قيام الأمارات و الأصول مقام القطع
ما زال الكلام فيما أفاده المحقّق الآخوند في مسألة قيام الأمارات والأصول مقام القطع الطّريقيّ والموضوعيّ، حيث ذهب إلى قيام الأمارات مقام القطع الطّريقيّ الصّرف بما استفيد من دليل حجّيّتها من جعل المؤدّى، وليس يفي دليل حجّيّتها بقيامها مقام القطع الموضوعيّ مطلقًا.
وأمّا قيام الأصول العمليّة مقام القطع، فسالبة بانتفاء الموضوع إلّا في مورد الاستصحاب، حيث يمكن أن يستفاد من دليل حجّيّته تنزيل المستصحب منزلة الواقع، وهو تنزيل للاستصحاب منزلة القطع الطّريقيّ الصّرف دون الموضوعيّ ولو الطّريقيّ منه.
ويقع هذا القول على خلاف ما ذهب إليه المحقّق النّائينيّ من قيام الأمارات والأصول العمليّة التّنزيليّة مقام القطع الطّريقيّ الصّرف والموضوعيّ الطّريقيّ.
استدلّ المحقّق الآخوند هنا على عدم قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعيّ بالدّليل الّذي كان استدلّ به على عدم قيام الأمارات مقام القطع الموضوعيّ، وهو أنّ دليلًا وجعلًا واحدًا لا يمكنه الوفاء بتنزيلين اثنين متباينين لاختلاف اللّحاظ الّذي على أساسه يحصل كلّ منهما، فتنزيل الاستصحاب منزلة القطع الطّريقيّ الصّرف يستدعي لحاظًا آليًّا للقطع، فيما تنزيله منزلة القطع الموضوعيّ يستدعي لحاظًا استقلاليًّا للقطع.
وأشار المحقّق الآخوند إلى أنّه كان قدّم وجهًا في حاشيته على الرّسائل يصحّح فيه تنزيل الأمارات والأصول التّنزيليّة بدليل واحد تنزيلين اثنين متباينين منزلة الواقع والقطع معًا، بحيث يدلّ الدّليل على تنزيل الدّليل منزلة القطع الطّريقيّ الصّرف بالمطابقة ويدلّ على تنزيله منزلة القطع الموضوعيّ بالملازمة؛ لكنّه لا يرتضيه في الكفاية ويردّه.
وتقرير كلامه في الحاشية:
مشى المحقّق الآخوند في هذا الوجه على مسلك المشهور من جعل المؤدّى في مورد الأمارة ومن تنزيل المتيقّن منزلة الواقع في مورد الاستصحاب، بحيث يكون دليل الحجّيّة في الموردين جاعلًا لواقع اعتباريّ.
فإذا استفدنا من خبر أو بيّنة كون المائع المعيّن خمرًا، كان دليل حجّيّة الأمارة جاعلًا للخمريّة في المورد، فيكون المائع خمرًا تعبّديًّا، لا أنّ الحاصل بالخبر علم تعبّديّ بالخمر الواقعيّ؛ وهكذا في مورد الاستصحاب يجعل مشكوك الخمريّة حالًا معلومها سابقًا خمرًا تعبّدًا، فهنا خمر تعبّديّ أيضًا.
وهذا يختلف كما كنّا أشرنا عن مسلك المحقّق النّائينيّ القائل بتكفّل دليل الحجّيّة بجعل العلميّة أي جعل العلم الاعتباريّ لا الواقع الاعتباريّ؛ فتنبّه.
ويبقى إشكال: وهو أنّه في مورد القطع الموضوعيّ يكون القطع مأخوذًا في الموضوع لا الخمريّة فقط، بل أحيانًا يكون القطع مأخوذًا في الموضوع على نحو تمام الموضوع، فليس الموضوع هو الخمر فقط، فضلًا عمّا لو لم يكن مأخوذًا رأسًا كما في مورد كون القطع تمام الموضوع.
