الإطلاق المقامي
كان الكلام في دوران الأمر بين الإطلاق المقاميّ وإطلاق آخر سواء كان لفظيًّا أو مقاميًّا، أو كان لنفس الدّليل أو لدليل آخر، ليكون مجموع الصّور أربعًا.
وكان الكلام فعلًا في الصّورة الأخيرة حيث يتنافى إطلاقان مقاميّان لدليل واحد:
وقد ضربنا لها مثالًا مفاده: أن لو نسي المكلّف الطّواف وخرج من مكّة مع عدم تمكّنه من الرّجوع، وجب عليه الاستنابة فيما فاته. فهنا إطلاق مقاميّ من القسم الرّابع يفيد وظيفة النّائب وأنّه عليه التّصرّف كما لو كان هو الأصيل، فيجب عليه الإحرام.
ومن جهة أخرى ينعقد إطلاق مقاميّ من القسم الثّالث (أو لفظيّ) يفيد أنّه لا يجب عليه الإحرام وإلّا لو كان لازمًا لوجب على المولى أن ينبّه عليه ولم يفعل وهو في مقام الحصر وبيان الوظيفة الحصريّة للمكلّف. وبالتّالي المستفاد من إطلاق الاستنابة هو كون النّيابة في نفس العمل الفائت، وغاية ما يقال وجوب مراعاة شروط الجزء الفائت كالطّواف من طهارة وما شاكل.
ولك أن تقول إنّ الإطلاق اللّفظيّ يقتضي النّيابة في الطّواف غير المقيّدة بالإحرام، فالمأمور به هو الطّواف لا الطّواف في واجب آخر ولا الطّواف المقيّد بالإحرام.
ويمكن التّمثيل للفرض في هذا المثال من جهة أخرى بلحاظ وظيفة المنوب عنه:
فمن جهة، يقتضي الإطلاق المقاميّ أن يرتّب المنوب عنه آثار عمل النّائب كما لو كان هو المباشر لهذا العمل، بحيث يجب عليه الاجتناب عن محرّمات الإحرام ومنها النّساء.
ومن جهة أخرى، يقتضي الإطلاق المقاميّ كون وظيفته هي الاستنابة لا غير بحيث لو لزم عليه اجتناب تروك الإحرام لوجب التّنبيه على ذلك.
وكذلك، يمكن تصوير إطلاقين مقاميّين متنافيين يرتبطان بوجوب التّقصير وعدمه بالنّسبة للمنوب عنه:
فمن جهة، يقتضي الإطلاق المقاميّ أن يتصرّف المنوب عنه كما لو كان مباشرًا للعمل، بحيث لو كان هو الفاعل للطّواف لوجب عليه بعده أن يقصّر، فالحال نفسه حال الاستنابة.
ومن جهة أخرى، يقتضي الإطلاق المقاميّ كون وظيفته منحصرة في الاستنابة لا غير.
وعلى هذا الفرض، لا بدّ من النّظر في الإطلاقين المقاميّين، فإن كان في أحدهما قوّة توجب تعيّنه كان هو المتعيّن، ولا ينعقد الإطلاق الآخر؛ وإن لم يكن هناك معيّن صار الكلام مجملًا.
ومن هنا يتبيّن: أنّه في حال تنافي الإطلاق المقاميّ لدليل مع إطلاق دليل آخر سواء كان لفظيًّا أو مقاميًّا، فالأصل أن يقال بوقوع التّعارض بينهما؛ ولكن لكون الكلام هنا عن الإطلاق المقاميّ للدّليل فهو قد أخذ في ذاته كونه ناظرًا إلى الدّليل الآخر، فإذا كان في الدّليل الآخر ظهور على الاعتبار أو عدمه، كان موجبًا لعدم انعقاد الإطلاق المقاميّ للدّليل رأسًا، إذ قوام الإطلاق المقاميّ لهذا الدّليل هو أن لا يكون في دليل آخر إطلاق لفظيّ أو مقاميّ على خلافه.
مع الإطلاق اللّفظيّ لدليل آخر، لا ينعقد الإطلاق المقاميّ للدّليل رأسًا لكون انعقاده متوقّفًا على النّظر إلى الدّليل الآخر بحيث إذا كان فيه ظهور إطلاقيّ لم تصل النّوبة إلى انعقاد الإطلاق المقاميّ.
فإذا دلّ الدّليل الآخر على اعتبار السّورة في الصّلاة الواجبة، لم ينعقد رأسًا إطلاق مقاميّ من القسم الرّابع مفاده عدم اعتبارها في الصّلاة المستحبّة، لأنّ قوامه النّظر إلى الدّليل الآخر وتنزيل كيفيّة الصّلاة المستحبّة على كيفيّة الصّلاة الواجبة.
بل ولا ينعقد إطلاق لفظيّ للدّليل ينفي جزئيّة السّورة بعد وجود دليل اعتبار السّورة في الصّلاة الواجبة، لأنّ الإطلاق اللّفظيّ للدّليل الواحد مبتنٍ على إطلاقه المقاميّ، بمعنى أنّ الإطلاق اللّفظيّ النّافي لاعتبار السّورة يبتني على الإطلاق المقاميّ لنفس دليله، والحال أنّ الإطلاق المقاميّ لدليله يقتضي الحمل في الكيفيّة على كيفيّة الصّلاة الواجبة، فيكون الإطلاق اللّفظيّ قاصرًا عن نفي الجزئيّة.
