اعتبار الأمارات والأصول في موارد التّقليد
كان الكلام في اختصاص أدلّة حجّيّة الأمارات والأصول العمليّة بالمجتهد.
وقد مرّ أنّ منشأ توهّم الاختصاص هو أحد أمور ثلاثة لا يصلح أيّ منها دليلًا على الاختصاص؛ وهي بالمحصّلة:
- إمّا من جهة القول بإناطة حجّيّة الأمارات والأصول بالفحص، وهو لا يتأتّى إلّا من المجتهد؛
- وإمّا لأخذ اليقين في موضوع بعضها وهو لا يتأتّى إلّا من المجتهد؛
- وإمّا لكون الشّكّ المأخوذ أو المفروض في موضوعاتها هو خصوص النّاشئ عن الفحص، وهو لا يتأتّى إلّا من المجتهد.
أمّا من حيث أخذ اليقين في موضوع بعض الأصول العمليّة كالاستصحاب، فقد أجيب عنه:
أوّلًا: الاستصحاب ليس متقوّمًا باليقين السّابق بما هو يقين بل متقوّم بالثّبوت السّابق، بحيث يكون اليقين كناية عن المتيقّن أي عن تحقّق الشّيء في السّابق. فموضوع الاستصحاب هو الثّبوت السّابق لا اليقين السّابق، وليس اليقين إلّا طريقًا لإحراز ثبوته.
ولذا يجري الاستصحاب في الموارد الّتي يثبت فيها الحكم في الحالة السّابقة ولو بواسطة الأمارة لا اليقين، بحيث لو كان اليقين السّابق ركنًا للاستصحاب لما أمكن جريانه في مثل هذه الموارد؛ والمعروف بين المحقّقين هو قيام الأمارات مقام القطع الطّريقيّ.
فما كان ثابتًا بحجّة في الحالة السّابقة وشُكّ في بقائه لاحقًا يكون مجرى للاستصحاب من قبل المجتهد؛ وبهذا تحلّ مشكلة اختصاص اليقين بالمجتهد في مورد الاستصحاب.
ثانيًا: ذكر الشّيخ الآخوند بيانًا آخر للاستصحاب لم يُتلقّ منه كما ينبغي، وهو من مختصّاته، ومفاده: أن لا موضوعيّة لليقين السّابق بل موضوع جريان الاستصحاب هو حدوث الشّيء، لا ثبوته وتحقّقه ولا اليقين بثبوته.
ومن هنا، يجري الاستصحاب حتّى في الموارد الّتي لم يثبت فيها الشّيء سابقًا باليقين، كما لو ثبت بالأمارة، وذلك لأنّ الاستصحاب يثبت ملازمة بين الحدوث والبقاء ،بمعنى حيث كان الشّيء قد حدث ولم يرد دليل على ارتفاعه، فيحكم ببقائه.
فالأمارة تثبت الحدوث بغير اليقين، والاستصحاب يثبت الملازمة بين الحدوث والبقاء، فكما أنّ الأمارة تثبت الحدوث، هي تثبت أيضًا بواسطة ضميمة الملازمة البقاء، ليكون ما تنجّز حدوثًا قد تنجّز بقاءً.
وعلى هذا البيان، مفاد دليل الاستصحاب هو أنّه متى فُرض الحدوث بأيّ نحو ثبت الحدوث، كان محكومًا بالبقاء ما لم يقم دليل على الخلاف؛ وبالتّالي ليس إحراز الحدوث جزءًا من موضوع الاستصحاب بل الحدوث بنفسه هو الموضوع، بحيث يؤخذ على نحو القضيّة الحقيقيّة بمعنى إن حدث الشّيء حُكم ببقائه.
وقد استدلّ المحقّق الدّاماد على الجواب الأوّل بنكتتين:
- الأولى: قيام الأمارات والحجج مقام القطع الطّريقيّ؛
- الثّانية: أنّه لو كان اليقين هو الموضوع لما كان الفحص لازمًا على المجتهد، إذ لا يدعو أيّ دليل إلى إيجاد موضوع نفسه، والحال أنّ الفحص لازم بلا كلام بحيث يجب على المجتهد أن يفحص عن وجود الحكم السّابق وعن تحقّق موضوع الاستصحاب وإلّا لما كان معذورًا. بخلاف ما لو كان الحدوث هو الموضوع، فإنّ الشّبهة الحكميّة تقع موضوعًا لأدلّة وجوب الفحص، الّذي قد يستتبع حصول يقين بالحدوث أو إحرازه بحجّة.