ودليل الحجّيّة جعل الخمريّة الاعتباريّة لا غير، فلو قلنا بقيام الخمر الاعتباريّ منزلة الخمر الواقعيّ لم يكن وافيًا بتمام الموضوع بل أحيانًا غير وافٍ بجزء الموضوع، فكيف نسدّ مسدّ القطع المأخوذ في الموضوع بواسطة الدّليل؟
هنا يأتي الوجه الّذي ذكره المحقّق الآخوند في الحاشية من أنّ دليل الحجّيّة الدّال على جعل المؤدّى وجعل المستصحب، يدلّ بالملازمة على جعل القطع بمؤدّى الأمارة أو بالمستصحب أي القطع بالواقع الاعتباريّ، نازلًا منزلة القطع بالواقع الحقيقيّ؛ فيكون دليل حجّيّة الأمارة والاستصحاب واردًا على أدلّة موارد القطع الموضوعيّ بتشكيله مصداقًا حقيقيًّا للقطع.
ويبقى إشكال آخر على وزان ما كان طرحه المحقّق النّائينيّ في الدّفاع عن مبناه من جعل العلميّة: وهو أنّ القطع المأخوذ في الموضوع هو القطع بالواقع الحقيقيّ لا القطع بالواقع الاعتباريّ، إذ دليل الحجّيّة لم يقل بجعل الأمارة علمًا، بل قال بجعل مؤدّاه معلومًا وواقعًا اعتباريًّا، بحيث تحمل جميع آثار الخمر الواقعيّ على الخمر الاعتباريّ المستفاد من الأمارة، وهذا يعني أنّ نسبة دليل الأمارة إلى الأدلّة المأخوذ فيها القطع موضوعًا لا هي الورود ولا الحكومة كما ترى؛ وما لم يكن قطع بالواقع الحقيقيّ لم يكن موضوع.
إذن، في مورد الأمارة هناك قطع بالواقع الاعتباريّ ولا قطع بالواقع الحقيقيّ، والحال أنّ المأخوذ في الدّليل هو القطع بالواقع الحقيقيّ لا الاعتباريّ، فما هو موجود من القطع غير مأخوذ في الموضوع وما هو مأخوذ فيه مفقود حقيقة واعتبارًا؛ من هنا احتجنا إلى دليل آخر ينزّل القطع بالواقع التّعبّديّ الاعتباريّ منزلة القطع بالواقع الحقيقيّ؛ وهو ما أشار المحقّق الآخوند إلى إثباته بالملازمة العرفيّة من خلال دليل الحجّيّة، بمعنى أنّ المولى إذا جعل المؤدّى بحسب مفاد دليل الحجّيّة، فجعله هذا يستلزم تنزيله القطع بالواقع الاعتباريّ منزلة القطع بالواقع الحقيقيّ، بحيث إذا جاء دليل كان موضوعه مقطوع الخمريّة، وتعبّدنا المولى بجعل مؤدّى الأمارة خمرًا، فهذا يلازم عرفًا جعل للقطع بالخمر التّعبّديّ نازلًا منزلة القطع بالخمر الحقيقيّ، فيتحقّق موضوع الدّليل المأخوذ فيه القطع.
وأمّا عرفيّة هذه الملازمة، فلوضوح عدم التّلازم عقلًا بين التّعبّد بالمؤدّى وتنزيل القطع بالمؤدّى المتعبّد به منزلة القطع بالواقع الحقيقيّ. وإن كان قد سعى البعض إلى تصوير هذه الملازمة كملازمة عقليّة ببيان أنّه لا معنى للتّعبّد ما لم يكن ذا أثر شرعيّ وتعبّديّ، وحيث كان موضوع الأثر هو القطع بالواقع الحقيقيّ لا الواقع نفسه ولا القطع بالواقع الاعتباريّ، فلا بدّ دفعًا للّغويّة من أن يقال بكون دليل الحجّيّة نفسه يثبت تنزيل القطع بالواقع الاعتباريّ منزلة القطع بالواقع الحقيقيّ.
