اصالة اللزوم في المعاملات
بسم الله الرحمن الرحیم
الحمدلله رب العالمین و صلی الله علی سیدنا محمد و آله الطیبین الطاهرین لاسیما بقیة الله فی الأرضین و لعنة الله علی اعدائهم أجمعین الی قیام یوم الدین
وصل البحث الی لزوم العقود. فبعد فرض صحّة عقدٍ ما، فهل مقتضى القاعدة هو لزومه؟
وقد أشار الشيخ الأعظم(رضوان الله تعالی علیه) إلى جملة من الأدلّة؛ بعضُها لا يشمل كلَّ عقد، و الآخر يعمّ جميع العقود والمعاملات. والدليل السابع عنده هو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، فإن تمّت دلالته لم تختصّ بالعقود المالية، بل تشمل كلَّ عقد.
والدليل الثامن قوله(صلی الله علیه و آله و سلّم): «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» ، بناءً على أن للشرط معنىً واسعاً يشمل العقد أيضاً وإن لم يكن كل شرطٍ عقداً. نعم، قد نبّهنا سابقاً على أنّ مثل الوعد ليست شرطاً كما أنها ليست عقداً، ولكن العقود والإيقاعات كلُّها شرط. وقد احتمل بعضُهم أنّ الشرطَ هو الالتزام الواقع ضمن التزامٍ أو أمرٍ آخر، وأن الالتزامات الابتدائية ليست شرطاً؛ لكن الظاهر أنّ حقيقة الشرط لا تتقوّم بكونه في ضمن التزامٍ آخر، بل الالتزامُ المستقل أيضاً شرط، ولذا يكون النذر شرطاً.
وقبل التعرّض لدلالة هذين الدليلين، لابد من ذكر مقدّمة:
اللُّزوم على ثلاثة أنحاء:
الأول: اللزوم الحكميّ، وليس المرادُ منه هنا ما یقابل اللزوم الحقّي، بل ما یقابل اللزوم الإنشائي. أي قد يكون اللزومُ حكماً من الشارع من دون أن يُنشِئَه المتعاقدان. وهذا هو المشهور في كلمات الفقهاء في الاستدلال بآية «أوفوا بالعقود»، فاللّزومُ عندهم حكمٌ جعله الشارع، لا أنه أمرٌ أنشأه المتعاقدان.
الثاني والثالث: اللزوم الإنشائيّ، وهو اللزوم الذي ينشئه العاقد، وقد يمضيه الشارع وقد لا يمضيه. كما لو اشترط المتبايعان سقوطَ خيار المجلس.وبعبارة أخرى: كما أن البيع والتملّيك منشأٌ من قبل المتعاقدين، وأن الشارع لم يجعل الملكية من عنده بل أمضى ما أنشأه المتبايعان، كذلك اللزوم قد يكون منشأً منهما، فيمضيه الشارع أو لا یمضیه.
وهذا اللزوم المنشأ منهما يكون حقّياً دائماً، بينما اللزومُ الحكميّ الذي يجعله الشارع ابتداءً قد يكون حقّياً ـ كلزوم البيع ـ وقد لا يكون ـ كلزوم النكاح.
وهذا اللزومُ الإنشائيّ على نوعين: تارةً يكون من قبيل شرط الفعل، وتارةً من قبيل شرط النتيجة. فالأول: التزامٌ بعدم فسخ العقد، من دون أن يكون الفسخُ باطلاً. والثاني: إسقاطُ حق الفسخ على نحوٍ لا يقع معه الفسخُ ولا يكون صحيحاً.
وبعد هذه المقدّمة نقول: إن المشهور بين الفقهاء أنّ اللزوم الثابت في العقود، وخصوصاً البيع، هو اللزومُ الحكميّ، أي المعنى الأول، وأن الشارع هو الذي أنشأ اللزوم ابتداءً، لا المتعاقدان.
ولكنّ هذا عندنا غيرُ تامّ. نعم، للشارع أن يجعل اللزومَ ابتداءً، بل له أن يجعل خلاف ما أنشأه المتعاقدان، لكنه يحتاج إلى دليلٍ خاص. وأما إطلاقاتُ أدلّة المعاملات فليس المستفاد منها إلا الإمضاءُ والتنفّيذ، لا الجعلُ الابتدائي. فالشارع إنما يُمضي ما أنشأه المتعاملان ولا يجعل حكماً ارتجالياً زائداً عليه. نعم، قد لا يمضي ما أنشئاه، لكن جعل ما لم ينشَأ ابتداءً غير مستفاد من الإطلاقات،وجهه أنّ هذه الأدلّة في مقام الإمضاء لا الإنشاء. فمعنى «أوفوا بالعقود» هو الوفاءُ بما عقدتموه، ومعنى «المؤمنون عند شروطهم» الالتزامُ بما شرطوه.
فاللزوم من الأمور التي يمكن إنشاؤها زائداً على أصل المعاملة کالشرط، فالشارع يمضي العقد بما أنشأه المتعاقدان. فإن أنشئا اللزوم أمضاه، وإن أنشئا حقّ الفسخ أمضاه، ولذا فإن مفاد وجوب الوفاء بالعقد لا ينافي جعل الخيار ضمن العقد.
و اللزومُ الإنشائيّ يتحقق بطريقين:
1. إنشاء عنوان اللزوم صراحة.
2. إنشاء العقد على نحو الإطلاق، وهو المرتكز عرفاً، ومساوقٌ للزوم.
واللزومُ ذو مراتب: فقد يكون مطلقاً، وقد يكون نسبياً، كما إذا أُنشئ خيارٌ لمدة يوم، فيكون اللزومُ ثابتاً لما بعد اليوم. وأدلّة الإمضاء تمضي هذا المنشأ كذلك.

