التجري
كان الكلام فيما تقتضيه النّصوص والرّوايات في مسألة التّجرّي، حيث ذهب المحقّق النّائينيّ إلى عدم دلالة الأخبار على حرمته ولا استحقاق العقاب عليه إلّا حيث أقدم على المعصية الواقعيّة متلبّسًا بمقدّماتها ثمّ ارتدع عن الاتيان، ويبقى القسم الآخر من التّجرّي _وهو محلّ البحث_ حيث أقدم على شرب الماء مثلًا معتقدًا بخمريّته بلا دلالة من الأخبار على استحقاق العقاب عليه.
ونحتاج في استيعاب بحث التّجرّي من جهة دلالة النّصوص والأخبار عليه إلى طيّ ثلاث مراحل:
الأولى: النّظر فيما جاء في الرّوايات من نواهٍ متعلّقة بعناوين ادّعي رجوعها إلى النّهي عن التّجرّي؛
الثّانية: البحث عن نصوص فيها دلالة على حرمة التّجرّي واستحقاق العقاب ولو بالإطلاق؛
الثّالثة: البحث في وجود دليل في النّصوص على عدم حرمة التّجرّي وعدم استحقاق العقاب عليه.
أمّا المرحلة الأولى: فقد كانت مرّت في الجملة في الدّرس السّابق، وقد وقع الخلط والاشتباه عند كثير من العلماء حتّى مثل الشّيخ الأعظم في ربط النّهي عن بعض العناوين ببحث التّجرّي:
منها: بحث الرّضا، من أنّ من رضي بفعل قوم كان شريكًا لهم، فمن رضي بفعل الحرام كان شريكًا لهم في العقاب؛ والحال أنّ هذه الدّلالة لا تفيد بوجه حرمة التّجرّي واستحقاق العقاب عليه، بل نفس الرّضا بالظّلم والحرام عنوان لحرام في الشّريعة، فيحرم شرعًا الرّضا بأفعال الظّالمين والعصاة وأن يكنّ المرء ركونًا إليهم وإلى أفعالهم وأخلاقهم وما شاكل.
وكما ترى، عنوان الرّضا مختلف عن عنوان القصد، فقد يقصد المرء المعصية الواقعيّة _فضلًا عن الخياليّة_ وقد يرتكبها لكنّه يكون خجلًا ويشعر بعدم الرّضا مع تبريره لارتكابها باعتياده عليها وما شاكل؛ في حين أنّ الرّاضي بفعل المعصية لو صدرت منه لكان مفتخرًا مسرورًا بها آمنًا من عواقبها، وهكذا فيمن يرضى بفعل المعصية من غيره، وهذا شيء آخر تمامًا غير قصد وإرادة الفعل الحرام.
ومثال الرّاضي المفتخر المسرور المعتزّ بإثمه وإثم الآخرين هو من رضي بقتل سيّد الشّهداء عليه السّلام، الّذين يحكم عليهم الإمام عليه السّلام عند ظهوره بالقتل والإعدام، لا من باب القصاص، فالقصاص عقوبة القاتل الفاعل، بل من باب الحدّ، والقصاص حقّ فهو قابل للإسقاط فيما الحدّ حكم لا مجال فيه للعفو والإسقاط، وهذا ما نصّت عليه الرّوايات من قبيل ما عن رسول الله صلّى الله عليه وآله في قضيّة سرقة الرّداء "ألا كان هذا قبل أن تأتيني به؟ فقطعت يده".
بل لنا أن نقول إنّه لولا أنّ الرّواية جعلت الرّاضي بفعل قوم والمفتخر والمسرور به كالفاعل لما كان بعيدًا القول بأنّه يستحقّ عقوبة أعظم، لكون رضاه وافتخاره معربًا عن طيب خاطره بالحرام، ومثله لا يكون إلّا عن عقيدة فاسدة لا عن شهوة ونزوة، بل إنّ كثيرًا من الرّضا بالحرام ينجرّ إلى الكفر لاعتقاد صاحبه بعدم حرمة المحرّم الضّروريّ، المساوق لتكذيب الرّسول صلّى الله عليه وآله.
إذن، الرّضا غير الإرادة، فلا ملازمة بين التّجرّي والرّضا ولا بين العصيان والرّضا.
