أخذ العلم بالحکم في الموضوع
كان الكلام في أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه بحيث يكون العلم بثبوت الحكم محقّقًا لموضوع ثبوت الحكم؛
وقد ذهب المشهور إلى القول بامتناعه وهو ما عليه صاحب الكفاية، ولكن اختلفوا في وجه الاستحالة، فبين قائل بالدّور وقائل بالخلف على تقاريب مختلفة. وقد صوّر المحقّق الأصفهانيّ أربعة وجوه للامتناع، ردّ ثلاثة منها واختار الرّابع القائل باستلزام أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه للخلف من جهة امتناع الوصول على ما بيّنّا سابقًا.
وسواء كان الامتناع من باب استلزام أخذه للدّور أو للخلف، فقد ذكر المحقّق النّائينيّ أنّ هذا الإشكال إنّما يتأتّى بلحاظ الجعل الواحد، أمّا حيث كان الجعل متعدّدًا بحيث أخذ العلم بالجعل الأوّل في موضوع الجعل الثّاني على نحو ما أسماه ب"متمّم الجعل"، فلا إشكال.
إذ إنّ العلم بالحكم من متفرّعات الحكم ومن الانقسامات الثّانويّة المترتّبة عليه تمامًا كقصد امتثال الحكم في بحث التّعبّديّ، وحيث كانت كذلك لم يمكن أخذها في موضوع الحكم في جعل واحد، لكنّه ممكن في حال تعدّد الجعل؛ كما لو جعل الشّارع جعلًا أوّلًا من دون قيد العلم بالحكم أو من دون قيد قصد الامتثال، ثمّ جاء بجعل ثانٍ يبيّن فيه إمّا التّقييد وإمّا الإطلاق.
وضرورة أن يقيّد أو أن يطلق جائية من حيث إنّ الجعول تكشف عن الملاكات والأغراض المولويّة، فلو فرض كون الغرض المولويّ منحصرًا بدائرة المقيّد ولا يستوفى من دائرة فاقد القيد، وكان مضطرًّا إلى عدم التّقييد لاستحالة التّقييد، بحيث ينعقد إطلاق ضروريّ قهريّ لا لحاظيّ كاشف في كلامه كما لو أنّه قد جعل الحكم للعالم والجاهل، استطاع المولى أن يقيّد بواسطة جعل آخر هو المتمّم لجعله الأوّل.
مع الالتفات إلى أنّ الإطلاق البدويّ من الكلام غير ذي صلاحيّة للكشف عن الملاك لاستحالة أخذ الانقسامات الثّانويّة في الجعل الواحد، وحيث استحال التّقييد استحال الإطلاق لتقابلهما تقابل الملكة والعدم؛ نعم المستحيل هو الإطلاق اللّحاظيّ الكاشف عن المراد الجدّيّ، أمّا الإطلاق الضّروريّ الرّاجع إلى معنى عدم التّقييد فواقع بالضّرورة عند ارتفاع القيد لاستحالة ارتفاع النّقيضين. وقد عبّر المحقّق النّائينيّ عن الإطلاق الضّروريّ أي عدم التّقييد في مورد الانقسامات الثّانويّة بكونه إهمالًا، وكأنّه قصر للإطلاق على النّافي لدخالة القيد لا مجرّد الفاقد للقيد.
نعم، الجعل الآخر المتمّم للجعل الأوّل هو جعل آخر لا مجرّد لفظ آخر، ويمكنه إفادة تضييق الغرض بواسطة نتيجة التّقييد، كأن يبيّن دخالة قصد القربة في استيفاء غرضه من الصّلاة، فيأمر بالصّلاة مهملة أو مطلقة بالإطلاق الضّروريّ ثمّ يأمر بقصد القربة وامتثال الجعل الأوّل كقيد للصّلاة؛ وكأن يأتي بحرمة الخمر بلا قيد العلم بالحرمة ثمّ يجعل جعلًا آخر يبيّن فيه دخالة العلم بالجعل الأوّل في الحكم. وهذا على خلافه في مورد الانقسامات الأوّليّة الّتي يمكن أخذها في الموضوع لعدم كونها منوطة بثبوت الأمر أي ليست متفرّعة على ثبوته كأخذ القنوت مثلًا جزءًا في الصّلاة.
ومتمّم الجعل تارة يكون مضيّقًا وأخر يكون موسّعًا أي تارة يكون مفيدًا لنتيجة التّقييد وأخرى لنتيجة الإطلاق، للنّكتة المتقدّمة من أنّه كما يمتنع التّقييد كذا يمتنع الإطلاق.
هذا ثبوتًا، وأمّا إثباتًا فقد ادّعى المحقّق النّائينيّ وجود أدلّة من إجماع وضرورة تدلّ على نتيجة إطلاق الحكم بالنّسبة إلى العالم والجاهل واشتراكهما في الأحكام عامّة إلّا ما خرج بدليل، لتكون بمثابة متمّمات الجعل عنده؛ معربًا عن كون إطلاق الأحكام للعالمين والجاهلين ضروريّ الثّبوت أي قطعيّه، مع انحفاظ التّخطئة أي بغضّ النّظر عن مطابقة المقطوع به للواقع أو عدمه، حتّى لا يلزم التّصويب سواء الأشعريّ أو المعتزليّ.
لكن مع كون الأصل هو الاشتراك بين العالم والجاهل إلّا أنّه خصّص هذا الأصل في عدّة موارد بحيث قيّد فيها الحكم بالعلم به، وهي ثلاثة موارد عنده: الجهر والإخفات والإتمام في موضع القصر؛ وقد استفيد فيها التّقييد من متمّم الجعل.
