أخذ العلم بالحکم في الموضوع
ذهب المحقّق النّائينيّ إلى إمكان تقييد الحكم من جهة الانقسامات الثّانويّة بواسطة جعل ثانٍ، في حين أنّ الجعل الأوّل يكون مهملًا من جهتها، إذ إنّ تقييد الجعل الواحد بها محال، فيستحيل الإطلاق أيضًا.
ذكر المحقّق الآخوند هذا البيان (المرتبط بمتمّم الجعل) في ضمن بحث التّعبّديّ والتّوصّليّ، وأشكل عليه:
- بأنّ الفرض كون الجعل الثّاني بنفس ملاك الجعل الأوّل، فإن كان كلّ منهما كافيًا لتحصيل الغرض، كان الجعل الثّاني لغوًا؛
- وإن لم يكن الجعل الأوّل كافيًا لتحصيل الغرض بنفسه، لم يحتج إلى جعل ثانٍ ينضمّ إليه لانضمام حكم العقل بوجوب الامتثال والاحتياط إليه بما يتحقّق معه تحصيل الغرض ويسقط الأمر.
وأجيب عن إشكاله بأنّ الجعل الثّاني مؤثّر في وصول غرض المولى بحيث لا يحكم العقل بلزوم الاحتياط ووجوب الامتثال ما لم يتحقّق ذاك الوصول.
وكيف كان، ذكرت إشكالات متعدّدة على كلام المحقّق النّائينيّ؛ منها إشكالان ذكرهما السّيّد الخوئيّ:
- عدم إمكان الإهمال في مقام الثّبوت: من جهة اعتقاده بكون الجعل الأوّل مهملًا، في حين أنّ الإهمال في مقام الثّبوت محال. وإذا كان الجعل الأوّل ليس مقيّدًا بحسب الفرض فهو مطلق لا محالة؛ نعم ليس الإطلاق هنا بمعناه الاصطلاحيّ لاستحالته بل هو الإطلاق الضّروريّ.
- إذا كان الإطلاق الاصطلاحيّ ممكنًا فقط في فرض كون التّقييد ممكنًا لكون النّسبة بينهما هي الملكة والعدم، فليس المراد من إمكان التّقييد ما هو ثابت بلحاظ شخص المورد بل ما يكون ثابتًا بلحاظ نوع الموارد؛ لذا يكون عدم تقييد الامر بقصد الامتثال كافيًا لانعقاد الإطلاق. فصحيح أنّ تقييد الأمر بقصد الامتثال ممتنع لكن لكون تقييد الأمر بسائر القيود ممكنًا، كفى ذلك للقول بالإطلاق من جهة قصد الامتثال.
وقد علّق شيخنا الأستاذ بأنّه:
- بناءً على ما ذكرنا في بيان كلام المحقّق النّائينيّ لا يرد الإشكال الأوّل، لأنّ مقصوده من الإهمال هو نفي الإطلاق الكاشف عن عدم دخالة القيد في الغرض.
- لا يتمّ ما ذكره من الإطلاق الضّروريّ، فليس كلّ عدم تقييد إطلاق، بل الإطلاق هو خصوص عدم التّقييد الّذي ينفي دخالة القيد في الغرض، وفي فرض استحالة التّقييد لا يكون عدم التّقييد كاشفًا عن عدم دخالة القيد؛ وليس النّزاع لفظيًّا هنا.
- ذهب السّيّد الخوئيّ إلى أنّه مع كون النّسبة بين الإطلاق والتّقييد هي نسبة الملكة والعدم، إلّا أنّه حيث أمكن التّقييد بلحاظ نوع الموارد الأخرى، أمكن التّمسّك بالإطلاق في المورد الّذي يكون فيه التّقييد محالًا، ونظّر له بما يطلق عليه العلم والجهل مع كون النّسبة هي الملكة والعدم في الموارد الّتي يستحيل فيها حصول العلم (كالعلم بكنه الذّات المقدّسة)، إلّا أنّه مع ذلك يصحّ إطلاق الجهل، وليس ذلك إلّا لكون حصول العلم بالنّسبة إلى نوع المعلوم ممكنًا.
لكن ليس النّزاع هنا في الاصطلاح حتّى يقال يصحّ إطلاق الإطلاق على هذا المورد، بل المهمّ هو هل يمكن استكشاف عدم دخالة القيد في الغرض من خلال عدم التّقييد أم لا؟
فما يراه المحقّق النّائينيّ هو أنّ الغرض إمّا يتحقّق في المقيّد وإمّا في المطلق، ولكن ما كان غير قابل للتّقييد بهذا القيد لا يمكن أن يكون كاشفًا عن عدم دخالة القيد في الغرض، ولذا يكون الجعل مهملًا.
- والأعجب ما ذكره السّيّد الصّدر من إشكال: فهو بعد أن أجاب على إشكال السّيّد الخوئيّ بأنّ النّزاع هنا ليس لفظيًّا وأنّ المهمّ هو النّظر فيما إذا كان عدم التّقييد كاشفًا عن عدم دخالة القيد في الغرض أم لا، أشكل على المحقّق النّائينيّ بأنّ النّسبة بين الإطلاق والتّقييد هي نسبة السّلب والإيجاب لا الملكة والعدم في مقام الثّبوت بحيث إذا لم يكن الجعل مقيّدًا كان مطلقًا بالضّرورة لاستحالة ارتفاع النّقيضين.
