تقسيم مباحث الحجج و الأمارات
ذهب الشّيخ الآخوند في تقسيمه للأمارت والحجج إلى جعل الموضوع هو البالغ الّذي وُضع عليه القلم إذا التفت إلى الحكم، وله حالتان، حيث إمّا أن يقطع بالحكم وإمّا لا، سواء كان الحكم الفعليّ الملتفت إليه واقعيًّا أو ظاهريًّا؛ ليكون بهذا التّقسيم مستوعبًا لجميع الأمارات والطّرق والأصول.
وقد عبّر ب"البالغ" على خلاف ما أخذه الشّيخ الأعظم من عنوان المكلّف؛ ومراده واضح من أنّه أحيانًا يكون مفاد الأمارة أو الحجّة نفي التّكليف. فكأنّه فهم من المكلّف كون التّكليف في شخص تلك القضيّة، ولأنّه أحيانًا تكون النّتيجة نفي التّكليف فلا مناص عن تغييره إلى تعبير صحيح.
والصّحيح بحسب شيخنا الأستاذ أنّه ليس موضوع بحثنا لا المكلّف ولا البالغ الّذي وُضع عليه القلم، بل ترد مباحث الحجج والأمارات في حقّ كلّ فرد وقع موضوعًا للحجج والأمارات حتّى لو لم يكن مفادها إلزاميًّا بل حتّى لو كان مفادها نفي التّكليف.
فعدم تكليف الصّبيّ يستفاد من الحجج والأمارات، والأحكام غير الإلزاميّة وكذا الوضعيّة ثابتة في حقّ غير البالغين بواسطة تلك الحجج والأمارات.
وقد ذهب السّيّد الصّدر إلى أنّ الصّحيح عدم اختصاص الموضوع بالبالغين، ولدينا من الأحكام ما يثبت في حقّ غير البالغين أيضًا، وأشار في هذا الصّدد إلى ثلاثة موارد:
المورد الأوّل: هي الأحكام العقليّة كقبح الظّلم وممنوعيّته، حيث يحتاج غير البالغ إلى تحصيل مؤمّن عنها إمّا اجتهادًا وإمّا تقليدًا، بل يمكن القول إنّ الأحكام العقليّة من حيث إنّها غير قابلة للتّخصيص لا تقع موضوعًا لمثل أدلّة رفع القلم، أو يقال إنّه وإن تحقّقت المعصية في مورد الصّبيّ لكنّ حديث الرّفع يدلّ على عدم فعليّة العقوبة.
المورد الثّاني: هي موارد الشّبهات الحكميّة المرتبطة بالبلوغ، كأن يشكّ في كون تحقّق سنّ البلوغ بالدّخول في سنّ الخامسة عشر أو أنّه بإتمام الخامسة عشر.
نعم، لا يخفى أنّ هذا المثال فرضيّ لعدم الخلاف في أنّه على القول بكون سنّ البلوغ هو الخامسة عشر فهو بإتمامها. لكن يمكن استبداله بمثال واقعيّ مفاده وقوع الشّكّ في كون سنّ البلوغ المقرّر هو بناء على التّقويم القمريّ أم الشّمسيّ؟ والفرق بينهما هو ستّة أشهر، فهل تثبت الأحكام في حقّه في هذه المدّة أم لا؟
ذهب السّيّد الصّدر إلى أنّ مقتضى إطلاقات أدلّة التّكاليف هو كونه مكلّفًا في هذه المدّة.
المورد الثّالث: هي موارد الشّبهة المفهوميّة للبلوغ، كما لو وقع الشّكّ في مفهوم الشّعر الخشن، حيث يحكم هذا المورد بأحكام.
وقد علّق شيخنا الأستاذ على ما أفاده السّيّد الصّدر بأنّ الحكم في هذه الموارد على أساس عمومات وإطلاقات أدلّة التّكاليف يبتني على أن يكون دليل تخصيص الصّبيان من قبيل المخصّص المنفصل حتّى يقال إنّه يُتمسّك فيما زاد عن القدر المتيقّن للمخصّص بالعمومات والإطلاقات، لكن لا يبعد أن يقال إنّ عدم تكليف الصّبيان كان مرتكزًا مستحكمًا إلى حدّ أنّه يحتفّ بالخطاب من قبيل المخصّص المتّصل، فيمنع ابتداءً من انعقاد الإطلاق والعموم. بل يستفاد من بعض الرّوايات كالواردة في قضيّة بني قريظة أنّ عدم تكليف الصّبيان كان مرتكزًا في الأذهان قبل الإسلام، ويكفي احتمال ارتكازه للمنع عن انعقاد الإطلاق والعموم. وهذا ما يرتضيه السّيّد الصّدر نفسه، لذا يُستهجن قوله بكون الإطلاقات والعمومات مرجعًا في المقام.
وهذا الإشكال نفسه يرد في المورد الأوّل، بحيث يكون احتفاف الحكم العقليّ بارتكاز عدم التّكليف في الشّريعة بالنّسبة للصّبيان مانعًا عن جريان قاعدة الملازمة، بل لا يمكن للعقل أن يدرك ثبوت الحكم في حقّ الصّبيّ.
ولك أن تقول إنّه حيث كانت أكثر الحقوق جعليّة اعتباريّة، فإذا استثنى الشّارع الصّبيّ من الحكم، لا يتحقّق رأسًا موضوع حكم العقل بقبح الظّلم، إذ الظّلم سلب حقّ الآخر، وهنا لم يُفرض حقّ ليُسلب.

