الفاظ المطلق: اسم الجنس
بحث الإطلاق والتّقييد هو أحد المباحث المهمّة في الأصول وله مجال واسع من التّطبيقات في الأدلّة النّقليّة في الفقه. وقد شاع عندنا اختلاف الرّوايات في الإطلاق والتّقييد كما في العموم والخصوص بحيث إنّ قصور البعض عن جمعها أودى بهم إلى الارتداد عن المذهب، حتّى أنّ الشّيخ الطّوسيّ صنّف كتاب الاستبصار للجمع بين الرّوايات المتخالفة والمتعارضة، ومنها الرّوايات المختلفة بالتّقييد والإطلاق.
وقد دعاه إلى تصنيفه ما اشتبه على البعض من الجمع، واستلزم منه إنكار عصمة الأئمّة عليهم السّلام وعلمهم بعدما قصر عن الجمع بين الاختلاف من جهة مع انحفاظ علمهم من جهة أخرى؛ والإطلاق والتّقييد هو أحد المباحث الرّافعة للتّعارض والاختلاف، وإلى جانبه مباحث أخرى منها مبحث التّعادل والتّراجيح. فكما أنّه لا يجوز وقوع الاختلاف في قوله تعالى كذا لا يجوز في أقوالهم عليهم أفضل الصّلاة والسّلام.
بدأ الشّيخ الآخوند بحثه من تعريف الإطلاق، وأنّه وفقًا لما درج عليه علماء الأصول -ومنهم صاحب الفصول- هو ما دلّ على شائع في جنسه، مثل لفظ "الرّجل" الدّال على كلّيّ ينطبق على أفراده.
وقد أشكل على هذا التّعريف طردًا وعكسًا:
- فهو من جهة ليس مانعًا للأغيار، لدخول بعض موارد العمومات تحته، حيث وُضعت ألفاظها للدّلالة على الشّمول والشّيوع في الجنس، فتكون هي والمطلقات على حدّ سواء، والحال أنّ العموم ليس إطلاقًا من جهات، منها ما ذهب إليه المتأخّرون من أنّ العموم يدلّ على الشّمول بالوضع فيما يدلّ الإطلاق عليه بمقدّمات الحكمة.
- ومن جهة أخرى ليس جامعًا لأفراده، فهو لا ينطبق على بعض المطلقات مع القطع بكونها منها؛ مثل اسم الجنس، فهو من أدوات الإطلاق على المعروف وعلى مختار الشّيخ الآخوند، ولكن قالوا إنّه لا يشمله هذا التّعريف، لأنّ مفاده ما دلّ على حصّة وكلّيّ وجنس ينطبق على أفراده، والحال أنّ اسم الجنس لا يدلّ على حصّة تشيع في أفراده بمعنى ليس الشّيوع والسّريان المستفاد منه من حيث نفسه بل غاية ما يدلّ عليه هي الماهيّة المبهمة على ما سيأتي.
لكنّ الشّيخ الآخوند وسيرًا على ما كان ذكره في مباحث متقدّمة، رأى أن لا فائدة من مناقشة التّعريف والأخذ والرّدّ فيه لعدم كونه في مقام التّحديد ولا التّرسيم، بل هو لا يعدو كونه مشيرًا على نحو الإجمال إلى أمر مرتكز، ومميّزا من قبيل شرح الاسم (لا على الاصطلاح المنطقيّ) كقولهم "السّعدانة نبتة"، ومتى كان كذلك فلا موضوع للجامعيّة والمانعيّة حتّى يُشكل عليه بعدم العكس وعدم الطّرد؛ فكأنّه بصدد الإشارة إلى الإطلاق في مقابل غيره كالأمر وما شاكل.
إذن، ليس المراد من هذه التّعاريف -ومنها هذا التّعريف- بيان الحدّ ولا الرّسم، فلا معنى للإشكال عليها. نعم، قد يقال إنّ القوم فهموا كونها في مقام التّحديد والتّرسيم ولذلك أخذوا بالإشكال عليها والنّقض والإبرام، ولعلّ ظاهر ما أوجده بعض المتأخّرين من تغييرات في التّعريف بما يرفع الإشكال يؤكّد كونهم بصدد التّعريف المنطقيّ الاصطلاحيّ.
