الفاظ المطلق: علم الجنس
بعد أن تمّ الكلام في اسم الجنس، يقع الكلام في علم الجنس كواحدة من أدوات الإطلاق وألفاظه؛ فما هو معناه؟
المشهور بين علماء اللّغة وجود تمايز بين معنى اسم الجنس وعلمه، لكنّ الشّيخ الآخوند يرى عدم الفرق بين معنيهما، أي هما يتّحدان مفهومًا، فلا فرق بين لفظ الأسد وعلم جنسه أسامة ولا بين ثعلب وثعالة وهكذا.
نعم، لا بدّ من الالتفات إلى أنّ الجميع قائل بوجود نحو اشتراك بين اسم الجنس وعلمه على مستوى بحيث يكون بينهما جامع قريب، لكنّ النّقاش يقع في الاتّحاد المفهوميّ مع انتفاء التّمايز وما يقابله من قول بالتّمايز. فلفظا الأسد وأسامة يطلقان على حيوان بعينه، والسّؤال هل اشتراكهما تامّ على نحو يكونان من قبيل اللّفظين المترادفين أم لا؟
غاية الفرق بينهما عند صاحب الكفاية هو من جهة كون علم الجنس معرفة، تترتّب عليه كلّ آثار ذلك من قبيل جواز الابتداء به وما ذكروه في بابه من عدم دخول لام التّعريف عليه مثلًا لبطلان تعريف المعرّف. مع أنّ لام التّحلية يصحّ دخولها على الأسماء المعرفة في الجملة لا بالجملة، فيقال "الحسن والحسين" لكن لا يقال "الزيد" مثلًا، لوضوح كون اللّغة مبنية على السّماع لا على القياس، وهذا هو معنى التّعبّد اللّغويّ.
في المقابل، قالوا بكون مفاديهما مختلفين، أي إنّ ما تراه من معرفة علم الجنس ليس إلّا لوجود خصوصيّة في جهة ما أدّت إلى هذا الأثر، لا أنّه مجرّد اختلاف عرضيّ لا يرجع إلى أمر متأصّل في المعنى؛ وهذا يستفاد من كلمات المحقّق الأصفهانيّ والسّيّد الصّدر.
ويعتذر شيخنا الأستاذ للشّيخ الآخوند عن عدم استشعاره للتّمايز بينهما من حيث إنّه لم يكن عربيًّا، وبالتّالي لا يملك الوجدان اللّغويّ الخاصّ بهذه اللّغة، مع انعدام علم الجنس في الفارسيّة. ويقدّر شيخنا الأستاذ أنّ كثيرًا من الأخطاء في مثل هذه الأبواب عند العلماء الفرس وقعت بسبب قياسهم للغة العرب على لغتهم، والحال أنّ هذه المسائل ترجع إلى سماعيّات وتحتاج في تنقيحها وفصل القول فيها إلى وجدان لغويّ لابن تلك اللّغة.
هذا، وقد أشار صاحب الكفاية إلى أنّ المشهور بين أهل العربيّة كون أعلام الأجناس قد وُضعت للطّبيعة بما هي متعيّنة بالتّعيّن الذّهنيّ، ولذا فهي معارف؛ لكنّ هذا القول باطل لمحذورين:
الأوّل: التّعيّن إمّا ذهنيّ وإمّا خارجيّ، ومن البديهيّ أنّ أعلام الأجناس لم يتمّ وضعها للفرد الخارجيّ بما هو محتفّ بمشخّصاته الخارجيّة من زمان ومكان معيّنين وما شاكل، فلا بدّ أنّها موضوعة للتّعيّن الذّهنيّ، لكنّه باطل أيضًا. فليس وضعها للتّعيّن الذّهنيّ إلّا بمعنى أنّ يكون لحاظ التّعيّن داخلًا في المعنى الموضوع له اللّفظ على نحو الجزئيّة أو القيديّة.
فقد مرّ آنفًا، أنّ اسم الجنس عنده موضوع للطّبيعة الّتي لوحظت والّتي لا ينفكّ اللّحاظ عنها في مقام لحاظها وتصوّرها والوضع لها، لكن من دون أن يدخل هذا اللّحاظ في معناها. في حين أنّ مدّعى القائلين بالوضع للتّعيّن الذّهنيّ يرجع إلى دخول هذا اللّحاظ الذّهنيّ التّعيينيّ في معنى هذه الألفاظ. أي إنّ لفظ "أسامة" موضوع لمعنى الأسد بقيد أنّه متصوّر ومتعيّن في رتبة الذّهن.
ولازم هذا التّصوير للمعنى الّذي وُضعت له أعلام الأجناس أن لا يصحّ انطباقها في الخارج على الأفراد الخارجيّة، لكون معانيها مقيّدة بأمور ذهنيّة لا تحقّق لها إلّا في وعاء الذّهن، وإلّا لاحتاج انطباقها على مصاديقها المفترضة نحو عناية وتجريد في مقام الاستعمال، والحال أنّ الوجدان العرفيّ قاضٍ بانتفائها وبالتّالي ببطلان الوضع للمعنى المقيّد بأمر ذهنيّ محض.
