اقسام المعاطاة
بسم الله الرحمن الرحیم
الحمدلله رب العالمین و صلی الله علی سیدنا محمد و آله الطیبین الطاهرین لاسیما بقیة الله فی الأرضین و لعنة الله علی اعدائهم أجمعین الی قیام یوم الدین
تقدّم أنّ الشیخ الأعظم (رضوان الله تعالی علیه) ذهب الی صحة المعاطاة في الموارد التي يكون فيها قصد التمليك بعوض، أو التمليك في مقابل التمليك ـ سواء أكان ذلك على نحو القيد أم على نحو الشرط ـ، لكنه أثار إشکالاً في الموارد التي يكون فيها القصد هو الإباحة، سواء كانت الإباحة بعوض أم الإباحة في مقابل الإباحة ـ سواء كانت قيداً أم شرطاً ـ، وحاصل إشكاله أن المالك لا يستطيع أن يُبيح التصرفات المتوقفة على الملك، لأنه لم يُنشئ التمليك، والشارع إنما أمضى ما أنشأه، وإباحة التصرفات المتوقفة على الملك مع فرض عدم تحقق الملك ليست مشروعة، حتى يكون لإنشائها من قِبل المالك قيمة و يترتب عليه إمضاء الشارع.
مضافاً إلى ذلك، فإن العقد الذي يكون مفيداً للإباحة لأحد الطرفين، ومفيداً للملكية للطرف الآخر، ليس عقداً معهوداً.
وبالنسبة إلى الإشكال الأول أفاد الشيخ الأعظم(رضوان الله تعالی علیه) بأنّ حل الإشكال ـ وهو إباحة التصرفات المتوقفة على الملك ـ غير ممكن إلا بتصوير أحد الأمور التالية: إما افتراض تحقق الملكية، أو التوكيل في تملك العين أو عوضها، أو أن يكون نفس هذا الإنشاء متضمناً لإنشاء التمليك، أو أن يحكم الشارع بملكية المباح له. ولا شيء من هذه الأمور موجود في محل البحث.
أما الطريق الأول فغير موجود، لأن المفروض أن العاقد إنما أنشأ الإباحة فقط، لا التوكيل في تملك العين أو عوضها، ولا تملیك العين نفسه.وأما الطريق الثاني فغير موجود أيضاً، لعدم وجود دليل خاص يدل على ملكية المباح له، بحيث تكون النتيجة أنه مع أن العاقد لم يُنشئ إلا الإباحة، إلا أن الشارع يجعل للطرف الآخر ملكية تعبدية.
ثم أشار (رضوان الله تعالی علیه) إلى أنه قد يتوهم أن الطريق الثاني لا يحتاج إلى دليل خاص، بل يمكن إثبات هذه النتيجة بالإطلاقات والعمومات، أي يمكن الاستفادة من الأدلة العامة أن الشارع جعل الملكية للمباح له في هذه الموارد. وبيان ذلك أن دليل «تسلّط الناس على أموالهم» يدل على أن الناس يمكنهم أن يقوموا بأي تصرف يشاؤونه في أموالهم، وقد أمضى الشارع ذلك، ومن جهة أخرى قال الشارع إن البيع أو العتق ونحوهما لا يصح إلا مع الملكية. والنتيجة من هاتين المقدمتين أن الشارع في الموارد التي أباح فيها المالك تصرفاً متوقفاً على الملك، وقد أمضاه الشارع، يجعل الملكية للمباح له.
فمفاد تسلط الناس على أموالهم هو أن للناس أن يأتوا بكل تصرف يريدونه في أموالهم، ومن جملة تلك التصرفات الترخيص للغير في التصرفات المتوقفة على الملك، فالشارع جعل مثل هذا التسليط للمالك. وبناءً عليه، يكون للمالك ـ بحسب نظر الشارع ـ أن يأذن لشخص في أن يبيع ماله لنفسه (لا للمالك) من دون أن يُنشئ التمليك، ومن جهة أخرى قال الشارع إن البيع لا يجوز إلا مع الملكية. فالجمع بين هذين الدليلين يقتضي أن الشارع جعل الملكية للمباح له في هذه الموارد.غير أن مفاد هذا الدليل العام ليس جعل الملكية من حين العقد، بل الملكية الآنية فقط؛ لأن الذي تحقق من حين العقد هو جواز البيع للمباح له، وجواز البيع لا يتوقف على الملكية، وإنما البيع نفسه متوقف على الملكية، فحينما يبيع المباح له المال، يصیر مالكاً له آناً ما قبل البيع بجعل الملكية الشرعية له.