وكما يمكن على هذا النّحو أخذ العلم بالحكم شرطًا في ثبوت الحكم كذا يمكن أخذ العلم بالحكم من وجه خاصّ وسبب خاصّ مانعًا عن ثبوت الحكم واقعًا، كما في باب القياس.
وقد جعل المحقّق النّائينيّ مثالًا لأخذ العلم الخاصّ مانعًا عن ثبوت الحكم ما جاء في معتبرة أبان في مسألة ديّة أصابع المرأة، فهنا:
- استظهر المحقّق النّائينيّ حصول يقين وعلم لأبان بكون ديّة أربعة أصابع أزيد من ديّة الثّلاثة، وهو على خلاف ما فهمه المشهور من أنّه استفاد الحكم على نحو الظّنّ المتحصّل من القياس، فهنا نهي عن العلم الحاصل من القياس لا عن الظّنّ الحاصل منه.
- وذلك بتقريب أنّ الإمام عليه السّلام قد نهى أبان عن الأخذ بالقياس في شؤون الدّين، والحال أنّ أبان كان قاطعًا بالحكم، وأنّه إذا كانت ديّة الثّلاثة أصابع هي ثلاثين من الإبل فديّة الأربعة أربعون. ونهي الإمام عليه السّلام يعني عدم قبوله بهذا النّحو من العلم، إذ لا ينبغي أن يحصل العلم من القياس، ولو حصل كما في الفرض كان مانعًا عن ترتّب الحكم.
ولك أن تقول: قد أخذ الشّارع العلم الحاصل من غير القياس قيدًا فيما أخذ العلم الحاصل من القياس مانعًا أي أخذ عدم العلم الحاصل من القياس قيدًا.
مع الالتفات إلى أنّ أمر الدّيّة في أصل تشريعيّ وليس يوجب العقل إثباته، فقد لا يجعل المولى ديّة رأسًا، وقد لا يجعل ديّة في مورد الأربعة وقد يجعلها أكثر أو أقلّ من غيرها، والأمر تابع لما يقدّره المولى من مصالح ومفاسد.
ولا يقال: إنّه قد نهى الإمام عليه السّلام عن العمل بالعلم مع أنّه لا يعقل سلب الحجّيّة عن العلم بعد فرض كونها ذاتيّة للعلم؛
لأنّه يقال: إنّه قد حوّل العلم الطّريقيّ إلى موضوعيّ ما أتاح رفع اعتباره، وهو بعينه ما ذكره الشّيخ الأعظم في محاولة لتصحيح قول الأخباريّين بنفي الحجّيّة عن العلم الحاصل من الدّليل العقليّ.
نعم، يبدو أنّ القياس المنهيّ عنه في الرّواية هو قياس الأولويّة، ولذلك ذهب صاحب الوسائل إلى عدم حجّيّة قياس الأولويّة على الإطلاق، لكنّ التّحقيق كون قياس الأولويّة منوطًا بعدم النّصّ على الخلاف ويكون من صغريات الظّهور، والمنهيّ عنه هو القياس الّذي يكون اجتهادًا في مقابل النّصّ؛ بل ليس كلّ ما سمّي قياسًا يكون منهيًّا عنه، وإنّما المنهيّ عنه هو الظّنّ القياسيّ.
هذا كلّه فيما يرتبط بأخذ العلم بالحكم الشّرعيّ في موضوع نفسه وإمكانه على وجه متمّم الجعل لا في الجعل الواحد، وأنّه كما يمكن أن يكون طريقيًّا كذا يمكن أن يكون طريقيًّا في المورد؛ أمّا في مورد الأحكام العقليّة، فالعلم بها يكون دائمًا موضوعًا بمعنى أنّه لا يتأتّى أن يحكم العقل على شيء حتّى يعلم بذلك الشّيء الواقع موضوعًا للحكم العقليّ، فلا يحكم العقل بقبح ضرب اليتيم حتّى يعلم "ضرب اليتيم" كموضوع لحكم العقل، ولا يقبح التّصرّف في مال الغير إلّا بعد الالتفات والعلم بكونه مالًا للغير.
وقد أشكل السّيّد الخوئيّ والسّيّد الصّدر على كلام المحقّق النّائيني المرتبط بمتمّم الجعل بإشكالات خارجة عن مراده الجدّيّ واقعًا بحسب شيخنا الأستاذ فهي غير واردة؛ ومنها:
- عدم تصوّر الإهمال في الجعل، فإمّا أن يكون الجعل الأوّل مقيّدًا وإمّا لا، فإن لم يكن مقيّدًا فهو مطلق حتمًا لا مهمل، بمعنى أنّ الإطلاق ضروريّ لهذا الحكم.
ثمّ حاولا الإجابة عنه بأنّه مع كون النّسبة بين الإطلاق والتّقييد هي الملكة والعدم إلّا أنّ إمكان التّقييد يكون بلحاظ النّوع؛ فمثلًا مع كون تقابل الجهل والعلم من قبيل الملكة والعدم ولذا لا تتّصف الجمادات بالجهل لانتفاء الاستعداد والقابليّة فيها، وهكذا حال الإنسان من جهة عدم القابليّة بالنّسبة للعلم بذات الله تعالى، لكن مع ذلك يمكن وصفه بالجاهل بذات الله تعالى من باب أنّ للإنسان قابليّة للعلم ببعض الأمور، فيتّصف بالجهل حتّى في مورد عدم الإمكان بلحاظ إمكان نوع العلم.