والرّدّ على هذا الإشكال واضح، إذ إنّ الجعل الأوّل لم يقيّد، لكنّ عدم تقييده لا يكشف عن عدم دخالة القيد؛ فهل يدّعي السّيّد الصّدر بأنّه في هذه الموارد وبواسطة عدم التّقييد نشتكشف عدم دخالة القيد في الغرض؟ وما أجاب به السّيّد الصّدر على إشكال السّيّد الخوئيّ يرد جوابًا على إشكاله أيضًا.
- وأمّا الإشكال بأنّ الإهمال في مقام الثّبوت محال، فلا معنى لأن يكون الجعل الأوّل مهملًا فهو غير وارد أيضًا. فصحيح أنّ الإهمال في مقام الثّبوت محال لكن بمعنى أنّ الغرض في مقام الثّبوت لا يمكن أن يكون مهملًا من جهة دخالة أو عدم دخالة القيد في الغرض، فالقيد إمّا دخيل في الغرض وإمّا لا؛ أمّا الإهمال بلحاظ الكشف عن التّقييد أو الإطلاق من جهة دخالة القيد أو عدمه فهو ممكن.
فحيث إنّ التّقييد في الجعل الأوّل ممتنع، لم يكن عدم التّقييد علامة على عدم دخالة القيد في الغرض، ولذا هو مهمل؛ فعدم إمكان الإهمال هو بلحاظ الغرض، في حين أنّ الإهمال المقصود من قبل المحقّق النّائينيّ هو بلحاظ الكشف عن الغرض، ولذا يصرّح المحقّق النّائينيّ نفسه بعدم إمكان الإهمال في مقام الثّبوت.
هذا كلّه في أخذ العلم بالحكم في موضوع شخص الحكم.
أمّا أخذ العلم بالحكم في موضوع حكم مضادّ فقد ذهب المحقّق الآخوند إلى استحالته لاستلزامه اجتماع الضّدّين، كأن يقال "إذا علمت بوجوب الصّلاة فقد حرمت عليك". فمقتضى تعلّق العلم الطّريقيّ بالحكم هو كون الصّلاة واجبة، فإن فرضت في نفس هذا الفرض حرامًا اجتمع الضّدّان وهو محال، وإن فرضت في نفس هذا الفرض غير واجبة اجتمع النّقضيان.
وقد أجاب البعض عن هذا الإشكال بأنّ التّضادّ من الصّفات الحقيقيّة العارضة على الأمور التّكوينيّة، ولا معنى لها في الأمور الاعتباريّة، مع أنّهم معتقدون باستحالة أخذ العلم بالحكم في موضوع حكم مضادّ لكن من حيث إنّ جعل حكم قد قيّدت فعليّته بفرض عدم وصوله بحيث لا يكون فعليًّا عند الوصول لغو.
أي إنّ الحكم المقيّد بحال ما لم يصل لغو، لكونه راجعًا إلى أخذ عدم العلم بالحكم في موضوع الحكم، فكما أنّ أخذ العلم بالحكم في موضوع الحكم لغو كذا أخذ عدم العلم بالحكم في موضوع الحكم لغو.
وعلّق عليه شيخنا الأستاذ بأنّ تقييد موضوع الحكم بعدم العلم بالحكم لا محذور فيه؛ نعم لو كان الحكم مقيّدًا بعدم الوصول مطلقًا لكان لغوًا. ومن هنا ترى المحقّق النّائينيّ قد عمد إلى توجيه كلام الأخباريّين بالقول بأنّ الشّارع قد قيّد موضوع الحكم بالعلم من طريق خاصّ، أي جعل موضوع الحكم هو العلم الحاصل من المقدّمات الشّرعيّة.
وبالتّالي، لا محذور في أن يقول المولى "لا حكم حيث تحصّل علم به من أيّ طريق، ويثبت الحكم حال احتماله"، لأنّ الوصول لا يساوي العلم، والوصول بغير العلم ممكن، فلا يكون هكذا جعل لغوًا، بل بهذا النّحو من الجعل يمكن جعل الاحتياط، وقد يكون غرض الشّارع فيها هو الاتيان بالعمل على نحو الاحتياط ورعاية للاحتمال.
العلم يختلف عن الوصول؛ إذا جعل الشّارع الحكم مقيّدًا بعدم الوصول بنحو مطلق بحيث يكون الحكم منتفيًا حتّى مع احتمال الحكم، فهنا يكون الجعل لغوًا. أمّا أن يقيّد الجعل بعدم الوصول بالعلم فنتيجته كون ثبوت الحكم في مورد احتماله ممكنًا، فلا يكون لغوًا، بل وقوع هذا النّحو من الجعل في الشّريعة محتمل.
فليست الفائدة الوحيدة للحكم هي تنجّزه، بل من فوائد جعل الحكم إمكان الاحتياط أيضًا، لذا جعل الحكم الّذي لا يتنجّز على الإطلاق لغو، فجعل الحكم المقيّد بعدم الوصول حتّى الاحتماليّ لغو.