الا أنّ الشيخ الأعظم (رضوان الله تعالی علیه) لم يقبل هذا البيان، وذهب إلى أن إثبات الملكية للمباح له يحتاج إلى دليل خاص، ولا يمكن إثباته بالأدلة العامة.
وذلك لأن مفاد «الناس مسلطون على أموالهم» هو أن الناس يجوز لهم أن يتصرفوا في أموالهم بكل تصرف غير ممنوع بمعنى أن التصرفات الممنوعة خارجة موضوعاً عن مفاد هذا الدليل. وبتعبيره: إن أدلة المنع عن التصرف غیر المشروع مقدمة بالحكومة على دليل تسلط الناس على أموالهم.
فإذا كان البيع من دون ملك غير مشروع، فلا يكون للمالك مثل هذا التسليط على ماله، وبذلك لا يوجد تعارض بين دليل تسلط الناس على أموالهم ودليل عدم جواز البيع إلا في الملك، حتى يقال بوجود الدوران، ويلتزم لأجل الجمع بينهما بجعل الملكية الآنية.
وعلى هذا الأساس، ففيما لو نذر شخص أن يعتق عبد غيره، لا يوجد تنافٍ بين دليل وجوب الوفاء بالنذر ودليل توقف العتق على الملكية؛ لأن دليل وجوب الوفاء بالنذر إنما يدل على وجوب الوفاء بالنذر في الموارد المشروعة، فيكون دليل «لا عتق إلا في ملك» حاكماً على دليل وجوب الوفاء بالنذر، ولا يوجد بينهما تعارض، فالشارع إنما أمضى النذر الذي لم يردع عن العمل به، وإذا كان العتق في غير الملك ممنوعاً عنده، فإن نذر عتق عبد الغير لا يكون مشمولاً أصلاً لدليل وجوب الوفاء بالنذر، حتى يتحقق التعارض بينه وبين دليل عدم جواز العتق إلا في الملك.
فبالنتيجة أن مفاد «الناس مسلطون على أموالهم» هو إمضاء التصرفات التي لا دليل على منعها، فإذا لم يوجد دليل على المنع، دلّ هذا الدليل بنفسه على جواز ذلك التصرف، وأما إذا وجد دليل على منع تصرف معين، فإن ذلك الدليل يكون حاكماً على تسلط المالك على ماله، ولا يكون بينهما تعارض.وعليه، فدليل «الناس مسلطون على أموالهم» مشرِّع، لكنه مشرِّع لما هو مشروع في نفسه، والمقصود من كونه مشروعاً في نفسه هو أن لا يكون هناك دليل على منعه. وليس مفاد هذا الدليل جواز التصرفات التي منع الشارع عنها بنفسه، فلا تصل النوبة إلى التعارض، ولا إلى دوران الأمر بين تخصيص أحد الدليلين بالآخر، ولا إلى القول بأن الجمع بينهما يتوقف على افتراض الملكية الآنية قبل التصرف المتوقف على الملك، حتى يقال إنه لو كان هناك دليل على هذا الجمع لخرج عن كونه جمعاً تبرعياً.
وأما تعبير الشيخ بالحكومة في هذا المقام، فلعله ليس مراداً به الحكومة بالمعنى الاصطلاحي، إلا أن المهم هو عدم وجود تعارض بين الدليلين، حتى يقال إن تقديم «الناس مسلطون على أموالهم» مع عدم إمكان تخصيص «لا بيع إلا في ملك» يستلزم جعل الملكية الآنية.