وإذا دقّقت يقع في هذه الحالة الأخيرة نحو من التّعارض الدّاخليّ للدّليل الواحد كما كان مرّ سابقًا، وقد قلنا حينها يكون المقدّم هو الإطلاق المقاميّ لكونه منشأ الإطلاق اللّفظيّ.
وعليه: إذا دار الأمر بين الإطلاق المقاميّ وإطلاق آخر أعمّ من أن يكون لفظيًّا أو مقاميًّا وسواء كان إطلاقًا آخر لنفس الدّليل أو لدليل آخر، فعلى كلّ تقدير الملاك هو مراعاة قوّة الدّلالة والظّهور بحيث إذا بلغ مبلغًا يعيّن فهو لو كان، وإلّا يُحكم بالإجمال وعدم تماميّة الدّلالة على شيء من أطراف التّرديد.
والحال أنّ الإطلاق المقاميّ لنفس الدّليل يقتضي الرّجوع إلى الدّليل الآخر، فيكون الحكم هو ما دلّ عليه الدّليل الآخر من اعتبار السّورة.
إلى هنا تمّ كلامنا في الإطلاق المقاميّ بمقدار الكفاية والضّرورة، وله شراشر وتفاصيل كثيرة أيضًا يمكن التّعرّض لها ودراستها؛ ومحصّل ضابطته هو أن لا يدلّ على المفاد على أساس قرينة لفظيّة أو حاليّة، فتخرج جميع موارد القرائن الخاصّة بل وموارد وجود عمومات وإطلاقات لفظيّة عن الإطلاق المقاميّ. ولذلك قلنا بخروج القسم الثّالث (لوجود قرينة على الحصر) والخامس (لوجود قرينة السّياق) فضلًا عن الأوّل الّذي يعدّ منها تسامحًا؛ وينحصر الإطلاق المقاميّ في القسمين الثّاني والرّابع.
بقي لنا بحث مهمّ من مباحث الإطلاق يرتبط بحقيقة الإطلاق: فهل الإطلاق جمع القيود أم رفض القيود؟
وهي مسألة مهمّة جدًّا ولها ثمرات متعدّدة في الفقه والأصول.
قد يقال: إنّ نتيجة المسألة أصبحت واضحة، لا أحد يحتمل كون الإطلاق جمع القيود، لأنّ معنى جمع القيود هو دخول جميع الخصوصيّات والمشخّصات في الحكم، بحيث إذا قال المولى "أكرم العالم" كان معناه دخول طول وقصر أفراده في الحكم، وهذا يعني أنّه إذا اتّفق ارتفاع الأضداد لم يكن العالم المطلوب إكرامه متحقّقًا في الخارج ولكان المرتفع عنه الأضداد غير مشمول بالوجوب.
ومن المسائل الّتي تبتني على رفض القيود، هي مسألة اجتماع الأمر والنّهي، وقد تعرّضنا (أي شيخنا الأستاذ) مفصّلًا للكلام فيها بحيث قلنا: إنّه إذا تُصُوّر رفض القيود بطريقة صحيحة وسليمة لم يكن مجال للقول بغير جواز الاجتماع، وإنّ جميع من ذهب إلى الامتناع قد انساقوا مع المرتكز في أذهانهم من الاعتقاد بجمع القيود حتّى قالوا إنّ الشّيء الواحد لا يمكن أن يؤمر به وينهى عنه.
ومن هنا تعلم: أنّ النّزاع في مسألة اجتماع الأمر والنّهي صغرويّ.
وقد وقع الخلاف بينهم في تصوير محلّ النّزاع، فقد ذهب السّيّد الخوئيّ إلى كون التّركيب انضماميًّا، فجعل الصّلاة في المكان المغصوب وجودين، ورتّب على ذلك قوله بالجواز؛ فيما رأى آخرون أنّ التّركيب اتّحاديّ، فالوجود واحد ومعه لا يمكن القول بجواز الاجتماع. والصّحيح ما كنّا ذكرناه مفصّلًا من أنّ الصّلاة في المكان المغصوب وجود واحد لكن هل متعلّق الأمر والنّهي واحد أم اثنان؟ وهذا يبتني على مسألة رفض القيود.
فالقائل بالجواز، يرى أنّه في عين كون التّركيب اتّحاديًّا والوجود واحد لكن متعلّق الأمر هي الصّلاة فقط لا غير من دون دخول شيء من القيود والحالات في المتعلّق لا من جهة الكون في المكان المباح ولا المكان الغصبيّ.
أي لم يأخذ الشّارع في أمره بالصّلاة شيئًا غير الصّلاة في متعلّق أمره، لا أنّه أخذ جميع الحالات والخصوصيّات في اعتباره وأمر بالصّلاة المتشّخصة بها جميعًا. بل تعلّق الأمر بعنوان الصّلاة كما تتعلّق الأوامر والنّواهي بالعناوين، من دون أن يتعدّى عن متعلّقه إلى أيّ شيء؛ وهذا يعني عدم سراية الأمر رأسًا إلى خصوصيّة المكان ليقال إنّ الصّلاة في المكان الغصبيّ مأمور بها وهذا يتنافى مع النّهي عن الغصب.

