أخذ العلم بالحکم في الموضوع
كان الكلام في الوجوه التي تقتضي امتناع أخذ العلم بالحكم في موضوع الحكم، والّتي عدّها المحقق الأصفهاني على أربعة، مختارًا الوجه الرّابع منها.
الوجه الأوّل: وهو ما جاء في كلام المحقّق الآخوند من استلزام أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه للدّور؛ وقد ردّه بأنّ تصوير الدّور يبتني على كون متعلّق العلم هو وجود الحكم، فيما الصّحيح كون المتعلّق هي الماهيّة الّتي لا تتوقّف على وجود الحكم. فالخلط بين الماهيّة والوجود أودى بهم إلى توهّم الدّور، وإلّا فإنّ وجود الحكم منوط بالعلم بالحكم فيما العلم بالحكم منوط بماهيّة الحكم لا بوجوده.
الوجه الثّاني: وهو ما جاء في كلام المحقّق العراقيّ في تعليقته على الفوائد، ومفاده أنّ أخذ العلم بشخص الحكم في موضوع شخص الحكم مستلزم لفرض وجود الشّيء قبل تحقّقه، معربًا عن عدم كونه دورًا، لكن فيه روح الدّور وملاكه. ففرض الشّيء قبل تحقّقه كفرض تحقّق المعلول قبل العلّة، المستلزم لتحقّق المعلول من دون علّة، وهو فرض مستحيل، فيستحيل أخذه في موضوع نفسه. وملاك الدّور هو توقّف الشّيء على نفسه، ما يعني تحقّق الشّيء من دون تأثير العلّة، فيتعلّل الشّيء عن نفسه بحيث يفرض الشّيء في رتبة العلّة ثابتًا متحقّقًا على نحو لا يبقى معنى لورود العلّة عليه إلّا من باب تحصيل الحاصل وهو باطل. وإلّا ففرض الشّيء معلّلًا عن علّته يقتضي فرضه معدومًا في الرّتبة المتقدّمة أي في رتبة العلّة، والحال أنّه على فرض أخذ العلم بالحكم في الموضوع قد أخذ الشّيء المعدوم موجودًا في ظرف عدمه، أخذًا للشّيء متحقّقًا قبل فرض تحقّقه.
وكما تعلم، يناط الدّور بتعدّد الموقوف والموقوف عليه بحيث يتوقّف الأوّل على الثّاني والثّاني على الأوّل، والحال أنّ الفرض هنا توقّف الشّيء على نفسه من دون اثنينيّة، ولذا جعل المحقّق العراقيّ الاستحالة هنا بملاك الدّور لا بالدّور؛ ومن هنا لا يرد ما ذكره المحقّق الأصفهانيّ في جوابه على الوجه الأوّل من أنّه لا بدّ من التّعدّد ليكون دورًا، لأنّه من الأساس لم يفرضه دورًا.
وقد ردّ المحقّق الأصفهانيّ هذا الوجه: بأنّ وجود الحكم موقوف على العلم، لكنّ العلم موقوف على متعلّقه، ومتعلّق العلم هي ماهيّة الحكم لا وجود الحكم من حيث إنّه المعلوم بالعرض؛ فوجود العلم متقوّم بالمتعلّق وطرف الإضافة، فيتوقّف وجود الحكم على وجود العلم فيما يتوقّف وجود العلم على ثبوت المتعلّق وهي الماهيّة، فلم يتوقّف الشّيء على نفسه.
ومن هنا ظهر: أنّ أخذ العلم بالحكم في الموضوع يقتضي موضوعيّة العلم بمتعلّقه للحكم وتحقّقه قبله، لكنّ الحكم المعلوم في رتبة الموضوع هو الحكم من حيث ماهيّته قبل تحقّق الحكم وجودًا بالحمل الشّائع كمعلوم بالعرض؛ فليس يلزم فرض المعلوم بالعرض في رتبة الموضوع، لأنّ متعلّق العلم ماهيّة الحكم لا الحكم الخارجيّ ليلزم ثبوته قبل ثبوته.
الوجه الثّالث: ويرجع تصويره إلى الخلف؛ ومفاده: أنّ مقتضى تقييد الحكم بالعلم هو أن لا يكون موضوع الحكم هي الطّبيعة بما هي، بل الموضوع هي الطّبيعة المقيّدة بالعلم؛ فلو أخذ العلم بوجوب الصّلاة في موضوع حكمها كانت الصّلاة واجبة على تقدير العلم بالوجوب، أي صار موضوع وجوب الصّلاة هو العلم بوجوبها، فليس موضوع الحكم هو صرف الصّلاة بل الصّلاة المقيّدة بكون وجوبها معلومًا.
