الإطلاق المقامي
بقي بعض النّكات المكمّلة لبحث الإطلاق المقاميّ:
منها: ادّعي تطبيق الإطلاق المقاميّ من القسم الرّابع في مورد الرّوايات الحاكية عن مقدار الكرّ بالأشبار، والّتي اقتصرت على بيان بعدين دون البعد الثّالث، فيعمد إلى تعيينه بكونه ثلاثة أشبار بواسطة الإطلاق المقاميّ.
لكنّه ادّعاء باطل وذلك:
- لأنّه لا يُعلم كون المورد صغرى للإهمال أو الإجمال، إذ يمكن أن لا يكون البعد الثّالث مهمًّا بالنّسبة للظّرف الملحوظ، كما في مورد الأسطوانة حيث يكون المهمّ تعيين الارتفاع والقطر.
- ولو سلّمنا ضرورة تعيين البعد الثّالث، إلّا أنّه لا يتمّ التّعيين على أساس الإطلاق المقاميّ بل على أساس أنّ الأصل استفادة رفع الإجمال من نفس الكلام، فيرفع الإجمال بنكتة دفع الإجمال بنفس دلالة اللّفظ على التّعيين بقرينة السّياق.
ولذا يمكن القول: إنّ القسم الخامس ليس قطعًا من أقسام الإطلاق المقاميّ.
وبالتّالي، يمكن أن يقال إنّ الإطلاق المقاميّ يتأتّى في مورد عدم وجود بيان، ويعتمد على نكتة عدم جواز الإجمال لرفع الإجمال في الكلام الخالي عن دلالة على بيان ما يرفع به الإجمال، بحيث يحمّل الكلام مطلبًا من خارجه.
على خلاف الإطلاق اللّفظيّ حيث تستفاد الدّلالة من نفس اللّفظ بنكتة رفع الإجمال. وعليه، فالإطلاق المقاميّ متحقّق حيث لا تستفاد الجهة المراد تعيينها من نفس الكلام بحيث يصير الكلام مجملًا.
أمّا في الموارد الّتي يدلّ فيها الكلام على أمر خارج عن دلالة اللّفظ بالاستعانة بقرينة حاليّة أو مقاليّة، فهذا خارج عن الإطلاق المقاميّ.
ولذا، يمكن القول إنّ القسم الثّالث أيضًا الّذي عددناه من أقسام الإطلاق المقاميّ ليس من الإطلاق المقاميّ، لأنّ مقام الحصر يستفاد من قرينة، وتنعقد الدّلالة للّفظ على أساسها.
ومن هنا يتحصّل: أنّ القسم الأوّل والثّالث والخامس من الأقسام الّتي ذكرناها للإطلاق المقاميّ ليست من الإطلاق المقاميّ حقيقة، ولا يبقى منها إلّا القسم الثّاني والرّابع.
وأساس الإطلاق كما أسلفنا سواء كان لفظيًّا أو مقاميًّا هي مقدّمة الحكمة القائلة بضرورة نفي الإجمال والإهمال، وأنّ الأصل أنّ المتكلّم في مقام البيان إلّا في مثل الإطلاق المقاميّ من القسم الثّاني المنعقد بنكتة حكم العقل حيث يُقطع بالحكم.
ومنها: لا بدّ من الإلفات أيضًا إلى الفرق بين الإطلاق المقاميّ من القسم الرّابع وبين الانصراف.
فالانصراف هو تعيّن بعض أفراد الطّبيعة بسبب كثرة الاستعمال، في حين أنّ تعيين كيفيّة الصّلاة المستحبّة على أساس كيفيّة الصّلاة الواجبة اليوميّة أو تعيين كيفيّة صلاة الصّبيّ على أساس كيفيّة صلاة البالغ وما شاكل، لا يحصل على أساس كثرة الاستعمال بل قد لا يكون للّفظ كثرة استعمال في المعنى الجائي في البيان السّابق؛ والصّحيح أنّ التّعيّن في مورده يحصل بنكتة دفع الإجمال.
ومنها: الفرق بين الإطلاق المقاميّ من القسم الرّابع وإلغاء الخصوصيّة.
فقد يُتصوّر أنّ إلغاء الخصوصيّة هي من الإطلاق المقاميّ من القسم الرّابع، لأنّ الكلام الّذي استفيد لم يدلّ عليه اللّفظ، في حين أنّ تعيّنًا ما هو المراد في الواقع.
