أخذ العلم بالحکم في الموضوع
كان الكلام في استحالة أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه وفيما ذكره المحقّق الآخوند من استلزامه للدّور الّذي ردّه المحقّق الأصفهانيّ قائلًا بالاستحالة لكن من باب آخر يأتي بيانه.
أمّا ردّه للدّور فمفاده:
أنّ المراد من الدّور هو توقّف العلم على وجود الحكم، في حين أنّه يتوقّف وجود الحكم على موضوعه الّذي أخذ فيه العلم المتعلّق بوجود الحكم، فتوقّف وجود الحكم على وجود الحكم؛ لكنّ الموقوف غير الموقوف عليه، وذلك لكون العلم يتوقّف على ماهيّة الحكم لا على وجوده، في حين أنّ المترتّب على الموضوع هو وجود الحكم لا ماهيّته، فتوقّف وجود الحكم على العلم بماهيّته بحيث لم يكن الموقوف عين الموقوف عليه.
فليس وجود الحكم متعلّقًا للعلم لا بوجوده الخارجيّ ولا بوجوده الذّهنيّ، وما يتقوّم به العلم ممّا يقع طرفًا للإضافة هي ماهيّة الحكم لا غير، والّتي بدورها لا تتقوّم بالوجود بل يعرض عليها الوجود، لبداهة أنّ العلم لا يتعلّق بالمعلوم بالعرض من الوجود العينيّ للحكم وإلّا للزم كون الخارجيّ نفسانيًّا أو النّفسانيّ خارجيًّا، ولا بالمعلوم بالذّات من حيث إنّه وجود ذهنيّ حاكٍ عن الخارج.
ثمّ أضاف المحقّق الأصفهانيّ أنّه لا يقال بأن لا دور مصرّح بل دور بالواسطة، ببيان: أنّ العلم المطابق للواقع منوط بالمعلوم بالعرض لأنّ الفرض كونه علمًا مطابقًا للواقع لا جهلًا مركّبًا، وحينها يكون وجود الحكم موقوفًا على العلم الموقوف على الوجود الخارجيّ للحكم، فعاد الدّور.
لأنّه يقال بأنّه غير تامّ، وذلك لأنّ العلم بالمطابق للواقع لا يتوقّف على المعلوم بالعرض، لعدم كون المعلوم بالعرض من علل العلم المطابق للواقع، بل يلازم المعلوم بالعرض بوجوده وجود العلم، فهما متلازمان ولا نسبة توقّفيّة بينهما.
ثمّ بعد ذلك، نفى الاستحالة من جهة الخلف من حيث إنّ العلم بالنّسبة إلى معلومه متأخّر بالطّبع، كي يكون ترتّب المتقدّم على المتأخّر خلف كونه متقدّمًا وكون الآخر متأخّرًا؛ وذلك لأنّ ما يتأخّر عنه العلم هو معروضه، وليس معروضه إلّا ماهيّة الحكم لا المعلوم بالعرض أي وجوده.
كما أنّه نفى الاستحالة من جهة الخلف من حيث إنّ حقيقة الحكم متأخّرة عن حقيقة العلم تأخّر المشروط عن شرطه، بعد أن فرضنا كون حقيقة العلم مأخوذة في موضوع حقيقة الحكم، فتتأخّر حقيقة الحكم تأخّرًا طبعيًّا عن حقيقة العلم، والحال أنّها متقدّمة تقدّم المعروض على العارض؛ وذلك لأنّ المتقدّم على العلم العارض هو معروضه وهي ماهيّة الحكم لا حقيقته.
إذن، أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه لا يستلزم الدّور ولا الخلف ولا اجتماع المتنافيين.
ثمّ نقل كلامًا يحتمل كونه كلام المحقّق العراقيّ، مفاده: أنّه بعد التّسليم بانتفاء الدّور لكنّ ملاك الدّور موجود في المقام؛ ومقصوده من ملاك الدّور هو الخلف بمعنى أنّ لازم أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه هو تحقّق الشّيء قبل تحقّق الشّيء، أي أن يلحظ الشّيء في رتبة متقدّمة على رتبة تحقّقه، بحيث يصير المعلول مفروضًا في رتبة علّة نفسه، ليثبت في وعاء ورتبة متقدّمة على خلاف ما تقتضيه معلوليّته المتأخّرة. فالحكم متأخّر عن موضوعه، ولكن مع فرض العلم بالحكم في الموضوع، فقد فرض الحكم متقدّمًا لثبوته في رتبة الموضوع، فيلزم ثبوت الحكم المتأخّر عن الموضوع في الموضوع المتقدّم.