وكيف كان، فالمهمّ عند الشّيخ الآخوند بعد الإشارة الإجماليّة إلى المرتكز في الذّهن عن الإطلاق بيان الألفاظ الّتي قيل بإفادتها للإطلاق، ولذا تعرّض لبيان أربعة من أدوات الإطلاق.
المورد الأوّل هو اسم الجنس:
أحد أدوات الإطلاق هو اسم الجنس الأعمّ من أسماء الجواهر كالإنسان والأعراض كالبياض والعرضيّات كالملكيّة والزّوجيّة.
مراد الشّيخ الآخوند من العرضيّات هو الاعتباريّات (على خلاف الاصطلاح)، ففي حين أراد بالأعراض الأمور المتأصّلة كالبياض والسّواد، أراد بالعرضيّات أمورًا غير متأصّلة في الخارج، بل اعتباريّة لا ما بإزاء لها في الخارج تقع موضوعًا للأحكام الشّرعيّة من قبيل الملكيّة والزّوجيّة الحرّيّة الرّقيّة وما شاكل.
المدّعى أنّه يستفاد الإطلاق في مورد أسماء الأجناس بضمّ مقدّمات الحكمة، وليس مراده كونها قد وُضعت لمعنى مطلق، إذ يرى المحقّق الآخوند كما ذهب إليه سلطان العلماء ومن بعده أنّ الإطلاق ليس مدلولًا وضعيًّا لأسماء الأجناس بل يستفاد من قرينة خارجيّة هي مقدّمات الحكمة.
أمّا المعنى الوضعيّ لاسم الجنس فهي الماهيّة المبهمة لا الماهيّة المطلقة؛ والمراد منها هو ذات المفهوم والمعنى والحقيقة بحيث لم يؤخذ فيها شيء خارج عن ذاتها وذاتيّاتها، على نحو إنّه حتّى لم يؤخذ فيها أنّها لم يؤخذ فيها إلّا ذاتها وذاتيّاتها، أي هو قصر النّظر على الماهيّة من دون قيد قصر النّظر عليها، فهذا اللّحاظ ليس جزءًا من المعنى الّذي وُضع له اسم الجنس؛ وفي المعبّر عنها في الكلمات بالماهيّة من حيث هي. وعلى هذا، فالماهيّة المبهمة قابلة للانطباق على الماهيّة المطلقة وكذا المقيّدة بالمعنى الاصطلاحيّ.
إذن، اسم الجنس وُضع للماهيّة المبهمة:
- ولم يوضع للماهيّة المقيّدة بوجود شيء ولا بعدم شيء، أي لا للماهيّة بشرط شيء ولا للماهيّة بشرط لا؛ فلم يدخل شيء من الخصوصيّات الخارجة عن الذّات لا وجودًا ولا عدمًا في المعنى الموضوع له اللّفظ؛
- وكذا لم يوضع للماهيّة الّتي لوحظ فيها عدم التّقيّد وهي اعتبارها على نحو اللّابشرط القسميّ وهي الماهيّة المطلقة اصطلاحًا عند الشّيخ الآخوند، بحيث يكون المعنى مركّبًا من ذات الماهيّة ومن لحاظ عدم القيد معها، ويكون الإطلاق أمرًا وجوديًّا، على خلاف ما ذكره بعض المتأخّرين كالسّيّد الصّدر من نفي هذا اللّحاظ في معناها.
ولذا هي أعمّ من الكلّ.
وعلى هذا، فاعتبارات الماهيّة المذكورة هنا أربعة: الماهيّة بشرط شيء وبشرط لا ولا بشرط القسميّ والماهيّة المبهمة المعتبرة من حيث هي.
والحقّ عنده كون اسم الجنس موضوعًا للماهيّة المبهمة كما أشرنا، بحيث يكون الإطلاق محتاجًا إلى دالّ وهي مقدّمات الحكمة، كما أنّ تقييد الماهيّة يحتاج إلى دالّ أيضًا.