لكنّ الصّحيح بحسب شيخنا الأستاذ عدم صحّة هذه المحاولة بعد فرض كون دليل حجّيّة الأمارة لا إطلاق له ليشمل موارد القطع الموضوعيّ بل هو مقصور على إفادة التّنزيل والجعل بلحاظ آليّ للقطع لا غير على ما تقدّم.
لكنّ المحقّق الآخوند في الكفاية يعترض على الوجه الّذي ذكره في حاشية الرّسائل، ويرى أنّه تحميل للدّليل ما لا يحتمله، فلا يخلو من تكلّف، بل هو تعسّف؛ أمّا ردّه لذاك الوجه فمفاده دقيق وهو التّالي:
للشّارع موضوعات مركّبة من جزءين أو أكثر وكذا موضوعات مقيّدة، فإذا تعبّد الشّارع بلحاظ جزء أو قيد من دون أن يتعبّد بلحاظ الجزء الآخر أو الذّات، كان تعبّده لغوًا، لأنّ موضوع الأثر هو المركّب من الجزءين أو هو مجموع الذّات وتقيّدها بالقيد. فإذا شرّع المولى الصّلاة مع الطّهارة، ثمّ شرّع الاستصحاب لإثبات الطّهارة، لم يكن دليل إثبات الطّهارة مثبتًا للصّلاة بوجه.
ما يعني أنّ صحّة التّعبّد بإثبات الطّهارة تحتاج إلى أن يكون الجزء الآخر للمركّب (كالصّلاة في المثال) ثابتًا بالوجدان أو ثابتًا بتعبّد آخر يقع في عرض التّعبّد بإثبات الجزء الأوّل، من دون أن يصحّ كون التّعبّد بالجزء الآخر واقعًا في طول التّعبّد بالجزء الأوّل.
ففي مورد الصّلاة وشرطيّة الطّهارة من الحدث، نطبّق كلامه بلحاظ موضوع الإجزاء، بحيث من شكّ بحصول الجنابة، استصحب العدم، ثمّ ضمّ إلى الطّهارة الاستصحابيّة علمه بالوجدان بإقامته للصّلاة ليتحقّق موضوع الإجزاء، فلا يجب عليه الإعادة في الوقت ولا القضاء خارج الوقت.
أي إنّه لا بدّ من إثبات الجزء الآخر لموضوع الإجزاء إمّا بالوجدان، وإمّا بالتّعبّد في عرض التّعبّد الأوّل الاستصحابيّ، كأن يخبره أحد أو تقوم البيّنة على كونه قد أتى بالصّلاة، على نحو يثبت مجموع الموضوع بتعبّدين اثنين مختلفين، من دون أن يكون التّعبّد بالاتيان بالصّلاة واقعًا في طول استصحاب الطّهارة.
نعم، قد لا يحتاج دائمًا إلى دليل آخر لإثبات الجزء الآخر، لأنّ المهمّ هو عرضيّة التّعبّدين لا تعدّد الدّليل، كما لو قامت البيّنة على أنّه قد توضّأ وقد صلّى، فتطبّق حجّيّتها مرّتين بلحاظ موضوعين لدليل حجّيّة البيّنة، وإن كانا قد سيقا في دليل واحد، إذ لم يقع التّعبّد الثّاني في طول الأوّل بل كلاهما في عرض بعضهما البعض، بحيث نتمسّك بإطلاق دليل حجّيّة البيّنة وعمومه لنفرّده على مختلف موضوعاتها.
ولكن لا شيء من هذا متحقّق هنا فيما نحن فيه:
إذ إنّ الموضوع مركّب من القطع والمقطوع به، ودليل الحجّيّة قد أفاد تنزيل مؤدّى الأمارة منزلة المقطوع، ويبقى تحقّق الموضوع بحاجة إلى القطع بالواقع الحقيقيّ. وليس من إطلاق لدليل الحجّيّة يستطيع أن ينزّل به المؤدّى منزلة الواقع وكذا القطع بالواقع الاعتباريّ منزلة القطع بالواقع الحقيقيّ لما يستلزمه ممّا كرّرناه مرارًا من اجتماع لحاظين متنافيين بل متناقضين على ما صوّره المحقّق الأصفهانيّ.
