أخذ العلم بالحکم في الموضوع

نوشته شده توسط السيد حمزة عيسی الموسوي. ارسال شده در تقریر عربی اصول

ما زال الكلام في أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه، وهو بحث مهمّ تترتّب عليه ثمرتان على الأقلّ:
إحدهما: هي معقوليّة الّتي قيّد فيها موضوع الحكم بالعلم بالحكم وإمكان توجيهها، وقد ذهب المحقّق النّائينيّ إلى وجود هكذا موارد في الشّريعة، ومثّل لها بمسألة القصر والإتمام والجهر والإخفات في الصّلاة وكذا قاعدة لا تعاد، وإن كانت قاعدة لا تعاد تجري في الشّبهات الحكميّة لتكون جارية في حقّ النّاسي وكذا في حقّ الجاهل، فنتيجة قاعدة لا تعاد هو أنّ المكلّف بالجزء أو الشّرط هو من كان عالمًا بالجزئيّة أو الشّرطيّة، في حين لا يكون المكلّف مكلّفًا بالجزء أو الشّرط في موارد الجهل وكذا في موارد النّسيان.
والأخرى: هل ينعقد ظهور الدّليل في أخذ العلم بالحكم في موضوع الحكم؟ فإذا كان أخذه ممتنعًا لم يمكن الأخذ بظهور الدّليل، لأنّ التّعبّد بالظّهور وحجّيّته في الأمور الممكنة لا في الأمور الممتنعة.
مثلًا شمول قاعدة لا تعاد للجاهل بالحكم أو الجاهل بالجزئيّة أو الشّرطيّة هو بواسطة الظّهور والإطلاق، لأنّ قاعدة لا تعاد تشمل النّاسي أيضًا، بل القدر المتيقّن منها هي موارد النّسيان؛ وإذا لم يكن أخذ العلم بالحكم في الموضوع ممكنًا لما أمكن الأخذ بهذا الظّهور.
أو مثلًا في "رفع ما لا يعلمون" يصحّ حمل الرّفع على الرّفع الحقيقيّ والواقعي لا الرّفع الظّاهريّ بما ينتج اختصاص الأحكام بالعالم في فرض أخذ العلم بالحكم في الموضوع، فيكون هذا الحمل معقولًا ممكنًا على هذا الفرض.
نقلنا أربعة وجوه لامتناع أخذ العلم بالحكم في الموضوع من كلام المحقّق الأصفهانيّ، وقد التزم باستحالة أخذ العلم بالموضوع في الحكم من باب امتناع الوصول المستلزم للّغويّة.
أمّا المحقّق النّائينيّ فقد سلك طريقًا آخر في حلّ هذه المسألة على أساس متمّم الجعل، قائلًا بأنّ الانقسامات المتصوّرة في متعلّق الحكم تارة تكون بلحاظ العنوان الأوّليّ أي ترد عليه بغضّ النّظر عن تعلّق الحكم بذاك التّقسيم المتصوّر وهو ما يعبّر عنه بالانقسامات الأوّليّة، واخرى تكون بلحاظ تعلّق الحكم بالمتعلّق وهي ما يعبّر عنه بالانقسامات الثّانويّة.
وقد ذهب إلى إمكان أخذ القيود الّتي من قبيل الانقسامات الأوّليّة في متعلّق الأحكام، في حين أنّه لا يمكن أخذ القيود الّتي من قبيل الانقسامات الثّانويّة في متعلّق الحكم، أي الانقسامات الّتي تتأتّى بلحاظ كون المتعلّق مأمورًا به كتقسيم الصّلاة إلى ما كان مع قصد الأمر وإلى ما كان من دون قصد الأمر.
والعلم والجهل بالحكم من قبيل الانقسامات الثّانويّة، وحيث إنّ تقييد الحكم بالانقسامات الثّانويّة غير ممكن لاستلزامه الدّور أو الخلف وما شاكل، فكذا الإطلاق غير ممكن لكون إمكان الإطلاق فرع إمكان التّقييد وعدم التّقييد، فكما أنّه ينتفي الإطلاق بالتّقييد كذا ينتفي بعدم إمكان التّقييد، لتكون النّتيجة في مقام الإثبات كون الدّليل مهملًا، لا هو مقيّد ولا مطلق.