أمّا لماذا لم يوضع اسم الجنس للماهيّة المطلقة كما كان معروفًا قبل سلطان العلماء؟
ذكر دليلًا هو الوجدان اللّغويّ، وقرنه ببرهان يفيد استحالة وضع اسم الجنس للماهيّة المطلقة؛ وبيانه:
إنّ استعمال أسماء الأجناس في غير المطلق كما في المقيّد وما شاكل (كالمجمل والمهمل) لا يحتاج إلى أيّ عناية، فالوجدان العرفيّ شاهد على أنّنا في مورد استعمال اسم الجنس في المقيّد لا نحتاج إلى تجريد معنى اللّفظ عن الإطلاق، ولا يكون استعمالنا من قبيل استعمال اللّفظ في غير المعنى الارتكازيّ الموضوع له. فلو قال المولى:"أكرم رقبة مؤمنة"، لم ير العرف المحاوريّ أيّ عناية ولا أيّ كلفة في استعمال الرّقبة ولا يكون من استعمالها في غير المعنى الّذي وُضعت له.
والحال أنّها لو وُضعت للماهيّة المطلقة لكان استعمالها في المقيّدة مجازيًّا وهي دعوى على خلاف الوجدان العرفيّ؛ بل لو وُضعت للماهيّة المطلقة لكان استعمالها في الماهيّة المطلقة مجازيًّا واستعمالًا لها في غير ما وُضعت له، وذلك أنّ الإطلاق أمر ذهنيّ لا ينطبق على الخارج، لأنّه لحاظ عدم القيد المضاف إلى ذات الماهيّة، واللّحاظ أمر ذهنيّ لا ينطبق على الخارج، فيتطلّب استعمالها منطبقة على الأفراد الخارجيّة تجريدها عن هذا اللّحاظ أيضًا، والحال أنّنا نستعملها فيها بلا شكّ وبلا كلفة ولا مؤونة ولا تجريد.
وبالتّالي، لا يصحّ القول بوضع أسماء الأجناس للماهيّات المطلقة المنطبقة على الخارجة، لأنّها لو كانت كذلك لاستحال انطباقها على الأفراد الخارجيّة حقيقة، وإن جاز انطباقها مجازًا، والحال أنّ العرف لا يدرك أيّ مجازيّة في المقام ويطبّقها على الخارج بسلاسة على نحو الاستعمال الحقيقيّ، وهذا لا يكون إلّا بالقول بأنّها موضوعة لمعنى لم يدخل فيه أمر ذهنيّ غير قابل للانطباق على الخارج من قبيل لحاظ عدم القيد. وليس هذا المعنى إلّا ذات الماهيّة من حيث هي هي مبهمة لم يلحظ فيها أيّ أمر خارج وأيّ لحاظ زائد حتّى لحاظ أنّها لم يلحظ فيها غيرها.
وعلّق شيخنا الأستاذ هنا بنكتتين:
الأولى: ذكر الشّيخ الآخوند أنّ الماهيّة المطلقة المأخوذة بنحو اللّابشرط القسميّ قد أُخذ فيها لحاظ عدم القيد، وقد تابعه على ذلك السّيّد الخوئيّ. في المقابل، لم يرتض ذلك السّيّد الصّدر، فليست الماهيّة بنحو اللّابشرط القسميّ هي المقيّدة بالإطلاق أي لحاظ عدم القيد، بل هي الّتي لم يؤخذ اللّحاظ فيها أيضًا. فعدم التّقيّد مفروض فيها لكن من دون تقيّدها بعدم التّقيّد، أي ليس هذا اللّحاظ داخلًا في المعنى. ويكفي للإطلاق عدم أخذ القيد ولا يلزم أخذ عدم القيد ليكون الإطلاق أمرًا وجوديًّا؛ وقد تفصّى بواسطة هذا البيان من جملة من الإشكالات.
ولكن لا فرق عمليّ بين القول بأنّ اللّابشرط القسميّ هو الماهيّة الّتي لم يلحظ فيها عدم التّقيّد كلحاظ وبين القول إنّها الماهيّة الّتي لُحظ فيها لحاظ عدم التّقيّد بحسب الواقع، فإنّه وإن كان أحدهما عدميًّا والآخر وجوديًّا وإن كان لذلك تمايزات من جهات، ولكنّ المفادين يصبّان عمليًّا في واقع واحد. ومن هنا ترى أنّ الماهيّة المطلقة _والإطلاق هو رفض القيود على كلّ حال_ تتّحد مع الماهيّة المهملة على مسلك السّيّد الصّدر فيما تختلفان على مسلك الشّيخ الآخوند ومن تبعه كالسّيّد الخوئيّ.
بقيّة الكلام تأتي إن شاء الله تعالى.