مثلًا: إذا شكّ المجتهد في وجوب صلاة الجمعة في عصر الغيبة، ولم يكن من دليل إلّا الاستصحاب لو جرى، فإذا كان موضوع الاستصحاب هو اليقين لأمكن للمجتهد أن لا يفحص عن دليل وجوب صلاة الجمعة وأن يجري البراءة، والحال أنّه يجب على المجتهد أن يفحص عن موضوع الاستصحاب وهو الحدوث في الحالة السّابقة، فيتحقّق الموضوع ويستصحب.
وأمّا من جهة فرض أو أخذ الشكّ في موضوع الأمارات والأصول العمليّة، فهو لا يوجب الاختصاص أيضًا، ويقال في الجواب:
أوّلًا: لا اختصاص، لأنّ الشّكّ حاصل للجميع وليس الفحص إلّا من قبيل شرط الواجب لا الوجوب.
وهذا بمعنى أنّه متى تحقّق الشّكّ بالفعل وفحص المكلّف مجتهدًا كان أو عامّيًّا كلّ بحسبه، يتحقّق موضوع الأمارة أو الأصل. ففحص المجتهد هو عن الأدلّة التّفصيليّة فيما فحص العامّيّ هو عن فتوى المجتهد، بل حتّى لو كان ينبغي أن يفحص عن الأدلّة التّفصيليّة إلّا أنّه يمكن للفقيه أن يقوم مقامه في الفحص، ويتحقّق بواسطة فحص المجتهد موضوع الأمارة أو الأصل بالنّسبة للعامّيّ.
ثانيًا: وقد ذكره المحقّق الدّاماد، وهو أنّ المراد من الشّكّ هو الشّكّ التّقديريّ لا الفعليّ، كما يقال من أنّ المراد من طيب نفس المالك هو الرّضا التّقديريّ بحيث إذا التفت المالك رضي، لا الرّضا الفعليّ؛ والمراد هنا أنّه لو التفت لشكّ وتردّد.
وهذا الكلام وإن كان ممكنًا لكنّه على خلاف ظهور الدّليل.
والصّحيح أنّ الشّكّ لا موضوعيّة له، وهو وإن كان قد ذكر في دليل حجّيّة الاستصحاب ولكنّه ليس مأخوذًا في سائر الأمارات والأصول.
نعم، لأنّ التّعبّد مع العلم بالخلاف غير ممكن، فلا يمكن أن تكون الأمارات والأصول ناظرة إلى فرض العلم؛ ومن هنا تعلم أنّ الموضوع هو عدم العلم لا الشّكّ. فالموضوع متحقّق لدى العامّيّ حتّى حال عدم الالتفات، والحكم الظّاهريّ قد جُعل في حقّه أيضًا، إلّا أنّه لا يصل إلّا مع الالتفات.
وفي مورد الاستصحاب، الشّكّ المأخوذ في لسان الدّليل هو بمعنى عدم اليقين، لذا جاء فيه "ولكن انقضه بيقين آخر" بحيث ما لم يأتك يقين على الخلاف لا بدّ من الحكم بالاستمرار والبقاء ولا يُلتفت إلى الشّكّ. فناقض اليقين السّابق هو اليقين بالخلاف، فما لم يتحقّق يقين على الخلاف يُحكم بالبقاء، لا أنّه يُحكم بالبقاء للشّكّ في البقاء بل لعدم اليقين بالخلاف. وعدم اليقين بالخلاف يتحقّق لدى العامّي وهذا يعني أنّ الاستصحاب يجري في حقّه.
ومن هنا ظهر أنّ أخذ الفحص في موضوع الحجج والأمارات ليس موجبًا لاختصاص حجّيّتها بالمجتهد، لأنّ الفحص مشترك بينهما، ويمكن للمجتهد أن ينوب عن العامّيّ في الفحص. فضلًا عن أنّ الفحص لم يرد في أيّ من الأدلّة كما ذكر المحقّق الدّاماد، بل الموضوع هو معرضيّة الوصول، وهو مشترك بين الجميع ويتحقّق بواسطة فحص المجتهد.
ولو أبينا إلّا مباشرة الفحص، ففحص كلّ شخص بحسبه، وفحص العامّيّ هو بالفحص عن فتوى المجتهد، وبه يتحقّق الموضوع.