لكن من جهة أخرى، مقتضى القيد أي العلم بالوجوب هو كون متعلّق العلم هو الحكم المتعلّق بذات الصّلاة لا بالصّلاة المقيّدة بالعلم، أي إنّ مقتضى إضافة العلم إلى وجوب الصّلاة هو تعلّق العلم بواقعيّة غير منوطة بالعلم.
فتعلّق العلم بوجوب طبيعة الصّلاة، مع كون الفرض أنّ العلم مأخوذ في موضوع وجوب طبيعة الصّلاة، ما يجعل متعلّق الوجوب هي الصّلاة المعلوم لا طبيعيّ الصّلاة، وهذا ينتج كون أخذ العلم بالحكم في موضوع الصّلاة وجعلها مقيّدة به هو خلف كون متعلّق العلم هو وجوب طبيعيّ الصّلاة غير المقيّدة بالعلم.
إذن، يقع التّخالف والتّباين بين كون متعلّق الوجوب حصّة من طبيعيّ الصّلاة وهي الصّلاة معلومة الوجوب، وبين كون الحكم المأخوذ متعلّقًا للعلم في رتبة الموضوع هو الوجوب المنصبّ على طبيعة الصّلاة بلا قيد العلم بوجوبها، لأنّ العلم كاشف عن متعلّقه وليس موضوعًا له، وهذا لا يجتمعان.
فإن قلت: لا يحصل الخلف إلّا في فرض تقييد الوجوب بنفس العلم، لكن إذا كان مقيّدًا بالحصّة التّوأم فلا إشكال؛ بمعنى أن يكون المتعلّق هي الطّبيعة لكن التّوأم مع العلم بحيث لا توجد إلّا حال مصاحبتها للعلم، وهذا لا ينتج الخلف، إذ الخلف ناتج عن التّقييد بالعلم لا عن جعل متعلّق الوجوب الطّبيعة التّوأم مع العلم، والحال أنّ فرض التّوأميّة لا يعني التّقييد، لذا يسري الحكم إلى جميع أفراد الطّبيعة من دون أن يكون المتعلّق هي الطّبيعة المقيّدة.
وعبارته هنا:"لا يقال: هذا إذا كان العلم قيدًا للواجب وأمّا إذا كان الواجب ذات الحصّة الملازمة للعلم، فالوجوب متعلّق بذات الصّلاة بحيث لا يتعدّى ما لا يلازم العلم".
قلت: مع القبول بمعقوليّة الحصّة التّوأم وأنّها تعطي نتيجة التّقييد من دون أن يحصل تقييد للموضوع، لكن ليس الأمر كذلك هنا، فموضوع الحكم هو طبيعيّ الصّلاة لم يتخصّص بالعلم بالوجوب والجهل به، بل تخصّص الواجب بما هو واجب بالمعلوم والمجهول، وهذا ما لا يتأتّى إلّا في فرض التّقييد.
"لأنّا نقول: طبيعيّ الصّلاة لا يتخصّص بالعلم بالوجوب والجهل به بل الواجب بما هو واجب يتخصّص بالمعلوم والمجهول، وفرض العلم بوجوب الصّلاة فرض تعلّق الوجوب بطبيعّ الصّلاة لا بحصّة منه، ولازمه الخلف".
نعم، إذا كان العلم الملحوظ في رتبة الموضوع هو العلم الاتّفاقيّ، بحيث يجعل الوجوب على طبق ما اعتقده القاطع من الوجوب على نحو لا يكون هناك وجوب واقعًا قبل حصول القطع به من باب الاتّفاق، فلا يلزم الخلف.
لكنّه يلزم من هذا اللّحاظ للعلم الاتّفاقيّ في رتبة الموضوع اللّغويّة وإن انتفى محذور الخلف، كأن يجعل وجوب الصّلاة للعالم بوجوب الصّلاة من حيث إنّه قد حصل علمه اتّفاقًا، فهذا لغو من حيث إنّ هذا العلم الحاصل بالوجوب إذا كان كافيًا للمحرّكيّة والانبعاث، فلا حاجة لجعل الوجوب، وإذا لم يكن كافيًا فلا أثر لجعل الوجوب.
