اقسام المعاطاة
بسم الله الرحمن الرحیم
الحمدلله رب العالمین و صلی الله علی سیدنا محمد و آله الطیبین الطاهرین لاسیما بقیة الله فی الأرضین و لعنة الله علی اعدائهم أجمعین الی قیام یوم الدین
التنبیه الرابع
أشار الشیخ الأعظم(رضوان الله تعالی علیه) فی هذا التنبیه إلى أقسام المعاطاة بحسب قصد المتعاطیین و ذکر أنها بهذا اللحاظ أربعة، غير أنّه في أثناء البحث أشار إلى قسمين آخرين أيضاً، فيكون المجموع ستة أقسام.
القسم الأوّل: ما إذا كان قصد المتعاطيين هو تمليك شيء في مقابل عوض، أي إنّ الطرف المقابل لا يصير مالكاً إلاّ بعد انتقال العوض إلى هذا الطرف. وفي هذا القسم لا يكون إعطاء الطرف المقابل دخيلاً في حقيقة المعاطاة، بل فعله مجرّد وفاء بتعهد تحقّق بقبوله تمليك الطرف الآخر.
فمجرّد إعطاء أحد الطرفين وأخذ الطرف الآخر یحققّ المعاطاة، وأمّا إعطاء الطرف المقابل فليس إيجاباً ولا قبولاً، بل هو مجرّد وفاء بالتعهد. وعلى هذا، لو مات أحدهما قبل بذل العوض كانت المعاملة تامّة فلا تنفسخ.
ففي هذا القسم الأوّل، یکون قوام المعاملة بإعطاء أحد الطرفين، ولا يكون لإعطاء الطرف الآخر أيّ دور في حقيقة المعاملة. ومن هنا يكون إطلاق عنوان المعاطاة على هذه المعاملة ـ مع أنّ ظاهر المعاطاة هو الفعل من الطرفين ـ من قبيل إطلاق المصالحة والمزارعة والمساقاة ونحوها على المعاملة، مع أنّ الإيجاب فيها من طرف والقبول من طرف آخر، ودفع العوض إنّما هو من باب الوفاء بالتعهد.
وقد ذكر الشيخ الأعظم(رضوان الله تعالی علیه) أنّه حيث لا يوجد عنوان المعاطاة في الأدلّة، فلا يترتّب أثر على تحقّق هذا العنوان ، بل المهمّ هو صدق عنوان البيع، و هو يصدق بإلاعطاء من طرف والأخذ من الطرف الآخر، فتترتّب علیه احکام البیع حینئذ، بل تقدّم أنّ الإعطاء نفسه ليس لازماً، بل تتحقّق المعاملة بوصول العوضين إلى الطرفين. وعلى هذا الأساس قلنا أيضاً إنّ العقد اللفظي إذا أُنشئ من دون مراعاة الشروط المعتبرة في الصيغة ـ بناء علی اعتبارها ـ ، فهو مع ذلك مشمول للأدلّة.
القسم الثاني: ما إذا كان قصد المتعاطيين هو التمليك في مقابل التمليك، أي إنّ التمليك مقيّد بتمليك الطرف الآخر. فالتملّك هنا بإزاء التمليك، لا بإزاء المملوك و العوض. ومن هنا يختلف عن البيع، لأنّ البيع مبادلة مال بمال، أي شيء في مقابل شيء، أمّا هنا فالفعل في مقابل الفعل. فإذا ملّك أحد الطرفين ولم يملّك الطرف الآخر ـ كما لو مات مثلاً ـ كانت المعاملة باطلة.
وفي هذا القسم تكون حقيقة المعاطاة قائمة بفعل الطرفين، أي إنّ إعطاء الطرف المقابل جزء من حقيقة العقد، بحيث لا يملك ما لم يُعطِ.والعقد في هذا القسم ذو جزأين، أي قائم بتمليكين، بحيث لو لم يُملّك الطرف القابل لم يملك هو أيضاً.
ومن هنا يظهر الفرق بين هذه المعاملة وبين الهبة المعوّضة، لأنّ الملكية في الهبة المعوّضة لا تتوقّف على تمليك الطرف الآخر، بل يحصل التملّك قبل تمليكه، غاية الأمر أنّ للواهب الأول الرجوع في الهبة اذا لم یهب الواهب الثانی.فالموهوب في الحقيقة ليس معوّضاً، بل حتى الهبة نفسها ليست معوّضة، وإنّما هي مشروطة بدفع العوض، وهي مؤثّرة في نفسها حتى من دون الشرط، غاية الأمر أنّ لزومها يتوقّف على الوفاء بالشرط، ومع عدم الوفاء يجوز الفسخ. ولذا فإطلاق الهبة المعوّضة عليها إطلاق مسامحي، والصحيح أنّها هبة مشروطة بالعوض، والوفاء بالشرط ليس داخلاً في حقيقة الهبة.
فهذا القسم الثاني يشارك القسم الأوّل من جهة وجود قصد التمليك، غير أنّ القسم الأوّل لم يكن قائماً بفعل الطرفين، بخلاف هذا القسم، فإنّه قائم بفعل الطرفين، وإعطاء الطرف المقابل جزء مقوِّم للعقد.
وقد ذكر الشيخ الأعظم(رضوان الله تعالی علیه) في ذيل هذا القسم قسماً آخر، وهو ما إذا كان تمليك الطرف المقابل على نحو الداعي.ومراده من الداعي هنا ليس معناه المصطلح، بل هو في مقابل التقييد؛ فإنّ الدواعي المصطلحة في المعاملة لا دخل لها فيها، ولا يكون المنشأ مقيّداً بها. أمّا الداعي هنا فبمعنى الشرط، أي التمليك المشروط بالتمليك، كالهبة المشروطة بالعوض.
القسم الثالث: ما إذا كان قصد الإباحة في مقابل العوض، كما لو أباح الماء في مقابل عوض. ففي هذه الصورة يملك العوض، وبعبارة أخرى لا تكون العين مباحة للطرف المقابل إلاّ إذا صار المبيح مالكاً للعوض. وهنا أيضاً تكون المعاملة قائمة بإعطاء من طرف واحد، ولا يكون لإعطاء الطرف الآخر دور في حقيقة المعاملة، كما في الصورة الأولى.
القسم الرابع: قصد الإباحة مقيّدة بإباحة من الطرف المقابل، وتكون المعاملة قائمة بفعل الطرفين، كما في الصورة الثانية.
وفي ذيل هذا القسم أشار الشيخ الأعظم(رضوان الله تعالی علیه) إلى القسم السادس أيضاً، وهو فرض ما إذا كانت الإباحة بداعي الإباحة من الطرف المقابل، أي مشروطة بإباحته.
و معلوم أن هذا البحث من الشيخ وتقسيماته بحث ثبوتي لا إثباتي.ثمّ أشار الشيخ بعد ذلك إلى حكم هذه الأقسام.
ومن الأبحاث المطروحة هنا: كيف يمكن إعطاء الشيء على نحو الإباحة لجميع التصرّفات، حتى التصرّفات المتوقّفة على الملك؟ بعد وضوح أنّ باب المعاطاة ليس باب تشريع، وصحيح أنّ الناس مسلّطون على أموالهم، لكنّهم غير مسلّطين على أحکامهم. فكيف يجوز تصرّف يتوقّف شرعاً على الملك من دون حصول الملكية؟
وبحث آخر هو صحّة القسم الثالث والرابع، بل وحتى القسم الثاني، وسيأتي توضيح ذلك إن شاء الله تعالی.

