شرائط اللفظ
بسم الله الرحمن الرحیم
الحمدلله رب العالمین و صلی الله علی سیدنا محمد و آله الطیبین الطاهرین لاسیما بقیة الله فی الأرضین و لعنة الله علی اعدائهم أجمعین الی قیام یوم الدین
أفاد الشيخ الاعظم (رضوان الله تعالی علیه): أنّه إذا كانت العربية معتبرة في الإنشاء، فلا بدّ أن يكون المنشئ عالمًا بمفاد العبارة، بل وبمفاد أجزائها أيضًا. وعليه، فلو كان يعلم إجمالًا أنّ العرب يستعملون لفظ «بعت» عند إنشاء البيع، إلا أنّه لا يعلم أنّ البيع عبارة عن تمليك العين بعوض، ولا يعلم أنّ التاء ضمير المتكلّم، ونحو ذلك، لم يصحّ الإنشاء؛ إذ لعلّ هذا الاستعمال عند العرب من قبيل الاستعمال الكنائي أو المجازي.
والمشهور بين الأصوليين أنّ الألفاظ المجازية مستعملة في معانيها المجازية مع نصب القرينة، إلا أنّ السكاكي ذهب ـ في خصوص المجاز الاستعاري ـ إلى أنّ اللفظ مستعمل في معناه الحقيقي، غاية الأمر أنّ ذلك مبنيّ على ادعاءٍ كاذب، وهو ادعاء كون المورد من أفراد ذلك المعنى الحقيقي. وقد عمّم السيد البروجردي(رضوان الله تعالی علیه) هذا المبنى إلى مطلق المجازات، وذكر أنّ حسن المجاز ولطافته متوقفان على استعمال اللفظ في معناه الموضوع له، ثم تطبيقه على المورد. وقد بيّنا في محلّه أنّ ما أفاده السيد البروجردي(طاب مثواه) وما ذكره السكاكي أمرٌ ممكن، إلا أنّه ليس متعيّنًا، كما أنّ ما ذهب إليه المشهور أيضًا ممكن، وهو كون اللفظ مستعملًا في المعنى المجازي، و لطافة المجاز ناشئة من انتقال الذهن ابتداءً إلى المعنى الحقيقي بواسطة الدلالة التصورية، ومن الأنس الحاصل بذلك، وهذا هو المصحّح للاستعمال أيضًا.
وقد استدلّ الشيخ الأعظم(رضوان الله تعالی علیه) على مدّعاه بأنّ عربية اللفظ ليست ذاتية له، وإنّما تتحقق باستعمال ذلك اللفظ في المعنى الذي وضعه العرب له واستعملوه فيه. وعليه، فلو استعمل شخص لفظ «بعت» في اللغة الفارسية بمعنى «وهبت»، لم يكن ذلك استعمالًا عربيًا، وإن كان اللفظ مماثلًا للفظ العربي. وإنما يصدق عليه أنّه عربي إذا استعمل في المعنى الذي وضعه العرب لذلك اللفظ.
وفيه: أنّ غاية ما يمكن الاستناد إليه في المقام هو الإجماع، والإجماع لا يقتضي أكثر من اعتبار إنشاء المعاملة باللغة العربية، مع العلم الإجمالي بأنّ هذا اللفظ صالح لإنشاء تلك المعاملة، ولا يقتضي العلم التفصيلي بمفاد اللفظ وأجزائه.
نعم، لا إشكال في أنّ باب المعاملات يختلف عن باب الصلاة؛ فإنّ قصد المعنى غير معتبر في الصلاة، ويكفي فيها مجرد التلفظ بالألفاظ المأمور بها، بخلاف المعاملة؛ فإنّها من مقولة الإنشاء، والإنشاء إمّا إيجاد للمعنى أو إبراز لما في الضمير ـ علی الخلاف المتقدم ـ ، وفي تحققه يكفي أن يعلم المنشئ إجمالًا أنّ هذا اللفظ العربي يُنشئ ذلك المضمون ويُوجد ذلك الاعتبار.
على أنّ أصل دعوى توقف صدق العربية على المعرفة التفصيلية بالمعنى غير تامة؛ إذ يكفي في صدق الاستعمال العربي العلم الإجمالي بالمعنى، واستعمال اللفظ فيما يعلم إجمالًا أنّ العرب يستعملونه فيه.
ثم إنّ الشرط الآخر الذي تعرّض له الشيخ هو اعتبار الماضوية في صيغة العقد، بمعنى أنّ العقد إذا أُنشئ باللفظ فلا بدّ أن يكون الإنشاء بصيغة الماضي.
ولا يخفى أنّ اعتبار الماضوية لا يرجع إلى اشتراط اللفظ في نفسه، بل معناه أنّه على تقدير الإنشاء اللفظي يعتبر أن يكون اللفظ بصيغة الماضي.
وقد ذكر الشيخ لاعتبار الماضوية وجهين:
الأول: أنّ الصراحة في الإنشاء معتبرة، ولا صراحة في الإنشاء إلا في صيغة الماضي، وأما سائر الصيغ فهي محتملة للوعد أيضًا.
والثاني: أنّ المتعارف بين العقلاء هو إنشاء المعاملات بصيغة الماضي.
ثم قوّی (رضوان الله تعالی علیه) عدم اعتبار الماضوية، وأنّه متى قامت قرينة على إرادة الإنشاء كفى ذلك. نعم، يرى أنّ الإنشاء لا بدّ أن يكون باللفظ، فلا بدّ أن تكون القرينة لفظية، وأما القرائن غير اللفظية فلا أثر لها.
وأما نحن فقد تقدم منّا أنّ اللفظ ليس معتبرًا أصلًا في إنشاء المعاملات، وعلى تقدير الإنشاء باللفظ لا يعتبر أن يكون بصيغة الماضي، ولا أن يكون الإنشاء مستندًا إلى اللفظ وحده، بل يكفي قصد إيجاد ذلك الاعتبار بهذا اللفظ، وإن استعين في ذلك بالقرائن غير اللفظية. وعليه، فإذا قامت قرينة على أنّ المتكلم أراد إنشاء البيع بالفعل المضارع أو بالجملة الاسمية، كان ذلك كافيًا.
ثم تعرّض الشيخ لشرطٍ آخر، وهو اعتبار الترتيب بين الإيجاب والقبول. وقد ذكر أنّه نُسب إلى بعض الأعلام اعتبار تقدّم الإيجاب على القبول، إلا أنّ جماعةً لم يرتضوا هذا القول.
ونقل السيد المحقق الهاشمي (رضوان الله تعالی علیه) أنّ بعضهم و منهم الشیخ (طاب مثواه) فصّل في المقام بما حاصله: أنّ القبول في البيع قد يكون بلفظ «قبلت» أو بما يدل على الرضا بالبيع، وفي هذه الصورة يعتبر تأخر القبول عن الإيجاب. وقد يكون بلفظ «اشتريت»، فلا يعتبر فیها تأخر القبول عن الإيجاب.
وقد ذكر الشيخ الأعظم(رضوان الله تعالی علیه) وجهًا لهذا التفصيل، كما ذكر السيد الهاشمي (رضوان الله تعالی علیه) ثلاثة وجوه أخری ويراها مغايرة لما أفاده الشيخ (طاب مثواه).