لكنّ الصّحيح أنّ إلغاء الخصوصيّة يعتمد على ظهور اللّفظ فيها، وأنّ اللّفظ المستعمل ورد من باب التّغليب مثلًا. فليس معنى إلغاء الخصوصيّة هو الجزم بعدم الفرق بل هو ظهور للكلام في أنّ في مثل قوله "إذا شكّ الرّجل.." مراده إذا شكّ المكلّف، وليس يتأتّى من باب أنّه إذا حمل على الرّجل بمعناه الحقيقيّ فسيقع الإجمال، فتلغى الخصوصيّة دفعًا للإجمال.
في مورد القسم الرّابع من الإطلاق المقاميّ، يحمّل الكلام معنى خارجًا عن مدلول الألفاظ بنكتة دفع الإجمال؛ أمّا في إلغاء الخصوصيّة يستفاد معنى معيّن أوسع من المدلول الاستعماليّ، لكنّه من قبيل ما يأتي في مورد الاستعمالات الكنائيّة، ولذلك الصّحيح أنّ اللّفظ دلّ على ذاك المعنى.
ومنها: ويتّضح الفرق بين الإطلاق المقاميّ والاستقراء.
فقد يُتصوّر أنّ القسم الثّاني من الإطلاق المقاميّ متّحد مع الاستقراء، فإنّه حيث لم يرد قصد القربة في أيّ دليل يُعلم عدم اعتباره.
في حين أنّ الاستقراء مصطلح يعني استفادة حكم من خلال تتبّع الأحكام المختلفة.
مثاله: من خلال تتبّع الأحكام المختلفة للمولى في مورد النّساء من حيث الحضور في الجماعات وتشييع الجنائز والجهاد وما شاكل، نستفيد ما لم يقلخ من أنّه لا يصحّ أن تتصدّى المرأة لمقام الإفتاء؛ ولا علاقة لهذا بالإطلاق المقاميّ.
ولا بدّ من الالتفات إلى أنّه لا بدّ في الاستقراء من أن تبلغ كثرة الموارد مبلغًا يندفع معه دخالة الخصوصيّات المختلفة في الأحكام، وإلّا لصار قياسًا؛ ومن هنا، الاستقراء إمّا أن يكون مفيدًا للعلم وإمّا أن يكون قياسًا باطلًا.
أمّا القسم الثّاني من الإطلاق المقاميّ فإمّا أن يوجب الظّهور وإمّا القطع، كالقطع بعدم كون قصد الوجه معتبرًا في الصّلاة. وليست استفادة عدم الاعتبار من حيث استقراء عدم اعتباره في عدّة موارد أخرى، بل على أساس أنّ هذا أمر مغفول عنه عند العموم، وعدم التّنبيه عليه مع إرادته موجب لتفويت الغرض المولويّ، فلا ريب في عدم دخالته لفرض حكمة الشّارع؛ ويتمّ في القسم الرّابع على أساس نكتة دفع الإجمال والإهمال.
ومنها: بحث تعارض الإطلاق المقاميّ.
لا يتصوّر التّعارض في مورد القسم الثّاني من الإطلاق المقاميّ القائم على نكتة قبح تفويت الغرض اللّزوميّ لكونه مفيدًا للعلم، ولا معارض للعلم.
أمّا سائر أقسام الإطلاق المقاميّ: فتارة تتعارض مع إطلاق لفظيّ وأخرى مع إطلاق مقاميّ.
وتارة يتعارض مع الإطلاق اللّفظيّ لدليل آخر وأخرى يتعارض مع الإطلاق اللّفظيّ لنفس الدّليل ذي الإطلاق المقاميّ. كما إذا كان مفاد الإطلاق المقاميّ لدليل الأمر بصلاة الزّيارة هو حملها من حيث الكيفيّة على الصّلاة الواجبة اليوميّة بحيث تكون السّورة معتبرة فيها، في حين أنّه يقتضي الإطلاق اللّفظيّ لنفس الأمر بها عدم اعتبار السّورة.
فعلى الفرض الثّاني لا يستقرّ التّعارض ويكون الإطلاق المقاميّ مقدّمًا، وذلك لأنّ الدّليل بواسطة الإطلاق المقاميّ يقتضي تعيّن أمر معهود ومبيّن سابقًا، ومع وجود هذا الاقتضاء لا ينعقد الإطلاق اللّفظيّ رأسًا. فعندما يعيّن الإطلاق المقاميّ كون السّورة معتبرة في صلاة الزّيارة، لا يبقى مجال لانعقاد إطلاق لفظيّ للّفظ ينفي جزئيّة السّورة.