وقد عبّر عن هذا المحذور بملاك الدّور، ولك أن تقول هو خلف الفرض، فالحكم مفروض متأخّرًا فيما فرضه في الموضوع يقتضي كونه مفروضًا متقدّمًا.
وأجاب عنه بجوابين:
- أوّلًا: ما قيل من لزوم فرض ثبوت الشّيء في حال عدم ثبوته غير سديد، فما يتقوّم به الموضوع ليس ثبوت الحكم بوجوده الخارجيّ بل فرض ماهيّة الحكم. وبالتّالي، الوجود الخارجيّ للحكم متأخّر من دون أن تتأخّر ماهيّة الحكم لعدم توقّفها على الموضوع المفروض، وتكون هي المتقدّمة على العلم.
ما يعني أنّ ثبوت ماهيّة الحكم في الموضوع ثبوت لها في محلّها لا في غيره؛ ومن هنا تعلم أنّه وقع خلط بين وجود الحكم وماهيّته، لكون وجوده متأخّرًا عن الموضوع في حين أنّ ماهيّته الواقعة متعلّقًا للعلم متقدّمة على وجود الحكم وواقعة في رتبة موضوعه.
- ثانيًا: ما أخذ موضوعًا للحكم هو العلم بالحكم المفروض، أي أخذ فرض الحكم في الموضوع، وفرض الحكم ليس متأخّرًا عن الموضوع بل المتأخّر عن الموضوع هو وجود الحكم.
وقد ذهب شيخنا الأستاذ إلى تماميّة ما ردّ به المحقّق الأصفهانيّ الدّور لعدم توقّف العلم على الوجود الخارجيّ للحكم وكون متعلّقه هي الماهيّة غير المتوقّفة على الوجود. بل حتّى لو فرض كون العلم المأخوذ في الموضوع هو العلم المطابق للواقع لا يتأتّى الدّور لا في الواقع ولا في نظر القاطع، لأنّ الوجود الخارجيّ ملازم للعلم المطابق للواقع وليس علّة له.
نعم، ما ذكره في ردّ ملاك الدّور محلّ مناقشة:
إذ يمكن أن يقال: إنّه إذا أخذ في موضوع الحكم العلم المطابق للواقع، فيكون الحكم بوجوده الخارجيّ متوقّفًا على العلم المطابق للواقع توقّف الحكم على موضوعه، في حين أنّ العلم المطابق للواقع ملازم للمعلوم بالعرض أي الوجود الخارجيّ للحكم، فيلزم أن يكون الحكم الخارجيّ قد أُخذ ملازمًا للموضوع وهي رتبة لا ينبغي أن يكون فيها الحكم موجودَا.
فصحيح أنّ الحكم بوجوده الخارجيّ لم يؤخذ في رتبة الموضوع بل المأخوذ هي ماهيّة الحكم، لكنّ العلم من حيث كونه مطابقًا للواقع قد لازمت الوجود الخارجيّ في رتبة الموضوع، والملازمة في هذه الرّتبة تقتضي وجود الحكم مع أنّه ينبغي أن لا يكون موجودًا فيها لأنّها رتبة موضوعه وما قبل وجوده.
ويمكن الجواب عن هذا الإشكال: بأنّ المحذور هو ثبوت الشّيء في غير رتبته، وليس فرض ملازم المعلول في رتبة المقدّم على المعلول فرضًا للشّيء في رتبة ليست له. فالتّقدّم والتأخّر الرّتبيّ يكونان بملاك العلّيّة والمعلوليّة وهو خلاف فرض التّلازم من غير علّيّة. بتعبير آخر: للموضوع تقدّم رتبيّ على الحكم، من دون أن يكون لملازمات الموضوع تقدّم رتبيّ على المعلول حتّى يفرض كون الملازم في رتبة الموضوع ويكون في رتبة غير مناسبة له.
وبالنّتيجة، لا يستلزم أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه للدّور ولا للخلف ولا لاجتماع المتنافيين، كما لا يستلزم ملاك الدّور.