فلا يبقى إلّا القول بإثبات الجزء الآخر أي القطع في طول إثبات الأوّل، وهو مستلزم للدّور على ما صرّح به المحقّقان النّائينيّ والأصفهانيّ وغيرهما، وذلك لأنّه لا يكون التّعبّد بالمؤدّى معقولًا إلّا حيث كان التّعبّد بالجزء الآخر ثابتًا، لما قلناه من أنّ التّعبّد بجزء مع عدم التّعبّد بالجزء الآخر لغو لانتفاء الأثر والفائدة، فالتّعبّد بالمؤدّى متوقّف على التّعبّد بالجزء الآخر، والفرض أنّ التّعبّد بالجزء الآخر متوقّف على التّعبّد بالمؤدّى لأنّه مستفاد منه، فتوقّف الشّيء على نفسه؛ فالتّعبّد بالمؤدّى متوقّف على التّعبّد بقيام القطع بالواقع الاعتباريّ مقام القطع بالواقع الحقيقيّ، والتّعبّد بقيام القطع بالواقع الاعتباريّ مقام القطع بالواقع الحقيقيّ متوقّف على التّعبّد بالمؤدّى. وهذا يعني أنّ استفادة تنزيل القطع بالواقع الاعتباريّ منزلة القطع بالواقع الحقيقيّ من جعل المؤدّى محال لأنّه دور، لا أنّه مجرّد تكلّف.
وبالمحصّلة، لا يمكن أن يكون دليل حجّيّة الأمارة أو الاستصحاب وافيًا بقيامها مقام القطع الطّريقيّ الصّرف والموضوعيّ الطّريقيّ معًا، بل لا يفي إلّا بالأوّل منهما.
وهذه عبارة المحقّق الآخوند:
"وما ذكرنا في الحاشية في وجه تصحيح لحاظ واحد في التنزيل منزلة الواقع و القطع و أن دليل الاعتبار إنما يوجب تنزيل المستصحب و المؤدى منزلة الواقع و إنما كان تنزيل القطع فيما له دخل في الموضوع بالملازمة بين تنزيلهما و تنزيل القطع بالواقع تنزيلا و تعبدا منزلة القطع بالواقع حقيقة لا يخلو من تكلف بل تعسف.
فإنه لا يكاد يصح تنزيل جزء الموضوع أو قيده بما هو كذلك بلحاظ أثره إلا فيما كان جزؤه الآخر أو ذاته محرزا بالوجدان أو تنزيله في عرضه. و أما إذا لم يكن كذلك فلا يكاد يكون دليل الأمارة أو الاستصحاب دليلا على تنزيل جزء الموضوع ما لم يكن هناك دليل على تنزيل جزئه الآخر فيما لم يكن محرزا حقيقة و فيما لم يكن دليل على تنزيلهما بالمطابقة كما في ما نحن فيه على ما عرفت لم يكن دليل الأمارة دليلا عليه أصلا فإن دلالته على تنزيل المؤدى تتوقف على دلالته على تنزيل القطع بالملازمة و لا دلالة له كذلك إلا بعد دلالته على تنزيل المؤدى فإن الملازمة إنما تدعى بين القطع بالموضوع التنزيلي و القطع بالموضوع الحقيقي، و بدون تحقق الموضوع التنزيلي التعبدي أو لا بدليل الأمارة لا قطع بالموضوع التنزيلي كي يدعى الملازمة بين تنزيل القطع به منزلة القطع بالموضوع الحقيقي و تنزيل المؤدى منزلة الواقع [فإن الملازمة إنما تكون بين تنزيل القطع به منزلة القطع بالموضوع الحقيقي و تنزيل المؤدى منزلة الواقع] كما لا يخفى فتأمل جيدا فإنه لا يخلو عن دقة".