ولا يخفى عليك عدم إمكان الإهمال في مقام الثّبوت، ففي النّتيجة الغرض إمّا أنّه يترتّب في حال وجود تلك الانقسامات أو من دونها. وهذا يعني أنّ نتيجة الإهمال في مقام الإثبات هو عدم إمكان التّمسّك بعدم التّقييد لاستكشاف إطلاق الملاك في الواقع في مقام الثّبوت.
وقد عبّر في بعض الكلمات عن هذا الإهمال في مقام الإثبات في موارد عدم إمكان التّقييد بالإطلاق الذّاتيّ أي ليس الدّليل بمقيّد لكن مع ذلك لا يمكن من عدم التّقييد استفادة الإطلاق في مقام الثّبوت ولا القول بعدم دخالة القيد في تحصيل الغرض.
ومن الواضح أنّ هذا الإطلاق ليس الإطلاق المصطلح الّذي يستطيع الكشف عن عدم دخالة القيد في الغرض
وهذا الكلام صحيح بحسب شيخنا الأستاذ، أي إنّ الدّليل يكون في هذه الموارد مهملًا، وليس استعمال لفظ الإهمال هنا إلّا على نحو اصطلاح خاصّ، ما يعني أنّ أحدًا مثل السّيّد الخوئيّ لا يمكنه ردّ هذا المعنى لعدم قبوله بكونه إهمالًا بل هو إطلاق عنده، لكنّه عنده أيضًا إطلاق لا يمكنه الكشف عن عدم دخالة القيد في الغرض في مقام الثّبوت.
وكيف كان، يرى المحقّق النّائينيّ أنّه لا يمكن أخذ العلم بالحكم في الموضوع لكون العلم بالحكم والجهل به من الانقسامات الثّانويّة المترتّبة على الحكم، وحيث لم يمكن التّقييد فلا يمكن الإطلاق أيضًا.
لكنّ هذا الإشكال إنّما يتأتّى في مورد الجعل الواحد، وإلّا لو تصوّرنا جعلًا متعدّدًا أمكن أخذ مثل هذه القيود في الحكم، وإن لم يعبّر عنه بالتّقييد بل بنتيجة التّقييد. فيمكن للشّارع بواسطة الجعل الثّاني أن يأخذ قصد القربة في العمل؛ ولا يخفى عليك أنّ المقصود هو تعدّد الجعل في مقام الثّبوت لا الإثبات، أي إنّ هذين الجعلين متعدّدان حقيقة وفي مقام الجعل، لا أنّه مجرّد تعدّد تحليليّ تفكيكيّ أي ليس من قبيل ما يقال في موارد الأمر بالمركّب بكونه منحلًّا إلى أوامر متعدّدة بالأجزاء.
إذن، يكون الجعل في مقام الثّبوت حقيقة متعدّدًا على نحو يختلف المتعلّق في كلّ منهما، لكن لكونهما ناشئين عن غرض واحد ويقعان لتحصيل غرض واحد، لا تكون نتيجة هذا التّعدّد تعدّدًا في التّكليف بل هو تكليف واحد.
وعليه، يمكن عنده بواسطة هذين الجعلين الحصول على نتيجة التّقييد كما يمكن الحصول على نتيجة الإطلاق، كي يكون ممكنًا بهذا السّبيل أخذ العلم بالحكم في موضوع شخص الحكم.
نعم، هذا مع تماميّة ما يقال من أنّ الضّرورة والإجماع وتواتر الأخبار قائمة على كون الأحكام غير مقيّدة بالعلم وعلى أنّ الأحكام مشتركة بين العالم والجاهل؛ لكن تقع نتيجة التّقييد في بعض الموارد والأحكام الّتي دلّت أدلّتها على اختصاصها بالعالم.

 

چاپ