ومنها: حرمة شرب المباح طبق كيفيّة شرب الخمر، وكان مرّ الكلام فيها؛ ومنها: حرمة مجامعة الأهل بشهوة الأجنبيّة، أي نفس تصوّر الأجنبيّة في مورد المجامعة حرام، هذا أيضًا لا علاقة له بالتّجرّي وقصد الزّنا التّخيّليّ مثلًا؛ ومنها: حرمة التشبه بالكفّار كأن يلبس زيّ أبناء الكنيسة، وهذا لا علاقة له بقصد المعصية، بل نفس اتّخاذ زيّهم ونمطهم وعرفهم زيًّا ونمطًا وعرفًا هو المحرّم؛ ومنها: حرمة التّشبّه بالنّساء كأن يتّخذ تصرّفات ونمط النّساء نمطًا له، وهو بنفسه عنوان محرّم ولا ربط له بالتّجرّي أيضًا...
إذن، ما ورد من نواهٍ متعلّقة بهذه العناوين لا ربط له بالتّجرّي؛ ولكن على فرض أن كان هناك ملازمة بين تحريم عنوان من بين هذه العناوين وبين التّجرّيّ المرتبط بذاك العنوان أو كان ذاك العنوان المحرّم بنفسه شاملًا لمورد التّجرّي، نلتزم بحرمة التّجرّي بمقدار الدّليل لا على نحو الإطلاق، أي لا نلتزم بحرمة كلّ تجرٍّ انطلاقًا من تلك الملازمة أو ذاك الشّمول.
مثلًا، قد يقال إنّ تحريم مجامعة الزّوجة بشهوة أجنبيّة يدلّ بنحو أولى على تحريم قصد مجامعة الأجنبيّة متجرّيًا ثمّ لا يصيب الواقع، فيقال إذا تمّت الملازمة والأولويّة فهي تامّة في موردها لا في مورد كلّ تجرٍّ.
بل حتّى لو التزمنا بتماميّة الأولويّة والملازمة في مورد كلّ الأمثلة الّتي ذكرت، لم يكن ذلك دليلًا على حرمة التّجرّي على الإطلاق لانتفاء الإطلاق في دليليّتها.
وأمّا المرحلة الثّانية: فقد يقال بكون بعض الرّوايات دالّة على ترتّب العقاب على التّجرّي وقصد المعصية، وقد تعرّضنا لبعضها في الدّرس السّابق.
ومنها: الرّواية الّتي تعلّل خلود أهل النّار في النّار وخلود أهل الجنّة في الجنّة بالنّيّات، فقد جاء في الكافي عن:
عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْمِنْقَرِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع:
"إِنَّمَا خُلِّدَ أَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ لِأَنَّ نِيَّاتِهِمْ كَانَتْ فِي الدُّنْيَا أَنْ لَوْ خُلِّدُوا فِيهَا أَنْ يَعْصُوا اللَّهَ أَبَداً وَإِنَّمَا خُلِّدَ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ لِأَنَّ نِيَّاتِهِمْ كَانَتْ فِي الدُّنْيَا أَنْ لَوْ بَقُوا فِيهَا أَنْ يُطِيعُوا اللَّهَ أَبَداً فَبِالنِّيَّاتِ خُلِّدَ هَؤُلَاءِ وَ هَؤُلَاءِ ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى- قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ قَالَ عَلَى نِيَّتِهِ".
وقد رواها البرقيّ في المحاسن والعياشيّ في تفسيره والشّيخ الصّدوق في العلل وكذا رواها ابن شهرآشوب في المناقب .
ولكنّ الصّحيح بحسب شيخنا الأستاذ أنّه ليس في هذه الرّواية دلالة على استحقاق العقاب على قصد المعصية. بل مفاده أنّ نيّة وعزم المداوم على المعصية والذّنوب موجبة لاستحقاق العقاب، وهذا لا ربط له بالتّجرّي المصطلح.
فهنا قصد تعلّق بالمعصيّة لكنّه كان على نحو الاستمرار والدّوام في الاستقبال كما قضى عمره في المدوامة على المعصية، هذا النّحو من القصد موضوع لاستحقاق العقاب في الرّواية، ولا يصحّ صناعيًّا التّعدّي عنه إلى كلّ قصد وعزم على المعصية.

