اصالة الصحة في المعاملات
بسم الله الرحمن الرحیم
الحمدلله رب العالمین و صلی الله علی سیدنا محمد و آله الطیبین الطاهرین لاسیما بقیة الله فی الأرضین و لعنة الله علی اعدائهم أجمعین الی قیام یوم الدین
تقدّم أنّ قوله تعالی «أوْفُوا بِالْعقود» لا تدلّ على صحّة العقد، ولكنّا سلّمنا أنّه إذا كان الفعل بقطع النظر عن هذه الآية مشروعاً، فإنّ الآية تدلّ على صحّة العقد الوارد عليه. وتوضيح ذلك:
إذا كان عملٌ ما مشروعاً ومباحاً بقطع النظر عن العقد ــ ولو ثبتت مشروعيته بالأصل العملي ــ فإذا جُعل هذا العمل متعلَّقاً للعقد بأن يقع الالتزام بفعله، فإنّ العقد يكون مشروعاً وصحيحاً، كما لو كان بناءُ دارٍ عملاً مشروعاً، فإذا أُنشئ العقد على الالتزام بإنجاز هذا العمل، دلّت الآية على صحّة ذلك العقد. أمّا إذا أُنشئ العقد على ملكيّة نفس العمل مثلاً، فلا يمكن إثبات صحّته بهذه الآية.
فكلّ موردٍ يكون فيه متعلَّق العقد مشروعاً بقطع النظر عن الالتزام به، فالعقد صحيح ولازم ولا يجوز فسخه. وأمّا إذا لم تثبت مشروعية متعلَّق العقد بقطع النظر عنه، فلا تشمله الآية الشریفة. فمثلاً: إذا لم تثبت مشروعية ملكيّة المنفعة من قبل، لا يمكن بالآية إثبات صحّة إنشاء عقدٍ على ملكيّة المنفعة.
ففی عقد التأمين مثلاً، إن كان متعلَّق العقد هو اشتغال ذمّة المتعهّد عند وقوع الضرر بالمؤمَّن له، فلا يمكن تصحيحه بالآية؛ أمّا إذا كان متعلَّق العقد هو تعهّد شركة التأمين بدفع الخسارة الواقعة على المؤمَّن له، فحينئذٍ تدلّ الآية على صحّة العقد ولزومه.
فالآية وإن لم تدلّ على مشروعية مطلق المعاملات، إلا أنّها تدلّ على مشروعية تلك المعاملات التي يكون متعلَّقها مشروعاً بقطع النظر عن الآية.كذلك إذا ثبتت مشروعية معاملةٍ بدليل آخر، فهذه الآية تدلّ على لزومها. وما قلناه من أنّ الآية لا تُنشِئ التزاماً زائداً على ما التزم به المتعاقدان لا ينافي ذلك، لأنّ كلّ عقد هو التزام مطلق بمضمون المعاملة، وهذا الالتزام المطلق يعني التعهّد بلزومها، والآية تنفّذ هذا الالتزام.
ومثال ذلك: أنّ توكيل شخصٍ في عملٍ ما أمرٌ مشروع، ولذا يمكن جعله متعلَّقاً للعقد ويكون عقد الوكالة مشروعاً. ولكن الوكالة يمكن أن تكون على نحوين: وكالة بلا عزل، ووكالة يكون للموكّل فيها حق عزل الوكيل. بل حتى لو أُريد اشتراط الوكالة في ضمن عقد آخر فما لم تثبت مشروعية الوكالة بلا عزل، لا يمكن إثبات صحّتها بالآية. نعم، يمكن للإنسان أن يشترط عدم عزل الوكيل، ولكن لا يمكنه أن يشترط أنّه لو عزله لم يصحّ العزل وبقيت الوكالة، لأنّ مشروعية الوكالة بلا عزل مشكوكة.
وممّا ذكرناه يتّضح الإشكال في الاستدلال بقوله تعالی: (و أوفوا بالعهد) أیضاً.
وقد تعرّض بعض مشايخنا (رضوان الله تعالی علیه) تفصيلاً لمعنى العهد. ونحن نرى أنّ العهد ليس بمعنى العهد المبرم (المِيثاق)، وإن كان يُستعمل فيه، بل معناه الأمر المعروف المسبوق. مثل: «عَهْدي بِكَ أنك رجل كريم» أو «عَهِدَ إليه شيئاً» أو «عَهدي إليك قريب» أو «عَهدي إليك بعيد» ونحو ذلك.وجاء في كلام الخليل أنّ العهد بمعنى الاحتفاظ، أي التعهّد بشيء بمعنى التحفّظ عليه، ولكنّا نرى أنّ هذا ليس هو المعنى الحقيقي للعهد، بل هو الأمر المتعيّن الذي للشخص به سابقة. فقوله: «عهدي بك أنك تاجر» يعني أنّ سابق معرفتي بك أنّك كنت تاجراً.
ومن جملة ما يُطلق عليه العهد بهذا المعنى: الميثاق والعقد؛ وعهديّته باعتبار سبقه لا باعتبار كونه ربطاً أو عقدة. فالعهد ليس بمعنى الربط، ولكن حيث إنّ الميثاق أيضاً أمرٌ مسبوق، سُمّي عهداً. والاستعمالات القرآنية للعهد تدلّ على هذا المعنى. ولذا فالعهد لا يعني الميثاق، لكنه يشمله ويشمل المعاملات أيضاً.
ومفاد الآية: وجوب الوفاء بالعهد، أي لزوم الوفاء به، سواء كان العهد صادراً من المكلّف، أو كان عهداً معروفاً مسبوقاً ولو لم يكن صادراً عنه، فيشمل «العهد إلى المخاطب». فيجب الوفاء بكلّ ما هو عهد، سواء كان «عهداً لكم» أو «عهداً عليكم» أو «عهداً إليكم». ولا يشترط موافقة المخاطَب عليه، فالتكاليف الإلهية عهد من الله إلى الناس، ويجب عليهم العمل بها وإن لم يبرموا ميثاقاً مع الله بذلك، بخلاف آية الوفاء بالعقود، فإنّ المقصود منها عقود المكلّفين أنفسهم.
وعلى كلّ حال، فالإشكال الذي أوردناه على الاستدلال بآية وجوب الوفاء بالعقود واردٌ بعينه على الاستدلال بهذه الآية أيضاً؛ لأنّ العهد عنوان ثانوي،فلا يمكن به إثبات مشروعية العمل وصحّته.

