليقين بلحاظ آليّ، فيما الثّاني يكون ناظرًا إلى اليقين بلحاظ استقلاليّ بحيث ينزّل الشّكّ الوجدانيّ منزلة اليقين، فيجعله علمًا تعبّدًا.
وبعبارة أخرى: إنّ تنزيل الاستصحاب منزلة القطع الطريقيّ الصّرف يعني تنزيل مؤدّاه منزلة الواقع مع عدم لحاظ القيد أو مع لحاظ عدم القيد، فيما تنزيله منزلة القطع الموضوعيّ يعني تنزيل الاستصحاب نفسه منزلة اليقين أي تنزيل المؤدّى بما هو مؤدّى منزلة اليقينمع لحاظ القيد، ومن الواضح أنّ الجمع في جعل واحد بين لحاظ القيد وعدم لحاظه أو لحاظ عدمه هو جمع بين متنافيين، بل على وجه جمع بين متناقضين. وحيث إنّ القدر المتيقّن تنزيل المؤدّى منزلة الواقع كان الاستصحاب قائمًا مقام القطع الطّريقيّ الصّرف دون القطع الموضوعيّ، وهو الصّحيح عند المحقّق الآخوند.
ومن ما مرّ اتّضح رأي المحقّق النّائينيّ في المقام، فهو يرى أنّ مفاد دليل الحجّيّة هو جعل العلميّة بحيث يجعل الاستصحاب علمًا، ولا معنى لجعل العلميّة إلّا بجعل المعلوم ومتعلّق العلم، فقد استتبع جعله العلميّة جعل مؤدّى الاستصحاب واقعًا، أو يستفاد الجعل الثّاني بالأولويّة من الجعل الأوّل.
وقد ذهب شيخنا الأستاذ إلى القول بتماميّة كلام المحقّق النّائينيّ، وأنّ الإشكال إثباتيّ في المقام لا ثبوتيّ، من جهة امتناع استفادة تنزيلين متنافيين من دليل واحد. وقد أشار المحقّق النّائينيّ إلى أنّ المشكلة ناشئة من تفسير الحجّيّة بجعل المؤدّى في الأمارات وبجعل المتيقّن في الاستصحاب، والحال أنّ معنى جعل الحجّيّة هو جعل العلميّة، فلا إشكال إثباتيّ أيضًا.
نعم، جعل العلميّة في مورد الأمارات تكون بمعنى تتميم الكشف، لكنّها في مورد الاستصحاب بمعنى جعل الكاشفيّة.