الثّاني: إنّ الوضع على هذه الطّريقة المستلزمة للعناية المفروضة هو على خلاف حكمة الوضع؛ أفلا ترى أنّ الوضع لهذه المعاني يوجب منع استعمال الألفاظ في معانيها حقيقة؟ فيما الغرض من الوضع هو تسهيل طرق التّفهيم وتخفيف الكلفة، والعناية كلفة وتعقيد في إيصال المعاني. فما هو الدّاعي والغرض وراء هكذا نحو من الوضع المعقّد للإفهام والمبطل لحكمة الوضع؟
هذا تمام كلام الشّيخ الآخوند في علم الجنس.
وقد ذهب المحقّق الأصفهانيّ إلى موافقة صاحب الفصول الّذي بدوره وافق الشّريف الرّضيّ، إلى أنّ أعلام الأجناس قد وُضعت للتّعيّن الجنسيّ لا الذّهنيّ فضلًا عن الخارجيّ؛ وإلى هذا الرّأي صار كبار علماء العربيّة.
وبيانه:
إنّه على مستوى الحكاية والإفهام تختلف مقاصد وأغراض المتكلّم:
فتارة يتعلّق غرضه بإفهام جهة الاختلاف عن غيره والامتياز، وأخرى لا. والأولى باستعمال مثل علم الجنس والثّانية يكفي لإفادتها اسم الجنس؛ والحال أنّ التّميّز الواقعيّ محفوظ في الحالتين لكنّه تارة يكون محكيًا عنه وأخرى لا.
فلو قال المتكلّم "جاء رجل"، كان بصدد بيان طبيعة الجائي وأنّه فرد خارجيّ متعيّن فهو ليس فردًا مردّدًا بلا شكّ، لكنّه مع ذلك ليس في مقام بيان حيثيّة التّعيّن الجنسيّ والتّميّز عمّن سواه من الأجناس. أي إنّ كلامه خلا عن حيث التّعيّن الجنسيّ من جهة ألفاظه وإن كان لم يخل عن بيان حيثيّة الجنس والطّبيعة بل وكذا الجزئيّة الخارجيّة في المثال.
أمّا لو قال المتكلّم "جاء أسامة"، فهو بصدد الإثبات والنّفي جميعًا. ويشترك اسم الجنس وعلمه في بيان الحيثيّة الإثباتيّة وأنّه الطّبيعة المعيّنة من الحيوان المفترس أبخر الفم، لكن يزيد علم الجنس في عن اسمه في إفادة حيثيّة الاختلاف والتّمايز وهي الحيثيّة السّلبيّة المزبورة. إذ بقوله "جاء أسامة" قد قال ما عوضه "جاء أسد وهو ليس بهرّة ولا بكذا ولا كذا..."؛ هذه جهة إضافيّة في الإفهام لا يفي بها اسم الجنس.
أمّا السّيّد الرّوحانيّ فقد قوّى ما نفاه المحقّق الآخوند، إذ رأى أنّ الملاك في التّعريف لا يرجع إلى التّعيّن الخارجيّ لا الواقعيّ مطلقًا ولو بالقرينة من خارج اللّفظ، ولا في ذهن السّامع بحيث يتأتّى كون اللّفظ معرفة مع عدم كون مصداقه معلومًا لدى المخاطب.
كما أنّه لا يرجع إلى عدم كون المحكيّ عنه جزئيًّا، فكثير من المعارف تحكي عن جزئيّات، كالضّمائر الّتي لا ضير في كونها مرجعها جزئيًّا لا كلّيًّا.
بل الملاك في التّعريف أن يكون اللّفظ المعرفة حاكيًا عن حيثيّة التّعيّن على نحو صار حيث التّعيّن جزءًا من المعنى المفهّم والمحكي باللّفظ؛ وهذا يعني أنّ التّعيّن الّذي يصيّر اللّفظ معرفة هو المستفاد من نفس اللّفظ لا ممّا احتفّ به اللّفظ.
أنظر: في مثل قوله "جاء من أقصى المدينة رجل يسعى"، يتعيّن الرّجل لكن من حيث إنّه خارجيّ ومن دون أن يكون اللّفظ بنفسه مفيدًا لهذا التّعيّن، لذا فرق كبير بين جاء رجل وجاء زيد، على الرّغم من أنّه قد يكون محكيّهما جميعًا متعيّنًا لكن فرق بين التّعيّن المأخوذ في معنى اللّفظ وبين المستفاد لا من اللّفظ نفسه بل من قرينة ما ولو كانت لفظيّة.
وبالخلاصة: في مورد علم الجنس، يكون حيث التّمايز والتّفاوت مقصودًا بالإفهام والإفادة من حاقّ اللّفظ.
وقد أشار السّيّد الصّدر إلى أنّنا نشعر وجدانًا بالفرق بين اسم الجنس وعلمه على خلاف ما ذهب إليه صاحب الكفاية، ولعلّ الفرق راجع إلى ما صوّرناه من كلمات المحقّق الأصفهانيّ من التّعيّن الجنسيّ في أعلام الأجناس دونها في أسمائه.