إذن، لا يرد إشكال الدّور كما مرّ، كما أنّ محذور الخلف يرد على فرض (ينحلّ إلى فرضين) دون وروده على فرض آخر بحيث:
- إن فرض كون العلم مأخوذًا قيدًا في موضوع الوجوب أو متائمًا للموضوع، فقد صار دخيلًا في فعليّة الحكم للحاظه في أصل الجعل على نحو القضيّة الحقيقيّة، وهو خلف كون متعلّق العلم هو طبيعيّ الواجب.
- فيما إن فرض جعل الوجوب على طبق ما اعتقده القاطع من الوجوب على نحو لا يكون هناك وجوب واقعًا قبل حصول القطع به من باب الاتّفاق وعلى نحو القضيّة الخارجيّة كما عبّر السيّد الرّوحانيّ، فلا يلزم الخلف لكن تلزم اللّغويّة.
نعم، يمكن التّخلّص من إشكال اللّغويّة بالقول بأنّ المولى قد أخذ العلم بالحكم في الموضوع على نحو القضيّة الحقيقيّة لكن بحيث تكون هذه القضيّة بنفسها محقّقة للموضوع، لكن يتأتّى محذور آخر وهو امتناع الوصول.
الوجه الرّابع: وهو مختار المحقّق الأصفهانيّ وما يراه مقتضى التّحقيق: وهو امتناع الوصول.
هنا شرط كلّيّ للتّكليف وهو أن يكون قابلًا للوصول، فمثلًا جعل حكم للغافل بما هو غافل غير قابل للوصول، وإن كان يمكن أن يوافقه اتّفاقًا، لكنّه خلاف الغرض من الحكم وهو أن يكون محرّكًا على تقدير الوصول.
فمعقوليّة الحكم تتوقّف على إمكانيّة المحرّكيّة على تقدير الوصول؛ فإذا قال المولى وجبت عليك الصّلاة إذا علمت بوجوب الصّلاة، فلا بدّ من وصوله حتّى يحرّك، ووصوله بتعلّق العلم به، فلا بدّ من العلم بالموضوع المركّب المأخوذ فيه العلم بالحكم كجزء من الموضوع، فلا بدّ من العلم بالعلم بالحكم، والحال أنّ العلم بالعلم على ما ذكره السّيّد الصّدر بنحو منقّح هو: إمّا نفس ذاك العلم وإمّا لا ينفكّ عنه، فإن كان نفسه فقد توقّف الشّيء على نفسه، وإن كان ملازمًا له فقد توقّف الشّيء على ملازمه؛ فثبت المطلوب من عدم إمكان أخذ العلم بالحكم في موضوع الحكم.
إذن، ذهب المحقّق الأصفهانيّ وكذا السّيّد الصّدر إلى كون أخذ العلم بالحكم في الموضوع ممتنعًا لا من جهة محذور الدّور ولا الخلف ولا ملاك الدّور بل من جهة امتناع وصول هذا النّحو من الجعل.
وقد ذكر المحقّق النّائينيّ بيانًا خامسًا مرتبطًا ببحث متمّم الجعل؛ ومحصّله: هو أنّه لا إطلاق للحكم بلحاظ الانقسامات الثّانويّة لاستحالة تقييده، وحيث استحال التّقييد استحال الإطلاق أيضًا، كما في مورد تقييد الأمر بقصد القربة أي قصد امتثال الأمر، إذ يستحيل لكون قصد الامتثال ناشئًا عن الأمر، والتّعبّديّة والتّوصّليّة من الانقسامات المتأتيّة بعد الأمر، فلا يمكن تقييد الأمر بالانقسامات اللّاحقة.
لكن يمكن للمولى في مثل هذه الموارد أن يفيد نتيجة التّقييد بواسطة متمّم الجعل كما يمكنه إفادة نتيجة الإطلاق. فإذا كان غرض الشّارع لا يحصل من الصّلاة إلّا مع قصد الأمر، أمكنه بعد جعل الوجوب لذات الصّلاة أن يجعل وجوبًا آخر يفيد وجوب الصّلاة مع قصد أمرها. وهذا الجعل الثّاني متمّم للجعل الأوّل بحيث يكون كلّ منهما ناشئين عن ملاك واحد وقد أتيا بهما لتحصيل الغرض الواحد.
وبهذا البيان يمكن للشّارع أن يأخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه، وقد استفاد من هذا البيان لتوجيه روايات مثل رواية أبان بن تغلب في القياس ولتوجيه كلمات الأخباريّين القائلين بعدم اعتبار القطع الحاصل من المقدّمات العقليّة وكذا لتوجيه عدم اعتبار القطع الحاصل من الأسباب غير المتعارفة.

